الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 602الرجوع إلى "الثقافة"

لسنج الناقد الألمانى

Share

١ - كثيرا ما لوحظ أن الحركات الأدبية فى ألمانيا تنهض على العموم من بدايات أو مقدمات نظرية أكثر منها عملية ؛ بمعنى أن المشاكل الأدبية توجد وتثار وتناقش قبل أن يكون لها رصيد من الأدب الألمانى ذاته . وهكذا كان الحال عند بداية القرن الثامن عشر . وفى بداية هذا القرن كان هناك إحساس عام بفقر الأدب الألمانى وفقدانه صفة الأصالة فقدنا تاما . وحتى تلك المحاولة الجادة لإنتاج ثروة أدبية ألمانية . تلك المحاولة التى ظهرت بظهور مؤلفات جتشد Gottsched ( ١٧٠٠ - ١٧٦٦ ) فقد كانت فكرتها واضحة فى تأسيس الأدب الألمانى الحديث على أساس تقليد الأدب الفرنسى الكلاسيكى . على أن الحاجة لم تكن فيما يبدو تدعو إلى هذا التقليد عن الأدب الفرنسى بخاصة ، لأن حالة فرنسا وظروفها فى القرن الثامن عشر لم تكن بعينها هى حالة ألمانيا وظروفها - فضلا عن اختلاف الشعبين الفرنسى والألمانى فى الطبائع والأمزجة اختلافا بينيا - فكان ذلك نذيرا بإخفاق تلك المحاولة . وزيادة على هذا لم يكن فى جتشد نفسه الكفاية لرفع مستوى الأدب الألمانى . ولم يكن فهمه للموضوعات الشعرية فى كتابه " فن الشعر " فهما صحيحا .

ولم يكن حظ هذه المحاولة بأسعد من حظ النزعة الجديدة التى ظهرت عند بدمر وبريتنجر ، تلك النزعة التى كانت ترمى إلى توجيه الأدب إلى التراث الدينى واتخاذه مادة للموضوعات الأدبية . وكان نموذجهما هذه المرة الشاعر الانجليزى ملتن .

ولا يكاد يهل الشطر الثانى من القرن الثامن عشر حتى نجد نشاطا قويا له قيمته وأهميته قد ظهر بظهور بعض الكتاب الألمانين ، وأيضا فقد ظهر شعراء مشهورون أمثال بوب وتمسون وغيرهما ، وكانت السوق فى الوقت نفسه قد غمرت بالكثير من التقليدات والترجمات ، سواء عن الفرنسية أو الانجليزية . وهذه هى الحال التى كان عليها الأدب عندما وصل لسنج وهو فى سن الثامنة عشرة إلى برلين ليصير عما قليل أهم ناقد .

٢ - بدأ لسنج يشق طريقه كما يصنع كثير من الشبان الآخرين ، فأخذ يكتب فى إحدى المجلات الأسبوعية الخاصة بالنقد ، وقد كتب قصصا كما كتب نقدا لألوان مختلفة من الأدب ، بادئا من القصة الطويلة إلى الحكايات الخرافية ، متعرضا لكل ألوان الشعر والمؤلفات العلمية والفلسفية والدينية . وقد استمر لسنج أربع سنوات يكتب هذا النقد ، مما أكسبه مرانا على الكتابة ، وطواعية فى الأسلوب ، ودوبة على النقد وتكوين الآراء بسرعة . وهذه الآراء هى التى كونت فيما بعد أحسن مؤلفاته .

لم يكن لسنج يجنح مطلقا إلى المغالاة ، بل كان معتدلا يمتاز بعقل عملى فهيم . ولذلك نجده فى المشادات العنيفة التى قامت بسبب القافية فى الشعر قد وقف بين هؤلاء الذين قالو بأهميتها وضرورتها وأولئك الذين عارضوا وهدفوا إلى إبطالها . ولم تكن القافية فى نظر لسنج أمرا لا بد منه كما أنها ليست أيضا شيئا يعاب ، وإنما يمكن أن يستعملها الشاعر أو لا يستعملها حسب ما يراه أليق . وقد دفعته خبرته المسرحية فى ليبزج إلى أن يلتفت إلى فائدة عملية للقافية فى الشعر ، فاعتبرها عاملا له قيمته الكبيرة باعتبار أنها تعين الممثل على التذكر .

