الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

"لحن الخرافة"

Share

أريد خبزا . أين الخبز ؟.. أين الخبز؟...

ودوى البيت جميعه : " نريد خبزا " وتراقص الاخوة وصاحوا : نريد خبزا . كأنما قد جنوا ، او كأنما احشاؤهم قد ضغطت على حناجرهم فانطلقت كبوق الانذار ، : نريد خبزا . وخفت الام إليهم ولكن الطفل الاصغر أخذ يلطم وجهه ويركل الارض ، ويغمغم ، كمن كان ينتقم من نفسه ، ومن الجوع . أو كمن اختنقت الالفاظ على شفتيه . فانقلبت غمغمة ، شكوى ورفع الثاني رأسه ، وحملق بعينية ، واصاخ السمع ، ثم جعل يتشمم بأنفه ، كالكلب يتشمم جيفة ، ثم صاح : " انى اشتمه لحما مشويا ، آه ما ألذ طعمه ، وما أطيب رائحته . . إنه لاشك عند جارنا مبروك ، ومن كجارنا مبروك يشترى اللحم . . ويأكل اللحم ؟ " وأدار لسانه فى حلقه مرات ، وقد تحليت أشداقه ، ورمع انفه ، وقال : إنى أريده لحما يقطر دما إنى امسكه بكلتا يدى . وامزقه هكذا بأسنانى . هكذا امزقه باسناني تمزيقا ، وانهشه نهشا ، آكله ، ابتلعه ، ازدرده ! ازدرد قطعتين . . ثلاثة اربعة . عشرة ! لن اجوع بعد ذلك ، لن اجوع ابدا ! . املا بطني كله ، شحما ولحما . وقالت البنت . مشيرة بيديها بل أنا اريد " خبزة " كبيرة ، حارة الانفاس ، أشقها شقا ، وأسقيها زيتا ، ثم اجعل بها لحما كثيرا . قطعتين كاملتين . وآكلها وحدى ! سآكلها وحدى

وضغط الجوع على الاطفال فانفجروا باكين : نريد خبزا اين الخبز يا امي ؟.. اين الخبز ؟

وضاقت الام بضجيجهم ، وبكائهم ، ونفذت في صميمها سهام اقوالهم فغضبت ، واستاشرت ، وصاحت : كفى أود . . كفى ! أين الطاعون ! . . اين الوباء لتذهبوا جميعا إلى الشيطان . . لتذهبوا إلى الشيطان . . أنتم

وجوعكم ، وأمكم . . وجاركم مبروك . . أمسكم جنون ! الا تنتظرون أباكم ، إنه سيعود بخير كثير . . سيعود بخبز ، وزيت ، ولحم ، وفاكهة وما تشتهون ! وانفجرت الام باكية تقول : مسكين انت ، انت مسكين يا ابا أبنائي ! إنك تعمل النهار كله . ولكن هؤلاء لا يصبرون !

. وزاد ضجيج الاطفال ، وتداخلت انغام صيحاتهم . وما استعلموا للتهديد ، والوعيد ! وانطلق الطفل الاصغر إلى فراش أبوبه وكان لوحتين قد مدتا على آجر ، فزحف تحته ، ليرى هل خبأت أمه هناك خبزا ، كما كانت تخبئ أحيانا ، وجاء أخواه ، وقالا : " نقتسم يا صالح ! . . نقتسم يا صالح ولكن صالحا خرج ولم يجد شيئا . . فرفعت البنت بصرها إلى سقف البيت ، فإذا سلة الخبز معلقة بمسمار فى جدار ، فصاحت كالمنتصر الظافر : انظروا سلة الخبز ! . . " وصاحوا جميعا : سلة الخبز . سلة الخبز ، . وخفق قلب الاطفال كالقط تجمع للوثبة . وتقدم الطفل الاكبر ، فوقف على أصابع رجليه ، ومديه ، وتمطط . . ولكنه لم يلحق سلة الخبر فالتفت إلى أخويه وقال : والله لو أعاننى أحدكما فكان لى مركبا ، لاعطينه خبزا . . ثم جعل رجليه على كتفى اخيه ، وانزل السلة ، ولكنها كانت فارغة ، خاوية كقلب اليائس ، فرمى بها الارض بأسا ! فانفجرت أمهم ضاحكة من جهودهم تذهب سدى ، ومن جوعهم بهم يشتد . . وانفجر الاطفال كالذئاب تعوى : نريد خبزا . . فلانت الام وقالت : انتظروا قليلا فسأطحن لكم شعيرا . . واختبز لكم رقاقا

وذهبت إلى ركن البيت فغمست يدها في جرة فأخرجت منها حفنتين من شعير ، ثم جذبت الرحي من تحت الفراش ، وفرشت لها جلد ضان ، ونصبتها ، ومدت رجلا ، وثنت أخرى ، واخذت تدير الرحي . . ولكن الاطفال لم يصمتوا ، ولم يسكن ما بهم من جوع فجعلت شفاههم تردد كالصدى البعيد ، - نريد خبزا . .

