الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 267 الرجوع إلى "الثقافة"

لعب القدر، -2-

Share

خلاصة ما تقدم :

( كان الويزوس فون . ج فتي طموحا ، مترجم الشمائل ، أنيس المحضر ، واسع الاطلاع ، فاستخدمه أمير في حاشيته فبهرته صفاته . فاتخذه سميره ومشيره . فلم يلبث أن استحوذ على الأمير ، فبانت الكلمة كلمته ، والطريق إلى الأمير عن طريقه ، وكان الأمير في مثل سن صفيه منفقا وإياه في الميول والمشارب لولا أن السمير ينشد العظائم والأمير يجب الاتكال على العظيم فكان أن تفرغ الويزوس لشئون الدولة شيئا فشيئا ، وأن خفف من غثيان مبازل الأمير . ولم يكن مناص في أن يحل غيره في هذه المباذل محله ، فاختار لأميره نبيلا ايطاليا يدعي مارتنجو ، جعل كل همه أن ينال الخطوة لدي الأمير في غفلة الوزير ، فلما تمكن عنه ، فكر في الإيقاع بالوزير وعض اليد التي أسدت إليه الجميل . وقد تم له ذلك ، وسقط الويزوس من حالق . وجرء من القابه ورتبه على مشهد من جمهور غفير لم يحرك الكبة الوزير ساكنا إلا كان قد اشداه السلطان وأمن الزمان المترجم ).

وسبق من الساحة إلي مركبة انطلقت به وسط شوارع المدينة فكنت تري النوافذ مفتحة ، والطرقات حافلة بالطلعة يتصابحون من حلف الموكب : هذا ساخر وذاك شامت ، واخرون اسفون اسفا شديدا على نفس الأبي من السخر والشماتة

وألفي ألويزوس نفسه في العراء ، ثم في طريق مفض إلى المحكمة العليا التي كابد أمامها صنوف العذاب من خشبة الموت ، ثم اقتيد في طريق مأهول إلى حيث قدر له ان يكون : إلى السجن . وقضي ، بين ان سبق من ساحة العرض وبين السجن ، اثنتي عشرة ساعة حافلة بألوان الهول لم يذق فيما طعاما ولا شرابا ؛ فتداعت بنيته القوية ، وأخرج من المركبة مغشيا عليه ليزح به في جب بشع في سرداب القلعة حيث عاوده الرشد . فكان أول ما اخذ بصره في حياته الجديدة حائط السجن الرهيب ، ثم اجال نظره في المكان فوقع على رغيف ضئيل وجرة من الماء ، وبجوارهما كومة من الفش لفراشه .

ولبث على هذه الحال حتى اليوم التالي فإذا كوة في أعلى الجب تفتح ، وتمتد منها يد بسلة تتدلي إليه بزاد كزاد الأمس ولأول مرة ، بعد هذا التحول المخيف في حظه ، ينزع منه الألم والحنين بضعة أسئلة : كيف أتي إلي هنا ؟ وماذا اقترف ؟ لكن احدا فوق لم يخر جوابا وانسحبت اليدان اللتان أدلتا إليه الزاد وأغلقت الكوة .

وأحصي في هذا المكان اللعين تسعين واربعمائة يوم أدليت إليه بعددها أرهقة لا غناء فيها ، من الظهيرة للظهيرة ، وعلى وتيرة واحدة ؛ لايري وجه ادمي ، ولا يسمع صوته ، ولا يستخلص شيئا من هذا المصير المرعب عن مستقبل أو ماض ، ولا تخلص نفسه من الشك ، ولا يحييها شعاع من نور ، ولا تنعشها نسمة نقية ؛ بعيدا عن العون ، محروما من عطف الناس .

