لخصنا هذه القصة لأن نطاق الصص في الثقافة لا يضع لها تمامها وحرفها . وقد حرضنا فيها على مواضع أوردناها نصبا ، واحتفظنا للمواضع الشخصيه بروحها ووقعها . وقد تكون أغفلنا علامات الاقتباس في بعض ما نصصنا ، وأثبتناها في البعض الآخر ، فليغفر لنا القاري هذا الحيد عن المألوف علمله قد حملنا عليه ما اتفق لنا من اتساق الشرد ، ومطاوعة النص للايجاز (
كان ألويزوس فون جن من الحضريين ذوي المكانة ؟ رباه أبوه ، وكان في خدمة إحدي الأمارات ، تربية حرة ، فنضجت عبقريته السعيدة مبكرة . وكان حين التحق بجيش مولاه ما يزال لدن العود ، لكنه كان واسع العلم عامر الوطاب ؛ فلم يلبث أن اكتشف فيه الأمير مقدراته العظيمة ، وآماله الكبار . وكان ألويزوس يضطرم بحمية الشباب ؛ وكان الأمير كذلك . وكان ألويزوس جريئا مقداما ، وكأن الأمير بقدر هذا الخلق ، لأنه خلقه أيضا ، وكان ألويزوس سريع الخاطر ، مليح النكنه ، غزير الإطلاع ؛ فاستطاع أن يبث في محيطه من روحه ، وأن يفشر في كل مجلس بغشاء من مرحة ، وأن يخلع علي كل ما يلقاه فتنة ويبعث فيه الحياة . وكان الأمير ممن يقدرون هذه السجايا لأنه كذلك يتحلى بالكثير منها . وكان كل ما يباشره ألويزوس من جد الأمور وهزلها يحمل طابع العظمة ، فلم ترده عقبة عما يروم ، ولم يوهن خطأ من مثابته . وكان يعلي من قدر هذه الصفات شخصه النبيل الموفور الصحة والقوة . كان يحيش من ذهنه المتقد بالحياة ، ويحف به من مشبته ونظرته وكيانه جلال طبيعي بلطف منه تواضع كريم . وإذا كان ذهن هذا السمير الشاب سحر
الأمير ، فقد استحوذ ظاهره الجذاب عليه استحواذا ، واستيد بحواسه استبدادا . وكان تقارب سنهما وافسجام سيوانها وشممائنهما ، قد ولد بين الاثنين علاقة سرعان ما جمعت كل ما تملك الصداقة من قوة ، وما يستعر في الحب المتقد من نار ورفع ألوزوس عند الأمير مرتبة فوق صرتبة . لكن هذه الأمارات الظاهرة كانت دون ما يقدره الأمير في ألويزوس بكثير . وأزهر حظ الشاب ، ورفعه إلي العلا في سرعة فائقة ، لأن رب نعمته كان على ربوبيته بعبده ، وكان صديقه المشغوف به . وإنه لدون الثانية والعشرين إذا به يلقي نفسه في زروة هي في حياة أسعد السعداء نهاية الطمع والختام ، لكن ذهنه الدؤوب لم يدعه يستنيم طويلا إلي عجب الفراغ وزهوه ، أو يقنع بمظاهر العظمة الباهرة وهو الشاعر بقدرته على ممارسة جلائلها . فكان والأمير ينتهب اللذات انتهابا ، يكب وهو ذو الحظوة الأثير - على الأضابير والأسفار يستكنه مستورها ، ومهب الاعمال من نشاطه وجده ما ملكه ناصيتها ، وجعله لها حاذفا ، فلم يترك أمرا ذا خطر إلا زاوله بنفسه حتى بات مشير الأمير الأول ووزيره والمسيطر آخر الأمر عليه ، بعد أن كان واحدا من رفاقه ، وزميلا له في مباذلته . وبات الطريق إلي الأمير عن طريقه ، ومقاليد الأمور وتقليد المناصب والرواتب والمنح والمنع بيده كان ألو بزوس الحين بلغ هذه المرتبة ما يزال شابا صغيرا ، وحين وصل إلي الذروة قد صعد تصعيدا سريعا فلم يقصد في المتعة بها ، فلم يلبث أن جمح به طمووجه ، وأن يزايله تواضعه حين أدرك غابته . وأسكر شموخه ما كان يلقي من خضوع اكابر الأمارة ومذلتهم له ، وهو دونهم حسبا وكرامة وثروة . وأبدي سلطانه المطلق قسوة بعينها كانت كامنة في طبعه ، فكان أعداؤه يرتعدون منه ، وكان أصدقاؤه لا يتورعون عن مطلب عنده مهما بلغ في عسره وبهغله وقد أثري غيره في جاهه أكثر مما أثري هو ؛ ولم يكن يصدر في تصرف عن حق بقدر ما يصدر عن الهوي .