فقالت أمهم : لو صبرتم ، فسكت عنكم بكاؤكم ، وانتظرتم ، وأنصتم ، لقصصت عليكم " خرافة " كتلك التى تحبون ! أفهمتم ؟

فصمت الاطفال ، كالخرير ينقطع فجأة ، وتقدموا من أمهم كانما كانوا ينتظرون دواء لآلامهم ، وهدهدة لخيالهم ، وجوا يشيع في نفوسهم الصبر

والنسيان . فجلس أحد الصبية عن يمينها ، وأقعى الآخر عن شمالها ، ولصقت بها البنت كمن يريد أن يدخل بين الضلوع .

فكرت الام ، ثم رفعت عينيها الى السماء ونظرت نظرة باهتة . ذاهلة كانما كانت تستقرىء الغيب ، ثم تكلمت فجاء صوتها مع " غطيط " الرحي أبح مختنقا قالت : " كان ما كان . . كان رجل في قديم الزمان ، يقال له " هفان بن هيثم " وكان ذا عيال وجود ، وخير ، وكان سيدا فى قومه ، تتجه إليه الانظار . ويجده الناس عند المحنة ، فهو كذلك سنين من حياته ، لا يشكو ضيقا ، ولا يعرف لون البؤس ، حتى اصابه ، واصاب الناس جهد وجدب ، فصبر كثيرا ، وصمد كثيرا إلى ان اشتدت به الحال ولم يبق لديه شىء ، سوى براح من الارض ورثه عن ابيه ، وحافظ عليه كالذكرى القديمة . . وإنه لعلى صبره ، وصموده ، واعتزاله الناس إذ هده الجهد ، وهدده الجوع ، وتراءت له أسباب الفناء . . فقال : ليس الجود في ان انطوى على الجوع ، وأعتزل الناس حياء ، واحمل الجدب بين الضلوع ، وانتظر الموت ياتى إلى ، بل الجود فى أن آبذل قصارى الجهد ، واقاوم ، واثبت ، واصارع ، واقهر الموت والجدب ، وإن الجود إلا هذا أو لا بدون . . بل لن يكون الجود إلا تحديا ، وقهرا ، ونفيا للعدم . . ولن يخذلني ساعدي ، او يتسرب الياس إلى نفسى ، ولي عزم حديد ، لاقومن إلى هذه الارض ، ولاقلبنها ، ولاخدمنها . ولافجرن من بطنها ماء ، فأبعث به حياة رزقا . . وقام الى آلاته وفأسه ، وأقسم ليفجرن الماء أو يموت !

لقد كانت الارض غبراء ، قاحلا ، ليس بها نبت ولا شجر الا نخلة عقيم قد حنى الدهر ظهرها فهى كالباكى على الاطلال ولكن " هفان " قال لاعلمن هذه الارض كيف يكون العزم ، ويتولد الخلق ، ولا كونن لها فحلا ان كانت فى حاجة الى ضراب ، ولانفثن فى بطنها حياة ، فاعلم الاجيال ! . .

وانكب " هفان " على الارض يقلبها طبقات ويقول لاجعلن هذا التراب ذهبا لماعا ، . . سينبجس الماء ، ويشع الامل ، وكان كلما ادركه الجهد ، او مسه اللغوب ، " يغمغم " : كن كالحجر الصلد فى صميمه النار ، والاحراق والقوة او فلتكن تحت التراب ! ولكنه مع ذلك كان يشتد به الاعياء احبانا ، فيرمي بآلاته وفاسه ، ويلتجئ الى النخلة ، بها يستظل ! وانه لكذلك يوما ، وقد اعياه العمل