وشيء آخر طفح به كيل شقائه واكتشفه في أوائل أيام اعتقاله . وذلك أنه يعرف هذا المكان فهو نفسه الذي امر ببنائه منذ بضعة اشهر ليضنى فيه ضابط كفء ، عرضه سوء طالعة لغضبه . وقد جاء إلي هذا المكان بشخصه ليعاين بناءه ، ويحنث تمامه . فالأن يشرف علي القلعة ، ويتحكم في هذا الجب ضحية الامس وهدف انتقامه لتكمل الامه . وقد حالب شعوره بشقائه قسوته على نفسه واحتقاره ، إياها ، والألم الذي لا تعرف القلوب المتكبرة أمر منه ، وهو ان يكون المرء تحت رحمة عدو لم يرحمه

لكن عدوه بالأمس كان رجلا شريفا مستقيما لا يعرف الدناءة في الانتقام . وقد ألم عليه الرحيم أن يقسو علي سجينه تنفيذا للتعليمات التي كان امينا في تنفيذها شأن الجندي القديم ولود أن يخفف عنه العذاب لكنه لم يستطع له سوى الأسف والرثاء

وكان للقلعة واعظ قسيس تناهي إليه خبر السجين متأخرا ، وعلى متن الإشاعات ، فصمم أن يهون عليه وكان قسا مبجلا ، يؤمن بأن وظيفته الرعوية لا تخدم بأنبل من التخفيف عن رجل تمس عدم كل تخفيف

وكان يعلم أن حاكم القلعة لا يملك أمر إدخاله عليه .

فسافر إلي حاضرة الأمير ، وجثا أمامه على ركبته وناشده الرحمة بالسجين الذي يضني محروما من إحسان الدين المتسامح مع أشد المجرمين ، ويذهب قانطا من رحمة الله.

وطلب القس من الأمير أن يأذن له في الدخول علي السجين الذي هو من رعيته بحق الاعتراف والمسئول هو عن روحه أمام الله . فأجاب الأمير رجاءه ، وإذن له في إدخال السرور على قلبه بزيارته ، وكان غضبه عليه قد تنفس بشيء ما .

كان أول محيا آدمي طالع ألويزوس التمس في الأشهر الستة عشر التى فضاها في السحن إلى ذلك الحين وجه مسعفه . وقد كان الصديق الوحيد الذي عاش له في هذه الدنيا سببا لشفائه ، وقد عجز جاهه عن أن يمده بصديق . فهذه الزيارة التي أداها له القس كانت وكأنها من ملك كريم . ولست احاول ان اصف مشاعره . لكنه جعل من ذلك اليوم ، إذا خنقه البكاء ، يترفق في البكاء لأنه القى في القس من يبكيه

وقد تملك النفس الذعر حين دخل هذا الجب الذي جعل للقتل ، وفتشت عيناء عن إنسي فيه - فزحف إليه من أحد الاركان شئ مهيل يلقي الرعب في القلوب ، وكانه يزحف من مأوي وحش لا مسكن إنسان . هيكل عظمي شاحب اللون كرض الموت ، قد زابل وجهه كل  ما يدل على الحياة ، واحتفر فيه الاسى واليأس تجاعيد بعيدة الغور . وقد نمت لحيته وطالت أظافره بفعل الزمن والإهمال طولا فظيعا ، وبليت ثيابه من طول الاستعمال بلى ساحقا ، ووبئ الهواء من حوله من وقرة الأقذار

هكذا وجد القسيس أثير الحظ وحليفه في سالف الزمان ؛ فثار لمنظره تأثره وهرول إلى  حاكم القلعة يستعطفه للتعس المسكين ويستنديه منة اخرى ليس من دونها نفع للمنة الأولى .

فلما اعتذر له الحاكم بتعليماته ، قرر السفر إلي مقر الأمير ليسأله العفو عن السجين . وقد قال له إنه لن يقرب

سجينه بشيء مقدس ما لم يرد إليه شبهه بالأدميين فأجابه الأمير إلى ما طلب وبات السجين من ذلك اليوم في عداد الأحياء .

