الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 240 الرجوع إلى "الثقافة"

لذكرى الامام وذكرى المعلم :، حكم وعظة

Share

ليس هذا مقالًا ، وإنما هو اقتباس ؛ وليس يحسن بالمستعير أن يطيل الحديث وهو يعرض على الناس عاريته ، وحسبه أن يطيلوا هم التمعن فيها ليفيدوا علماً ، وليكسبوا عظات .

إنه حكم أصدره القاضي الجزئي " أحمد قمحه " لنحو من أربعين سنة ؛ وإنه ليعرض فيه قضية الصحافة واللاصحافة ، ويفصل بين اتهام ومتهم ، أو بين " صحيفة " وموظف ، أو بين جريدتي البابا دوغلو المصري والارنب ، وبين الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية . فليسكت المقدم ، وليتفضل الخطيب والأستاذ والمحاضر :

" وحيث إنه بالنظر لأهمية الجرائد على العموم ، وللفوائد الجليلة التي تعود منها على الأمة والبلاد ، يجب ألا يتولى إدارتها والتحرير فيها إلا رجال من ذوي العلم والعرفان ، يدل حاضرهم على مكانتهم وأهليتهم لمهنة الصحافة الجليلة ، ويشهد ماضي أيامهم بحسن السمعة والجدارة بالثقة العمومية .

وحيث إنه يدعو إلي شديد الأسف ظهور بعض جرائد في هذا العهد يحررها أناس منزلتهم من العلم والفضل تدور بين الشك واليقين ، حتى لقد يقود زمام بعضها من لا دراية له بشيء من القراءة والكتابة على جهة الإطلاق ، مثل صاحب جريدة الفوتوغراف ، فإنه من الأميين كما ظهر في قضية شهد فيها أمام إحدي المحاكم ، حيث وقع الشهادة بالختم مصرحاً بأنه لا علم له بالكتابة .

وحيث إن من نكد البلاد ، ومن البؤس على الصحافة أن يوجد بين أربابها أناس معظمهم من الهمل طريدي الهيئة الاجتماعية على ما يظهر ، قد جعلوا ديدنهم الارتزاق من طريق التشهير بالناس والحط من كرامتهم ، لا يوقرون

عظيما ، ولا يراعون كبيراً ؛ وأصبحت جرائدهم الكثيرة العدد القليلة البركة من علة الفوضى التي في المطبوعات في البلاد .

وحيث إن الضرر على المجتمع الإنساني من وجود تلك الوريقات المنحطة التي لا تنطق إلا بسفساف القول . ولا تسير إلا في طريق جرح العواطف وإيلام النفوس ، مما تمجه الآداب ، وتعاقه الآذواق ، لمن المضار التي لا يضاهي مقدارها إلا مقدار النفع من الجرائد الجديرة بهذا الأسم ، المخلصة في الخدمة العمومية ، وقد يتعدى ضرر تلك الوريقات إلي نفس أصحابها ، لأنها تكون مثابة السلاح الماضي في يد الصغير .

وحيث إن انطلاق الصحف في ميادين الحرية وإن كان من الأشياء المرغوب فيها ، ولم تكن له الآن قيود في الواقع من جهة السلطة الإدارية ، حيث إنها تصدر بلا رخصة وبدون ضمان ، وغير خاضعة للمراقبة ، غير أنها خاضعة بطبيعة الحال لسيطرة القانون العام ، فهو واقف لها بالمرصاد يضرب بأحكامه على أيدي المعتدين إذا هم خرجوا عن حدود الحرية المعتدلة المعقولة وانتهكوا حرمة الآداب " .

هذه بعض حيثيات الإدانة في حكم محكمة عابدين الأهلية الصادر في ٦ فبراير سنة ١٩٠٤ ، ووفقاً للوضع المسرحي المنقرض يعود المقدم فيلقي بتعقيبه ؛ ولكنه هنا لا يجد إلا أن يوجه التحية لذكري الإمام في شهر وفاته . وإلا أن يشفعها بتحية لذكري القاضي والأستاذ والمؤلف الذي أصدر حكماً فيه فصل البيان لما هو صحافة وما ليس صحافة ، في أسباب خليقة بالدرس ، مثيرة للموازنة بين الماضي والحاضر في أكثر من ميدان ، ولأ كثر من غرض .

اشترك في نشرتنا البريدية