وبعض هذه المقالات يلقى ضوءا على عقلية لسنج ، ويحدد موقفه من النقد فى هذا العهد . حفل القرن السابع عشر فى مجال الدراسات الفنية بدراسة قواعد الفن . وقد استقرت هذه القواعد بالتدريج ، وأعطاها بوالودسيرو فى كتابه " فن الشعر " ( ١٦٧٤ ) نظاما معينا ، وكان جتشد أول من عرضها فى ألمانيا فى الشطر الأول من القرن الثامن عشر ؛ وبالرغم من الهجمات التى هوجمها جتشد فإن هذه القواعد قد استمرت ، واستمرت لها صفة الاحترام نظرا لاعتبارها مؤسسة على تجارب الأقدمين . كان من الطبيعى أن تلفت هذه القواعد نظر لسنج ، ولكنه نظر إليها نظرة أخرجتها من نطاق القداسة المعهودة لها إلى نطاق الأشياء

الطبيعية التى تخضع لقوانين التطور والظروف المحيطة . فتزداد وتنمو وتتشكل بحسب نوع الإنتاج . وإذا فهى قواعد لا تفرضها فرضا ولا تفرضها فى كل حالة وعلى كل لون أدبى جديد ؛ وإنما تحكمها فقط فى المحيط الذى يسمح بتحكيمها ، كما أننا نضيف إليها ونحذف منها عندما تستدعى الحاجة ؛ وبذلك يكون أمام العبقرى دائما مجال فسيح للظهور ، فلا يتقيد بهذه القواعدة الموضوعة أو المتواضع عليها من قبل ، بل من حقه أن يطلق لنفسه العنان ، وأن يأتى فئه محررا منها . فالصحيح إذا أننا نقيس من فن العباقرة ما ينير لنا السبيل فى وضع قواعد الفن . وليس من حقنا مطلقا أن نفرض هذه القواعد على إنتاج كل فنان , فضلا عن إنتاج العباقرة من الفنانين ، وعبارة لسنج : (( لقد نشأت القواعد فى الفنون الجميلة نتيجة لملاحظة الإنتاج فى هذه الفنون ، وقد ازدادت هذه الملاحظة من وقت لآخر ، وهى ما تزال تزداد كما هو المعتاد من العبقرى الذى لا يتبع مطلقا خطوات سابقيه ، وإنما يشق له طريقا جديدة أو يستمر فى طريق معروفة من قبل ، ولكنه يتجاوز حدودها القديمة )) (١) . وخلال هذه العبارة تفهم رأيا سريعا لسنج فى العبقرى .

ومن تلك الآراء التى شرحها أيضا ورفضها فى هذه المقالات رأى روسو فى أن تطور الفنون والعلوم سبب فى انهيار الأخلاق .

ولا يبلغ لسنج سن الرابعة والعشرين حتى يقدم للجمهور طبعة تضم مجموعة من هذه المقالات ، كما شغلت رسائله النقدية مجلدا ثانيا . وقد كانت هذه الرسائل دفاعا عن الشاعرالعالم  (( سيمون لم )) Lamm . S الذى عاش فى القرن السادس عشر واختفت شهرته تحت وقع الهجمات التى شنها عليه مارتن لوثر وأنصاره .

وقد قلنا إن حركة الترجمة فى الشطر الأول من القرن الثامن عشر كانت على أشدها ، وكان من بين هذه المترجمات كتابا هوراس (( أناشيد )) و(( فن الشعر )) نشرهما لانجه  Lange سنة ١٧٥٢ . وكان لسنج معجبا بالشاعر الرومانى ، فما إن ظهرت هذه الترجمة حتى أخذ واستشاط غضبا لأن

الترجمة كانت ضعيفة ، ونشر مقالة يبين فيها مواطن الخطأ . وعندئذ تبدأ المعارك الأدبية التى خاض لسنج غمارها . وقد حاول لانجه أن يرد عليه . ولكنه تردى فى اتهامه بأنه كاتب مأجور فى نقده مما آذى لسنج أشد الإيذاء .

