كلما ذكرت اللزوميات قبل اليوم ذكر إلى جانبها أبو العلاء المعري وحده غير مدافع ، وكلما ذكرت اللزوميات بعد اليوم اقترنت بالمعري وأحمد مخيمر الشاعر المعروف ، الذي هاله أن يخلو الأدب العربي خلوا تاماً من لزوميات جديدة بعد المعري ، فتصدى لهذا العمل الشاق ووفق فيه إلى حد كبير .
يقول مخيمر في مقدمة لزومياته صفحة ٧ : " وعلى الرغم من أنني لاأملك قدرة المعري اللغوية ولا تؤثر في نفسي ظروف كظروفه - فقد رأيت أن أعارضه فيما ذهب إليه بهذا الضرب من الكلام الذي اختاره هو لنفسه وقيدها به وساقها إليه ؛ وقد دفعني إلى ذلك أني أردت أن أسلك في التعبير سبيله التي سلكها ، وأن أجعل لشعري نفس التأثير الموسيقي الذي أراد أن يجعله لشعره ، وأني كنت أشعر شعورا قوياً بأن من العجز أن تبقى لزوميات المعري هكذا تنتقل من جيل إلى جيل لا يلتفت إليه أحد بالمعارضة أو التأييد ، كأن الفرائح عقمن بعد أبى العلاء " .
لهذا السبب عكف مخيمر على نظم لزومياته القيمة وجعلها كما قال في صفحة ١٢ " قسمين : فيها خاصاً بالحياة والوجود ، وأهديته إلى روح أبى العلاء اعترافا مني بفضله عليّ وتقديراً لشعره الرفيع ؛ وقسما خاصا بالسياسة والاجتماع وأهديته إلى الشهداء في العالم العربي كله ، وهم الذين ضحوا بحياتهم في سبيل تحرير أوطانهم ، وكانوا الدليل الخالد على همجية الأوربيين وانحدار نفوسهم إلى درك مشين من المادية البائسة "
وفي القسم الأول يعرض الشاعر الحياة عرضاً واسعاً عميقاً يتناول كل ناحية من نواحيها ، ويشير إلى كل خبيئة من خباياها ، ويقف أمام الوجود يكشفه للناس ويجلو ما خفي عليهم منه ، وينفذ إلى أدق أسراره وأعمق أغواره
يتملاها ويتقصاها ويتأمل شتى نواحيها ومعانيها ، ويخرج من كل ذلك ظافراً بفكرة " الخلود " ليقنع هؤلاء المتشائمين الظانين بالله ظن السوء ، الذين يرون أن الحياة إلى فناء بارد رهيب ، فلم يؤمنوا بالخلود لأنهم لم يعرفوه كما عرفه مخيمر ، وقال فيه :
لئن صح ما زعم الزاعمون فويلٌ لأيامنا العانيه
فما أبتغي نعمةً لا تدوم، وما أشتهي لذةً فانيه
وكيف؟ وهذا المحيا الجميل وقد رفَّ مبعث إيمانيه
أرى في سناء الوجود الرحيب وأكشف أعماق وجدانيه
وأوقن أن رحاب السماء إذا ما دنا أصبحت دانيه
ويبعث بي فرحة بالبقاء تبدّد شكّي وأشجانيه
وهو يعلل الخلود تعليلا منطقياً طريفاً حين يقول :
كل طفل يأتي إلي هذه الدنيا دليل على حلود الحياة
ولعلم الأرواح بالخلد ألفت بذرها آية من الآيات
ويصور الخلود تصويراً فلسفيا فيه عمق ورسوخ
فيقول :
إن خلود الحياة عاطفة يكنها في ضميره الأبد
لذاك هامت به غرائرنا ولم يزغها الشقاء والكبد
وهل فناء الأفراد يكربها وإنما المرء فوقها زبد
ثم يرد على المتشائمين الذين يرون الحياة إلي فناء ، ويسكتهم بالحجة الدامغة والقول الفصل :
إذا صح أني لست في الكون خالدا
فما لي صبئا بالحياة وبالخلد ؟ !
وإن امرأ يحيا ويعلم أنه
سيفني لذو قلب على علمه جلد
دعوني استمتع بعيشي خالدا
فما أنا يا للناس - بالحجر الصلد
ويحس مخيمر بعقله الباطن كأنما ندت منه كلمتا " الحجر الصلد " وهو القائل :
في كل شئ على قدر الحياة به
حس من العالم الساعي يقربه
فيقول في قطعة " الجماد الحي " :
عز الذي أحيا الجماد فكم ترى
حجراً تجيش به الحياة فيورق
لو كان لم يألم لضربة معول
ما طار عنه لهيبه المتفرق
والحس ينتظم الوجود كأنه
شمس تبث النور ساعة تشرق
فينا وفي الأحياء طراً نبعه
رغم اختلاف صفاته مترقرق
وهو بهذه الآبيات المترقرقة من ينبوعه الثرار يرد على المعري قوله :
عز الذي أعفى الجماد فما ترى
حجراً يقص بمأكل أو يسرق !
