الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 213الرجوع إلى "الثقافة"

لعب التمساح

Share

عرضنا في مقالات سابقة لمحمد بن دنيال المؤلف المسرحي المصري ، الذي عاش في القرنين الثالث عشر والرابع عشر ، كما بسطنا لقراء ) الثقافة مسرحياته التي وضعها خاصة لخيال الظل ، وقد توخينا في ذلك البسط إظهار الناحية الأدبية للقاريء ، ليري صورة من صور الحياة المصرية ، والتفكير المصري ، أو بمعنى آخر فنا من فنون الأدب العربي المصري في ذلك العصر . واليوم أعرض مسرحية أخري من نتاج القرن السابع عشر ؛ ومن وضع ثلاثة من المؤلفين ، وهم : الشيخ سعود ، والشيخ على النحلة ، وداود المناوي ، وتسمى ) لعب التمساح ( . أما الفضل في تعريف العالم الحديث بهذه المسرحية فيرجع إلي العلامة المحقق المستشرق الألماني أستاذي ) بول كاله ( ، فقد حضر عام ١٩٠٦ إلي مصر باحثا عن بعض المخطوطات والشخوص التي تتصل بخيال الظل ، ولا سيما فهو ثاني اثنين عرفهما العالم العربي كرسا حياتهما لهذا النوع من الأدب العربي ، أولهما ) جورج يعقوب ( الذي كان يدير معهد اللغات الشرقية بجامعة ) كيل ( ، وثانيهما مدير معهد جامعة ) بون ( على ضفاف الرين . وشاء الله أن يوفق ) كاله ( في حضوره إلي مصر ، فعثر عام ١٩٠٩ مع شخص يدعي ) درويش القصاص ( على مخطوطة عنوانها ) ديوان كدس ) ( من كلام الشيخ سعود والشيخ علي النحلة وداود العطار ( ، كما وجد رزمة

من المخطوطات في المنزلة تكمل هذه المخطوطة ، وجمع أكثر من ثمانين شخصا من شخوص خيال الظل التي ترجع إلي عصر المماليك

وتبدأ هذه المسرحية بظهور شخص على المسرح يسمى الحازق ، فيلقي ما يسمي بلغة القرن السابع عشر ) برهانة ( وهي :

تأملوا يا هل النظر    مافلت في هذا الخيال

  من المعاني الرايقه    مع حسن ترتيب المقال

بيت

خيالنا هذا المليح   على الخلايق ينطلى

 ومن يجي بعدي يروم  يصنع مثاله يبتلي

 بالكمد والقهر الشديد    وبالقصص قلبه ملى

ويرتجع خايب ذليل   في خزي زايد مع نكال

   والحاضرين يتمسخروا   عليه نساهم والرجال

وبعد أن يفرغ الحازق من هذه البرهانة التي تقع في أحد عشر بيتا يدخل رجل فلاح يسمي ) زبرقاش ( ، ويأخذ في إلقاء النشيد الذي مطلعه :

يا لطيف الصنع يا مولي الموالي     يا كثير الجود بفضلك تعف عنى

حسن ظني فيك أن تغفر ذنوبي    يا إلهى لا تخيب فيك ظنى

فيقاطعه الحازق ، وبعد أن يناقشه مناقشة قصيرة يعود الفلاح زبرقاش إلي الإنشاد ، فيقول :

يا الهي أرض إصلاحي شراقي   ما يكون الحال وانا خايف الفضايح

لا انزرع لي خير ولا قدمت تقوي   وانقلب فدان  صلاحي بالقبايح

كل ما اقلب في سواقي العدل وازرع    ينحصد قلبي يزودني جرايح

والفلاحة فتها وانت المسامح   إن باب عفوك لعصياني رحمتي

حسن ظني  

ومن هذا النشيد يتبين ان الزبرقاش والحازق من

قرية واحدة ، فتنشأ بين الأثنين صداقة ، ومن ثم يذهب الإثنان إلي النيل لصيد السمك ، وهناك يطرح الزبرقاش الغابة في الماء ، فتخرج سمكة كبيرة ، وتجذب الغابة بقوة يكاد معها يغرق الزبرقاش ، لولا مسارعة الحازق إلي إنقاذه وبعد نجاته  يخاطب الحازق قائلا : اسكت يا اخي ؟ السمك بتاع  البحر ده فتوه  ، خد مني الغاب وكفاني على وشي .

الحازق : لا ! اشوف لك عم يعلمك الصنعة

الزبرقاش : اعمل معروف يامقدم شوف لي عم يعلمني .

الحازق : طيب خليك وأقف وأنا أجيب لك واحد يعلمك الصيد . فينادي الحازق ويقول : يا حج منصور يا شيخ المعاش .

منصور : من ده اللى بينده ؟

الحازق : تعالى ، جبت لك ولد تعلمه الصيد .

منصور : حاضر يا ابني

ثم يخرج الحاج منصور وخلفه الزبرقاش ، ويقول شيخ المعاش :

يا زبرقاش ماذا أصابك لنا  واقف تعيط في دياجي الأسحار

هو حد مات لك افتكرته وإلا     تقشير ) ١ ( أصابك جنب شط الابحار

زبرقاش :

يا عم يا شيخ المعاش اصغي لي     يا من عطيت بين أهل فنك رفعه

قال لي دليلى حيث تعلق بالي  بغية الصيد واشتغال الصنعة

وبعد محاورة زجلية لطيفة بين شيخ المعاش والزبرقاش يقول الأخير :