ومثل هذا الاهتمام بالتراجم والتدقيق فيها قد جر لسنج مرة أخرى وبعد مضى أربع سنوات إلى معركة أدبية أخرى بينه وبين ليبركون الذى اكتشف لسنج أنه لم يترجم لتيوقريطس (( مقطوعاته )) عن أصلها اليونانى ولكن عن اللاتينية . ومن هذا الاهتمام البالغ يتبين لنا بوضوح أن لسنج كان شديد الإعجاب بالأقدمين ، وكان لهذا أثره فى هذا الاهتمام . وهو لم يكن حنقا على التهافت الأدبى فحسب ، بل كان يعده خطرا ؛ ومن هنا كانت قسوته على المؤلفات التى لم تتوفر فيها العناية . أو المؤلفات السطحية أو التى تدل على جهل سواء أكانت أصيلة أم مترجمة .

٣ - وقد كانت تلك السنوات التى قضاها لسنج مشتغلا بالصحافة فى برلين سنوات إعداد أعقبها حال من القوة والتمكن تبدو فى رسائله الأدبية التى بدأها سنة ١٧٥٩ وكان فيها عملاقا من عمالقة النقد . والرسائل الأولى تتناول مرة ثانية مسألة الترجمة الرديئة ، وبعضها يدور حول المسرح وبعض التمثيليات ، وبعضها يتناول شاعرا أو آخر ، ولكن الأهم فيها هما هاتان الرسالتان اللتان أودعهما ملاحظاته على طبيعة الشعر . ففى الرسالة الثامنة عشرة نجده يقول : (( إن ما يستحسنه أساتذة الفن هو القاعدة )) , فنلاحظ أن موقفه من قواعد الفن - الذى سبق أن بسطناه بوضوح - لم يتغير ، فقوانين الفن عنده تمتاز بأنها ليست قوانين يختلقها المثل اختلاقا ، ولكنها تستخرج من أعمال العباقرة . وفى الرسالة الاولى بعد الخمسين نجده يقول بأن الشعر الغنائى مسألة أقرب إلى الشعور منها إلى التفكير المنطقى , وكان لهذا أهميته فى ذلك العصر الذى كان يتوقع دائما من كل صور الأدب نماذج أخلاقية وتوجهات تعليمية .

على أن هذه الرسائل لا ينبغى أن نبالغ فى أهميتها وإن دلت على تنوع المجالات التى طرقتها . والواقع أن لسنج قد استطاع أن يملأ الفراغ الذى لم يستطع جتشد أو غيره من قبل أن يملأه . ذوق مجاجة الشعب إلى التوجيه فى مرحلة التطور السريع للأدب الألمانى ، مما كان له اثره بلا شك فى ترقية الذوقى الألمانى فى مدى عامين .

٤ - وكانت خدمة لسنج لللأدب الألمانى أعظم فى مجال المسرحية ، فقد أصدر بمعاونة صديقه ميليس صحيفة تهدف إلى تثبيت المبادئ الذوقية بفحص المؤلفات النقدية وإيراد النماذج من المسرحيات اليونانية واللاتينية ومن غيرها من اللغات الأوربية المعاصرة ، إلى المسرح الألمانى ، وذلك بطريق الترجمة ، ولكن يبدو أن لسنج لم يكن يستطيع النهوض بهذا العبء .

وقد كان لسنج أكثر ميلا إلى الأدب الإنجليزى منه إلى الفرنسى , لإحساسه بالقرابة بين الذوق الألمانى والذوق الإنجليزى . ومن هنا كان يدعو إلى الاهتمام بأمثال شيكسبير ودريدن وغيرهما من كتاب المسرحية . على الأقل بمثل الاهتمام بالشعراء الفرنسيين . على أن هذه الصحيفة لم يصدر منها أكثر من أربعة أعداد . وقد قام لسنج فى العدد الأول منها بالتعريف بحياة بلوتس ومؤلفاته ، واتخذ للملهاة الالمانية نموذجا منه هو ملهاة (( الأسير )) التى قام هو بترجمتها .

وقد حاول لسنج أن يحمل منذ البداية على المذهب الكلاسيكى الفرنسى ، ولكن الضيق يبدو فى أفقه فى ذلك الوقت عندما يشير إلى أن هدف الملهاة هو أن تؤثر فى سلوك المتفرجين وتحسنه . وقد كان ذلك مبكرا ( ١٧٥٠ ) .