قضى ألويزوس في تلك القلعة عددا من السنين في حال اخف وطأة من حاله السابقة وارحم به كثيرا ، بعد إذ افل نجم المحظوظ الجديد ، وتعاقب على مكانه كثيرون غيره . وكان هؤلاء أكرم نفسا من سلفهم ، وليس ما يثأرون له من سجينهم . وأخيرا حل يوم الخلاص بعد عشرة أعوام - لكنه لم يحاكم ولم يبرأ ، بل تلقى حريته من سيده منة ومنحة ، وفرض عليه ان يغادر البلاد إلي غير رجعة .

وهنا ينقطع حبل الأجبار التي تلقيتها من أفواه الناس وأنشأت منها تاريخ ألويزوس فون . ج . وأجدني مضطرا إلي أن أتخطى من الزمن عشرين عاما بدأ ألويزوس في خلالها حياته الجديدة بالخدمة في جيوش أجنبية . وقد بلغ فيها القمة التي أسقط منها في وطنه . ثم تولي الزمن نصير التعساء الذي يحقق العدالة بخطاء الوثيدة ولكنه لا يغفلها - تولي أيضا قضية ألويزوس . فقد ولت ستو اللهو وإشباع الشهوات عن الأمير ، وأخذت الإنسانية تقرر حقها عليه حين ابيض شعره . فأحس الحنين إلي حبيب صباه وهو يمشي إلي القبر ، واستدعي المبعد إلي وطنه ليعوض الشيخ ما ألحق بالرجل . وقد كان ألويزوس عاوده الحنين متئدا رفيقا ، فحين تلاقيا كان التلاقي مؤثرا ، والاستقبال حارا خداعا ، كأنما كان افتراقهما أمس . وحدج الأمير وجه ألويزوس بنظرة فاحصة ، فإذا وجه يعرفه وكأنه لا يعرفه ، وخيل إليه أنه يحصى بحاعيده التي احتفرها بيده . وقد فتش في وجه الشيخ عن فسمات الشاب التي استبدت بحبه ، فلم يجد ما يبحث عنه . وتكلف كلاهما رفع الكلفة فاستشعرا مثل برود الثلج ؛ وظل القلبان يفصلهما إلي الأبد الخزي والخوف . والمنظر

الذي يذكر الأمير بتسرعه لا يمكن أن يشعره راحة الضمير ، كما ان ألويزوس ما كان ليحب من نكبه وكان علة شقائه . لكنه تذكر الماضي هادئا متعزيا كالحالم الذي يستشعر الراحة بعد التخلص من حلم ثقيل

على أنه لم يمض طويل وقت حتى كان الويزوس بتبؤ كل مراتبه السابقة ، يريد الأمير أن يعوضه خير العوض من ماضيه كابتا ميله عنه . لكنه أ كان بوسع الأمير أن يرد إلى صفية السابق قلبه الذي أتلف فيه الأحساس بالمتعة ؟ أكان بوسعه أن يرد عليه سنا الأمل او أن يصطنع للشيخ هناء يعوضه ما سلبه إياه وهو رجل ؟

لقد ظل الويزوس فؤن . ج تسع عشرة سنة أخرى ينعم بهذا الخريف البهيج في حياته ، فلم تستطع المصائر والسنون ان تطفئ فيه نار الشهوات ، ولا ان تكدر فيه صفو الروح الطروب . فكان في السبعين من عمرة يستولي على شبح صفيعة كانت له وهو في العشرين . ومات اخيرا حاكما لقلعة . . حيث يعتقل سجناء الدولة . وكان في أكثر الظن خليقا أن يظهر نحوهم من الرحمة ما تعلم تقديره في نفسه ، لكنه كان قاسيا هوائيا في معاملتهم . وفي سورة غضب على أحد هؤلاء التعساء لقي الحتف الذي أرقده في نعشه في الثمانين

اشترك في نشرتنا البريدية