فلا في رضاء غلوا كبيرا ، وأسرف في انتقامه فلم يعرف فيه حدا وحال حساده وشانثوه أعداء له الداء ، وانقض من حوله حتى صنائعة وأسري معروفة ، كلهم يتربص به . وكلهم طريد غطرسته وعتوه .
وكان من بين هؤلاء نبيل من بيمونت يدعي الكونت مارتنجو . رفعه بيده ، ودسه في حاشية الامير صنيعة من صنائعة ، وبديلا له في مباذله ولم يكن يخشى ضره إذ كان قادرا متي شاء على رده إلي العدم الذي اوجده منه ؟ بل إن خشية الكونت إياه ، وانه في مركزه بفضله ، كانا في وهمه يؤمنانه جانبه ، فوقع فيما وقع فيه ربشيليو حين ترك للويسه الثالث عشر الفني لوجران بلهو به . لكنه عجز عما قدر عليه ريشيليو فكان له ربيب نعمته خصم أمكر من الخصم الذي بطني به ربشيليو فلم ينب في نده ، بل كان طوع مشبثته ، بظهر له الخضوع والخنوع ، ويلتمس عند مولاه الحظوة . ينتفع بالفرصة التي أتاحها له الوبزوس للتقرب من الأمير . وتعرف تلافيف نفسه والطريق إلي كسب ثقته ؛ حتى ألم بداخئله وتسلل إلي قلبه ، ونال آخر الأمر الحظوة عنده .
وقد نالها بأساليب تعلم الويزوس أن يحتقرها ، وكان له من كبريائه وعلو نفسه ما يفرز ومنها ؛ لكن مارتنجو لم يتوع عنها . فقد كان يعلم أن سبيل الغواية احوج إلي الدليل والرفيق من طريق الفضيلة ، وإن علم نقائص الناس افعل في التسلط عليهم ، فراح يثير شهوات عند الأمير كانت ساكنة ، ثم يعرض نفسه عليه في اشباعها مشيرا ومعينا . وقد دفعه إلي موبقات لا تطيق كثرة الشهود والعارفين ، فعرف من أسراره مالا يعرفه ثالث ووفق بإفساد الأمير إلي وضع الأساس لخطة القضاء على ولي نعمته ، وتم له الاستيلاء علي قلب لم يكن يدور بخلد ألويزوس أن يشاركه فيه أحد
ولامري . أن يستغرب كيف يتم هذا التحول الخطير
ولا يغنيه ألويزوس إليه . وتعليل ذلك بسيط . فقد كان الوزير أوثق بقيمته ومكانته في أن يخطر له ان الكونت يمكن أن ينافسه . وكان الكونت احضر ذهنا وأشد حذرا من أن تبدر منه بادرة تتم عليه ، أو تذهب بطمأنينة الوزير وأمنه . ولم يكن الوزير بكترث لما بين الأمير وحميره من خصوصيات ، فقد كان نفسه يحتقر ان يكون في موضع مارتنجو وهو رجل إنما يسعي إلي العلا ، وصداقة الامير نفسه في هذا السعي ، فهي وحدها التى تستهويه لكنه حين بلغ غاية التمني وحقق كل الآمال يلتفت إلي طريق العودة ، وترك السلم الذي صعد عليه يسقط من خلفه .
لم يقنع الكونت في مقارنته للأمير بالأدوار الثانوية فكان كل كما ازداد لديه حظوة تطلع إلي اعلا ، فارتفعت على الإيام مرتبته ، وعرض جاهه ، وازداد حز مذلته لالويزوس في نفسه ، واشتدت عليه وطأة تعاليه . وكان هذا كلما ارتفع صفيعته وريب نعمته ، يحاول تذكره بضعة نشأته ، فيزيد الشنآن بغضا له ، وانطواء على نية الأذي ، ومضيا في تدبير السوء
ووضع الكونت خطة للقضاء على الوزير ، ولم يكن متعجلا ، فهو يعلم ان حظوة خصمه عند الأمير مناصلة الجذور ، وان أنه محاولة قبل الأوان خليفة أن تعصف به هو ، وتزيد أليزوس تمكنا . فعني بأن ييكون الضربة التي يسددها مميتة في الحال .