يا عم ساهل دا الكلام وحياتك     دا الوقت أغني لك بليليق ) ١ ( سكر

يكون على الطار صنعته والمزمار    وكل داخل إن سمعنا يسكر

  من نغمة البكاء وضربه يسمي  اسكندراني في الضروبات يذكر

وكل خال إن جا حداه أو خايل    خايل عليه واتباع برخص الأسعار

ثم بعد ذلك ينتهي هذا الزجل ككثير من أزجال ذلك العصر يدور في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويختم بدور الاستشهاد ، وفيه يذكر اسم المؤلف . ويأخذ الزبرقاش بعد ذلك في غناء البليق المكون من تسعة أدوار ، ومطلعه

يا زبرقاش يابن الأخيار  ما لك محتار

  والدمع من عينك هدار  شبه الأمطار

وبعد الفراغ من الغناء ينصرف مع شيخ المعاش الحاج منصور إلي النيل للصيد . وهنا يسود السكوت ، ويخيم الصمت ، وبعد برهة يسمع صوت الأثنين وهما على شاطئ النيل يتأهبان للصيد ، وينشدان الأناشيد ؛ وبعد الفراغ من الغناء يلقي الزبرقاش الغابة في النيل حسب إرشادات شيخ المعاش ، فيخرج تمساح ويلتهم الزبرقاش إلا رأسه ، فتظل مطلة من فم التمساح ؛ وفي هذه الحفلة تظهر علي المسرح شخصية جديدة ، الا وهي شخصية الرخم ، وهو المضحك ، فينشد الفلاح زبرقاش نشيدا غاية في الجمال ، أقتطف منه :

قفوا انظروا فلاح   مكسور ذليل متهان

جوا حنك تمساح      من سالف الأزمان

دور

يا من رماك دهرك في فم ذا التمساح

قول لي على أمرك   وما دهاك يا صاح

لما بقيت لهفان   والسر منك باح

والسر منك باح    وانت بقيت لهفان

والدمع من عينك   يجري دما طوفان

دور  

طول مدني صياد   يا من سأل عني

في صيدهم معتاد   لما بقى  فتي

جيته ونا فرحان   تاريه يطعنى

تاريه يطعنى     جيته وانا فرحان

فياطبق وامسيت   باكي وحيني حان

وبعد أن يفرغ الفلاح من شكواه ، يتقدم الرخم وينشد

مطلع :

قبل الكلام أمدح نبينا الهادي    من أنطق الله له الحجاره ، يا صاح .

   والضب جاسلم عليه في الوادي   وأما الجمل من عظم ما به قد ناخ

رخم

يا أيها الفلاح فماذا صابك    لما بقيت في فم تمساح كاسر

دعوة فقير ولا دعاء من مظلوم        ولا مرابط كان بسره حاضر

وبعد ان يفرغ الرخم من دوره يعقب عليه الفلاح بدور آخر . وهكذا نجد أنفسنا أمام نقاش شعري في غاية الجمال والقوة ، ثم يأخذ الاثنان في غناء بليق ينادي بعده الرخم علي امرأة الفلاح ، فتخرج مسرعة ومعها ابنها ويحدث أن يدخل في نفس الوقت شيخ المعاش ، فينتهر المرأة وابنها ويطردهما ؛ ويعير شخص أسود ويغني :

  يا عيني لا تنامي   لا يحيك الحرامي

  يسرقوا بنت الوصيه   يضربوك خمسمائة

فيخاطبة شيخ المعاش : يا بربري ، يا بربري ! وهنا يسكت البربري ويظل صامتا ؛ فيناديه شيخ المعاش مرة

أخري : يا بو سمرة ، يا حج إدريس ، فيلتفت إليه البربري قائلا : خبر إيه ؟ إنت ما يحطش  شوية ملح في عينك وتقول يا حج كاشف   ! وبعد حديث طويل بينهما يعرض عليه شيخ المعاش مبلغا في سبيل إخراج الفلاح من فم التمساح ، فيقبل البربري ؛ وفي هذا الأثناء يمر رجل مغربي يسمي الحاج قدور منشدا :

قف أخبرك في دي زمان القبايح    ومن عدم الإنصاف قل الناصح

   وإنا مغربي رمال بتخني سارح    سبحان من يستر جميع الفضايح

وبعد أن يفرغ من إنشاده ، يعرض عليه شيخ المعاش مبلغا من المال إذا تمكن بسحره من إنقاذ الفلاح من التمساح ، فيقوم بين البربري والمغربي شجار عنيف ، يشترك فيه فيما بعد عدد عديد من البرابرة والمغاربة وأخيرا يتفق المتشاجرون على حل ، وهو أن يدفع كل فريق للآخر مبلغا من المال إذا عجز عن انقاذ الفلاح ؟ فيتقدم البربري كاشف نحو الفلاح يريد إخراجه ، وخلف كاشف يقوم بربري آخر يدعي عثمان ماسكا بكاشف ؛ ويتفق الاثنان فيما بينهما على أن يتكلما لغة سرية ( سيم ) يعني لا يفهم التمساح قصدهما أما هذه اللغة السرية فتلخص في لفظين : ( أرز ) و ( عدس ) ، أما لفظ ( أرز ) فمعناه أن يدفع عثمان ، بينما لفظ  ( عدس ) يعني ( يسحب ) . وبعد ذلك يتقدم كاشف ويمسك رأس الفلاح ويصدر الأمر ( عدس رز  عدس رز ) وأخيرا يصيح : ( عدس عدس ) فينادي عثمان : ( رز  رز ) ويدفع كاشف في فم التمساح مع الفلاح ؛ فيستولي الخوف على عثمان ، وينادي مغربيين يتمكنان من إنقاذ الفلاح وكاشف بإطلاق بخور وتلاوة عزيمة . وعقب ذلك يحملان التمساح على رأسيهما ويسيران به على المسرح ينشدان نشيدا ختاميا

اشترك في نشرتنا البريدية