لا حس يؤلمه فيظهر مجزعاً
إن راح يطرب ملطس أو مطرق
وفي القرآن الكريم : " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله يغافل عما تعملون " آية ٧٤ سورة البقرة .
ويعود مخيمر لتوكيد معناه في حياة الجماد أو في إحساسه بالحياة على أقل تقدير فيقول في " التراب " :
لا تحسب الثرب يوماً إن تمد له
عصاك لا يتأذى حين تضربه
لعل قمرية في الغصن هاتفة
ظلت بما هتفت في الغصن تطربه
كأن ناقله من أرضه قدر
عن أنس أترابه أمسي يغربه
في كل شئ على قدر الحياة به
حس من العالم الساعي يقربه
ويتقدم مخيمر - في هذا المضمار - خطوة إلي الأمام فيقول :
الكون أجمع لو علمت تشابهت
في كنهها أحياؤه وجماده !
سر الحياة بذاك أو في هذه
يعلو ويهبط والشعور عماده
والشعور عماده ، هاان الكلمتان بدواوين مما يصدر في هذه الأيام ، أيام الحرب والغلاء ووزارة التموين !
وتظل فكرة الخلود أعلى نغمة في قيثارة الشاعر الموهوب المتفتح للحياة ، حتى وهو يخاطب صديقه الشاعر المبدع عبد العزيز السعدني في بيتين اثنين قائلا :
عبد العزيز السعدني أنلتقي
في الود والرأيان مختلفان
فجماع رأيي كل شئ خالد
وجماع رأيك كل شئ فان
وتسحبه هذه الفكرة ذاتها وهو يمدح معالي إبراهيم دسوقي أباظه باشا " أبا الشعراء " بقوله :
لنبعك مد راحته رجائي
لينقع ظمأه من بعد خمس
سجاياك الحان رفعن صوتي
فكيف يطول في مدحيك همسي
تدفق ديمة وغرار سيف
وزأرة ضيغم وضياء شمسي
وتبتكر المعالي كل يوم
فتصبح في عجائبها وتمسي
ولو اني قضيت وجئت تدعو
سمعت صداي من ظلمات رمي
ويطول بنا الاقتباس من شعر مخيمر - شاعر الخلود - بعد ما مر بك من شعره في الخلود ، وقد أورده واضحا جلياً في مقدمة ديوانه ثم في شعره كله . وشعره كله على هذا النسق الجميل الذي رأيت ، وإن كان في لزومياته أجود من ذلك بكثير .
وفي القسم الثاني يبدو أحمد مخيمر الشاعر الشاب على صورته النفسية الصحيحة صريحاً كل الصراحة ، يهجم على سعد زغلول لأنه في رأيه أكذوبة " الأجيال " ؛ وسواء أخالفته أم لم تخالفه فأنت تقره على قول الحق في ضريح سعد ، وفي كل ضريح :
شادوه من جهد الفقير وبؤسه
ودموع شعب صارخ يتألم
لو كنت أملك معولا لهدمته
فالبغي فيه راقد مستسلم
فلسنا في حاجة إلى الأضرحة والتماثيل والنصب التذكاري ونحن نسمع " أسطوانة الفقر والجهل والمرض " تتكرر كل يوم ! وهو يفضل المقطم على الاهرام لنفس هذا السبب . ولنفس هذا السبب أيضاً يقول في كاتبة مصرية معروفة :
عجبت لمن تبكي على البؤس في القرى
كأن قلبها الباكي على الرحمة انطوى
ولو أنها باعت مساحيق وجهها
لأعنت بها بيتين ناما على الطوى
وأفضل أن يقول : كأن طرفها الباكي ، لأن القلب لا يبكي إلا وهو منطو علي العطف والرحمة بحق . ثم يندد بالحزب النسائي في مصر لأن النساء :
يزاحمن الرجال وذاك جهل ،
وقعن به الغداة وما نهضنه
لقد أركبن خيلا جامحات
وأخشى أن يملن إذا ركضنه
من قصيدة طويلة تعد من غرد شعر الديوان . ولا ينسى الشاعر أن يهزأ بسياسة انجلترا وفرنسا وأمريكا ، ويتحدث عن نظام الإقطاع القائم بمصر الآن ويسخر من نوابنا " المحترمين " لأنهم :
صرعي الضمائر لا يعينيهم خلق
ولا يحركهم نبل ولا شرف
يظل أعلى رجاء يحلمون به
أن ينقش الثوب أو تزين الغرف
وأن تناط على الأضلاع أوسمة
وأن يمد رواق الراحة الترف
إذا رأوا مصر تبكي أظهروا جزعا
وابطنوا السخر مها حين تنحرف
وتمتد به صراحته فيتحدث في آخر لزومياته عن قضية قتل مشهورة ، ويضم صوته إلى القاتل ويتجنى على القتيل ويسوغ رأيه بحجج شعرية جميلة لا بأدلة منطقية معقولة ومهما خالفته هنا فستعجب بشعره ، والفن للفن كما يقال . واحسبني لست في حاجة إلى الإشادة بأسلوب مخيمر في الشعر ، وقد أوردت منه نماذج تدل على قوته وتمكنه وصلته الواضحة بالأدب القديم في اللفظ الجزل واللغة الفصحى ، وصلته بالأدب الحديث في المعنى الطريف والتفكير السديد وظهور مسحة من الفلسفة عليه ، يكسو ذلك كله روح مخيمر وشخصية مخيمر في كل قصيدة وفي كل بيت . وبالرغم من أنه يعارض المعري في لزومياته فلم تظهر
شخصية المعري مع قوته وضخامته وجهارة صوته ، وإنما ظهرت من بعيد وفي خفاء وغموض شخصية ابن الرومي بإيثاره الدقة واستقصائه المعاني وتتبعه شواردها ، وهي صفات عامة في بعض مدارس الشعر الحديث عمارها الأول ابن الرومي لا غيره من الشعراء .