وقد فقد الوزير شيئا من حب أميره ما في ذلك شك ، لكنه موضه باطراد هيئته . ومن يدع لوزيره الاضطلاع تمهام دولته والنهوض بهما عنه بقل استغناؤه عنه ، واستعداده لنكران فضله ، وقد اعزه كصديق ، وبالغ في إعزازه ، فهو بحله كوريره ويغلو في إجلاله
لكنه كيف حقق الإيطالي غرضه وبأي شيء توسل ؟ هذا ما ظل سرا مكتوما بين القليلين الذين اصابتهم الضربة والذين سددوها ويقال إن مارتنجو اطلع اميره علي
أصول مكاتبات سرية مريبة كانت بين الوزير وبلاط محاور وقد تضاربت الآراء في صحة هذه المكانيات او زيفها . وسواء اكانت صحيحة أم مزورة فقد بلغ بها الإيطالي غايته إلي اشنع حد . وبدا الوزير في عين اميره شر من انكر في هذه الدنيا جميلا وخان سيد وبدا ذنبه فوق منال الشكوك لا يعوزه تحر او تحقيق . ورتب مارتنجو مع الأمير أن يظل الأمر طي الكتمان ، فلا يلحظ الويزوس في معاملة سيده بوادر الأعصار الذي يتجمع فوق رأسه ليعصف آخر الأمر به ولا ينفك أمنا خالي الذهن حتى اللحظة التي يسقط فيها من خالق الجاء والعز والإجلال والحسد إلي حضيض الهوان والرثاء
وحين أزفت ساعة الفصل كان الوزير يزور ساحة العرض ، وكان في الجيش برتبة ) أميرلاي لكن هذه الرتبة العسكرية لم تكن شيئا مذكورا إلي جانب ما يحمله من ألقاب الأمارة ورتبها وما يتقلده من منصب الوزير وفي ساحة العرض كان له يوم في السنة يتقرب إليه فيه كل ذي جاء وترتعد منه فرائص التشككين في رضاء . كان حتى الأمير إذا حضر هذا اليوم احس فيه بالعزلة ، لكنه لا يخطر بباله ان يغير من اوضاعة إذ كان احوج إلي صداقة وزيره ، وكانت أجدي من المظاهر عليه
هذه الساحة التي كان ألويزوس يتلقي الولاء فيها وكان قبلة الانظار ، قد اختارها عامر تنجو مشهدا مرعبا لهوائه فبينا هو ناعم البال ، ومن حوله كذلك خلاف الذهن يأمر فيها وينهي ويترف الكل أوامره إذا بمار تنجو يظهر ومعه بعض مرافقيه - لا كرجل البلاط اللبق المنحني بالتحلة المفتر الثغر ولكن كأشد ما يكون قحة وزهوا كانه سيد بما كان قبل لحظة تابعا
ظهر مارتنجو علي هذه الصورة وتقدم الوزير بخطى ثابتة بادية التحدي ، ووقف حياله مغطي الرأس يطلب سيفه في هدوء بأمر الأمير . وتناول السيف المجرد وغرسه
في الأرض ووطئه بقدمه فانكسر قطعتين ، وتطايريت شظيتاه إلي قدمي الوزير وكأنما كانت هذه اشارة معطاة فانقض مرافقا مارتنجو على ألويزروس ، أحدهما ينتزع وسامه الصليبي من صدره ، والأحر يحل اشرطة الكتفين وعمائز البذلة ، وينتزع عن القيمة رباطها ، وحزمة ربشها .
كل هذا في مثل لمح البصر وهي مشهد من خمسمائة رجل يحيطون بالوزير ، فلم ينطق منهم احد ، ولم تتردد فيهم انفاس ، وقد وقف هذا الجمع المذعور ممتقع اللون ، خافق القلب ، عليه سماء الموت وتبسه وإن الوفا غير الويزوس الخلقاء ان تصرعهم غشية الذعر الاولي من مثل هذا المصاب . لكن أعصابه الحديدية ونفسه القوية صمدت لهذا الموقف الرهيب ، وخبرت المكروه فيه عن اخره .
) يتبع (