ونضح منه عرق غزير اذ خيل اليه ان الارض به مادت وان الجو قد اكفهر وولولت ريح عاصف قد دعذعت كل شىء ، فكان الارض " قد زلزلت زلزالها واخرجت اثقالها " وظن النخلة مانعته ، فامسك بجذعها ، وجعل يرتعد ولا قرار ! ففتح عينيه كالفزع المرتاع ، فطمستا ترابا ، ففرك عينه ونظر كرتين فاذا هو ير ظلاما هولا واذا هو ظلام فى ظلام ، ثم اذا الظلام ينشق عن جماجم موتى لم ير مثلها قط ، سابحة ، نازلة طالعة ، واذا هي تتدافع وتتراقص فتحدث دويا رعدا ، فيزداد ما بهفان من جزع وخوف ؛ ويتمنى لو لم يكن . . كان . . ثم اذا قهقهة كتكسير الزجاج تصل الى اذنيه كصوت الزبانية انذارا بالعذاب ، ثم اذا هواتف كلصوص الليل ، به تهتف : " تبتغي ماذا ياهذا ! ما اشد غرورك ، واكذب سرورك ، واعظم فجورك ، هذه الارض نحن خلقناها ، وانبتنا عشبها فكسوناها ، وفجرنا ماءها فاحييناها ، ثم بان فجورها فهجرناها ، ونضب ماؤها فاحرقناها ، وانزلنا عليها اللعنة فنكسناها ، انك لن تبعث بها حياة ، ولن تبلغ من الامر شيئا ، فانظر الى عرقك نتنك ، ينضح الارض ، وتذكر عرق امثالك بني الانسان ! انك لن تخرج الا ماء اجاجا ، عرق الاجيال فى الارض تجمع . . ودموعا . .

وانفجرت قهقهة ساخرة ، هازئة ، انفطر لها قلب " هفان " . . ثم عاد الهاتف يقول : وجودك صدفة ياهذا ! انك لكالدمية فى يد الاقدار ، تعذب وتنهار وتموت ولا تختار وان الالهة ليصيبها السهاد ويطغى القلق ، وتحن الى "الشطرنج" فتتخذكم كالبيادق ، ولا روح . . ثم هى تهزا من نهمكم وجوعكم ، وتسخر من الامكم ،  امالكم وسخطكم ، وتحاسبكم شديد الحساب . . .

واغمض " هفان " عينيه ، ولكن الجماجم جعلت ترقص رقصا دويا ، وتتدافع كالسابحة على ايقاع . . فاستعاذ هفان من الشطان ، وبقى الهاتف يقول : " انك كامثالك بني الانسان ، ترتفع اعينكم الى السماء شوقا وتوقا ، وتصبون إلى الضياء ، مفعمى النفوس اطمئنانا ، وإيمانا ، وتتوهمون القدرة ، وتنسون الخلق ! ثم تثقل بكم اجسامكم ، فتقعون إلى الارض ، وتشدون اليها باهوائكم ، واحشائكم ، وأمعائكم ، ونهمكم ، وليس لكم من التحليق ، الا ما للطائر المهيض ، يصفق جناحاه ، ولا يقوى أن يطير ! فأعضدوا أحشاءكم . جوعكم ، إن اردتم أن تطيروا ، أو كلوا التراب أكلا ، . فحولوه دما فى العروق !

ففتح " هفان " فاه ، وصاح صيحة خيل إليه أنها تتغلغل فى الصدور ، وتبعث من فى القبور . . لاحولن التراب دما فى العروق ، لاحولنه ! !

وشعر " هفان " وكأن الاطمئنان قد عاد إلى نفسه ، وزال الكابوس ، وانقضى الهول ، ففتح عينيه ، فاذا الظلام ينقلب نورا وضاء ، وإذا الريح تجرى رخاء ، وإذا أمامه أشجار ملتفة ، مهدلة الاغصان ، يانعة الثمار ، ريانة البهاء وإذا زرع متموج جميل ، وإذا مياه دافقة خرارة ، وطيور كلون الاحلام ، عذبة التغريد ، وإذا اناس تحت الاشجار متكئون ، وحولهم شراب وما يشتهون . . وأحس " هفان " بالشبع والارتواء ، وهدهده الجمال فإذا صوت غريب كأنما تصفق به شفاه الماء " إن أمركم عجب يا بني الانسان ! إنكم لا تفكرون فى الجنة إلا وقد تأكلكم الكبت ، وهدكم الحرمان ، وداعبكم الخيال ، فتقتم إلى الخمر والولدان والحور الحسان .

وكاد " هفان " يجن ، لولا ان تبخر ما كان يرى ، وصمت ما كان يسمع ! فنظر فإذا الفأس قائم كما كان ، فوثب إليه وقال : لاعلمن الآلهة كيف ينقلب الخيال إمكانا خلقا ، ويكون العمل غلبة قهرا ، لازيلن القحط والجدب ، لافجرن الماء . . وجعل يردد سينبجس الماء ، سينبجس الماء . . .

وبقيت الرحى تدور . . و " تغط " وتأكل أحشاءها . ولكن المرأة امسكت عن الكلام ، لان أبناءها ، قد أغفوا على "لحن الخرافة"

اشترك في نشرتنا البريدية