وتمتاز لزوميات المعري بأنها تفتح باب الزهد في الحياة وتجلو صورها على حقيقتها وتشكك في كثير من المعتقدات ، وبأنها معجم لغوي ضمن الحياة لكثير مفردات اللغة ، وبأنها تاريخ لأفكار وآراء شاعت في عصر أبي العلاء .
وتمتاز لزوميات مخيمر بتفاؤل حلو وبإقبال على الحياة بلذة وشغف ، وبوضوح صورة العصر الحاضر في السياسة والاجتماع أشد من وضوح صورة عصر ابي العلاء في لزومياته ، وبما فيها من فكاهة خفيفة لا تكاد توجد في شعر المعري كقول مخيمر :
فما الجسم بعد الروح إلا خلاصة
من الطين والديدان تحسبها حلوى
و كقوله في "قذيفة الأطياف " :
لا يلبث الدهر أن تتري عجائبه
حتي تمد إلي المريخ أسيافا
قذيفة الذر مرت سوف تتبعها
قذيفة تحمل المحسوس أطيافا
إذا صعدنا إلي المريخ بعد غد
وهزنا الشوق زرنا الأرض أضيافا
وقوله " أن تترى " خطأ لأن تترى اسم مقصور لا فعل كما هو مشهور !
وتمتا لزوميات مخيمر أيضا بحرارة وحماسة وجرأة صريحة على إبداء آرائه في صور حادة قد يكون في بعضها إسراب او غلو نتيجة لفورة الشباب وهو في سن الثلاثين : بينما ترى في لزوميات المعري هدوء الكهولة حينا وبرود الشيخوخة حينا آخر ، وغموضاً مصطنعاً وعجزاً عن مجابهة
عصره بآرائه حتى لا يتهم بالمروق والإلحاد ، وقد نظم لزومياته في وهن العمر بعد الأربعين .
ولا بد لي أخيرا من وقفة قصيرة عند بعض التعبيرات كقول مخيمر ص ٢١ :
فما ابتغى نعمة لا تدوم
وما أشتهي لذة فانيه !
قالوا : الأصوب : فما ابتغي نعمة و " لا " اشتهي لذة . وكقوله في ص ٤١ :
أزهارها الفيح كأحلاميه
وظلها النضر كأوهاميه
الفيح معناها الواسعة ، لا كما يريدها وصفاً للرائحة . وفي ص ٥٤ :
غداً الحلم المرجو بعد حقيقة
عن العالم الأعلى تبين وتعرب
والصواب : فدا الحلم المرجو ( قبل ) كما يدل سياق الأبيات في " العالم الأعلى " وفي ص ٦٦ :
وقطفنا أزهاره البيض أحياناً وحينا أزهاره الحمراء !
والصواب أزهاره الحمر في آخر البيت . وفي ص ٨٤ عجبت لمن تبكي على البؤس في القرى ، وهو يريد : تبكي من البؤس لا عليه . وفي ص ٩٨ : بحجة أن القرآن يقول : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، والصواب بحجة أن " الحديث " يقول وفي ص ١١٢ :
كانوا لصوصاً نعم سمعنا
وقد عرفنا وكنت لصاً
وهو يريد أن يقول : كانوا لصوصاً وكنت لصا لأغير . وكل هذه الهفات اليسيرة لو - صحت - لا يمكن أن تقض من جمال هذا العمل الفني الضخم الذي اضطلع به شاعر " شاب " متمكن في الوقت الذي عمت فيه التفاهة وكادت تصبح هي اللون الغالب على الشعر الجديد مع
الأسف الشديد .
أحمد أحمد العجمي