على أن اهتمام لسنج الجدى بالمسرحية قد بدأ حوالى سنة ١٧٥٤ ، فبدأ من هذا العهد ينشر بانتظام سلسلة بعنوان (( المكتبة المسرحية )) ، وقد كان معجبا بالملهاة الباكية كما هى عند جارت ، على أساس أن الربط بين الهزل والإنارة الطائفية أكثر واقعية من تمثيل واحد منهما فقط . وكان رأيه فى المأساة وسطا بين الرأى الشائع فى عصره وبين قطرته الصادقة التى جعلته يقدر (( المآسى )) الخارجة عن حدود القرن الثامن عشر . ويتضح ذلك من قوله : (( الواقع أنى لا أعده من الضرورة أن تفيد من قطعة من مأساة درسا عظيما ، وأن تتعلم من الصفحات المختلفة الحقائق المفيدة , ومع ذلك فمن الضرورى على أى حال أن لا يتعلم الشخص منها درسا فى الشر )) .

وقيمة هذا التقرير فى إطلاق سراح المأساة من ضرورة التوجيه الأخلاقى . وفكرة التوجيه الأخلاقى فى المأساة قديمة منذ عهد أفلاطون وقبل أفلاطون , ولكنها تظهر

بشكل واضح فى حملة أفلاطون على المسرحية على وجه العموم حينما خرجت فى عهده على هذه القاعدة قليلا على يد أمثال أبوريبيد ، وإذا ففكرة التوجيه إلى المثل الأخلاقية مرتبطة تقريبا بتاريخ المسرح اليونانى . والكلاسيكية الفرنسية المعاصرة للسنج كانت آخذة بهذه القاعدة وتلتزمها فى مآسيها .

ولعل هذا بالذات  - ونظرا لعداء لسنج للأدب الفرنسى بعامة - هو الذى حدا بلسنج إلى الدعوة إلى الخروج على هذا التقليد الأخلاقى ، ولكنه لم يكن غاليا ولا متهورا ، فقد رأيناه ما يزال يتقيد بشرط . هو أن لا يتعلم الشخص من المأساة درسا فى الشر . وكل همه من المأساة أن تثير دموع الشفقة والتعاطف الإنسانى .

٥ - لم يكن رفض لسنج للأصول الفرنسية فى المسرح بسبب نزعة هدامة فى نقده , ولكنه كان موجبا دائما فى هذا النقد ، وكان يهدف إلى البناء ، ولكنه كان معجبا بالمسرحية الانجليزية .  ومن أهم الأسباب التى جعلته يحمل على جتشد أن منهجه قائم على التقليد والتقليد فحسب . أو قل التقليد الأعمى , فضلا عن أنه كان سيئ الاختيار فيما يحكى أو فيما يترجم .

على أن هناك تنافرا كان لا بد من ملاحظته بين الذوقين الفرنسى والألمانى ؛ فالأول يميل إلى الرقة والليونة ، والثانى يؤثر الفزع ويرغب فى مشاهدة حركة على المسرح أكثر مما هو مسموح به فى المأساة الفرنسية . وهذه الكلاسيكية الفرنسية ذاتها تدل على القصور الشنيع عند الأدباء الفرنسيين وبعدهم عن جوهر الفن . هذان هما كورنى وشيكسبير ، تبع أولهما الأقدمين ونادرا ما صنع ذلك الآخر ؛ فقرب منهم كورنى فى الخصائص الظاهرية حين قرب الآخر من الجوهر . ومن هذا يظهر لنا أن لسنج لم يكن يهدف فى نقده إلى الهدم وحسب ، بل كان أيضا يتطلع إلى البناء على أسس سليمة .

وقد كان نقده للمسرحية الفرنسية والأمة الفرنسية على العموم يرجع إلى ضيقه الشديد بتفاخرهم وادعائهم لأنفسهم أكثر مما يستحقون ( قدم فلتير مثلا لسميراميس بقوله إنه كان من الممكن أن يتعلم اليونان كثيرا فى باب المأساة من الفرنسية . ) , ثم لإهمالهم الشنيع ، ولهذا النفوذ الذى اكتسبوه بشهرتهم فى ألمانيا وأثره السئ على المسرحية الألمانية .

اشترك في نشرتنا البريدية