الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 652الرجوع إلى "الثقافة"

لعنة الفكر

Share

" البلبل والوردة قصة جميلة لأوسكار وايلد خلاصتها أن طالب فلسفة أحب فتاة حسناء ، وعدته أن تراقصه فى حفل سيقام فى دار أبيها - وهو فى نفس الوقت أستاذه - بشرط . . وياله من شرط : أن يهديها وردة حمراء ؟ ولم يكن الموسم موسم ورود حمراء أو بيضاء ! ولكن بعد محاولات خيالية توصل الطالب بمساعدة بلبل بذل دماء قلبه كلها فداء الطالب المسكين إلى خلق وردة حمراء " بلون فان كلون اليواقيت والمرجان أسرع بها طالب الفلسفة إلى فتاته الحسناء سعيدا حالما برضاها وحبها . ولكن وأ أسفاه

- إنها لا تناسب ثوبى ، فضلا عن أن قريب الحاكم أرسل إلى جواهر ثمينة . والكل يعرف أن الجواهر أغلى كثيرا من الورود .

أقسم أنك جاحدة . - إن كنت جاحدة فأنت خشن . وعلى كل فمن تكون طالب لا أكثر ولا أقل ، فكيف تريدنى أن أفضلك على قريب الحاكم ؟ .

وهكذا عاد الطالب كسير القلب مخذول النفس إلى فلسفته يدرسها ، وإلى علومه يستوعبها .

وأوسكار وايلد يرمز هنا إلى أن للمرأة لا يغرها إلا البريق ، ولا يخطف بصرها إلا اللمعان . ولا يهفو قلبها إلا للمظهر للقشرة دون اللباب ؛ " إن الجواهر أغلى كثيرا من الورود ، وإن الحياة الصاخبة المرحة أجمل كثيرا من الحياة التى ظاهرها ساكن راكد وباطنها ملىء بالتأملات والأفكار ، وإن العيش مع قريب الحاكم - الذي يعزز حبه بهدايا الذهب والفضة - لأفضل كثيرا من العيش مع مفكر لا يملك ذهبا ولا فضة ، ولكن كل بضاعته أفكار وأوهام لا تعترف بها المرأة ولا تعيرها أي التفات ! أجل ، إن فكرة العيش مع رجل أرصد حياته للفكر تدفع بالمرأة غالبا إلى الهرب منه . نادرا ما نجد من ترضى بمفكر تتقاسم وأفكاره حياته . نادرا ما نجد امرأة

كمدام طه حسين التى كثيرا ما يسميها عميد الأدب العربى ب" هذا الملك الكريم " أو كادى أن زوجة دزرائيلى التى كانت تكافح معه الحياة حتى ظفر بالمجد ، وكان هذا بمجهودها معه وتشجيعها له ؛ أو كزوجة شومان التى ظلت بعد وفاة زوجها الموسيقى تعزف للعالم كل ما كتب ، لنشر موسيقاه التى لم يكن قد هضمها الجمهور بعد ، حتى آخر يوم من حياتها ، فتمت بذلك رسالة زوجها على يديها ، بل بأناملها وإرادتها ، لأنها كانت تؤمن بفنه وبعبقريته . . بل كانت تؤمن بزوجها قبل أن تؤمن بفنه وبعبقريته ، وغيرهن .

تنفر المرأة من الفكر ، لأن جوهرها عاطفى ، وإن حسن ظن أوسكار وايلد فى إحدى مخلوقاته حينما قال " إنها " ) فى قصة " جريمة اللورد أرتر سافيل ( ) لم تكن تعنى قط بالموسيقى ، ولكنها كانت مغرمة كل الإغرام بالموسيقيين ، فالمرأة عموما لا تهوى الفكر فضلا عن المفكرين . ولقد كان سبينوزا ، الفيلسوف والأخلاقى اليهودى ، يبادل ابنة استاذه فى اللاتينية الحب . كان حينئذ فقيرا ، كما كان فقيرا دائما ، حتى ظهر للفتاة محب آخر تحولت إليه وقد اخذ " بصرها  بريق هداياه الثمينة

وهكذا فقد الفيلسوف الفتاة ، فأهدرت كرامة الحب وقد خبا بجانب زيف الأصفر الرنان !

إن وجه الفكر لا يوحي للمرأة إلا بنفس مقطبة منقبضة ، وإن كانت تفيض أحيانا باليجة والانطلاق . ويوصف المكرون بلسان أوساط الناس بمجهدي عفوهم فيما لا يدعو إلى التفكير ؛ ومن ثم فالانتساب إليهم حمق لا يغتفر ولقد كان سقراط غير من حب به في بيته لأنه كان سجل زوجته وأولاده . وكان رأي امرأته فيه أنه : " نافع للاشئ عاطل ، يحلب لعائلته الديرة أكثر مما يجلب لها الخبز )

وهكذا حلت اللعنة على كل من له رأس يستعمله فى التفكير البحت فحكم على المفكرين بالوحدة يؤثرونها راغمين أو راغبين - على مشاركة امرأة كثيرا

ما تكون حمقاء لا نرى فى الفكر سوى لعنة وفى المفكرين سوى " نافعين للاشىء ، " ١ .

وقصة حب نيتشه ، الفيلسوف الحالم ، كما يمكن أن نسميه ، قصة فيلسوف خدع فى حبه وخيب فى أماله وأمانيه . كان نيتشه قد قارب الأربعين وهو بعيد كل البعد عن الزواج والمرأة على العموم . ولم يكن هذا لبعد تفكيره عنهما وزهده فيهما . فالقارئ المتفحص لحياته يلحظ بين السطور مقدار إعجابه بمنزل صديقه فاجتر - فى فترة إقامته بتربش - حيث كان يرفرف حب وحنان الزوجة كوزيما ، زوجة فاجتر . بل يلحظ القارئ بين السطور أو القارئ فوق السطور نفسها أحيانا ، مقدار إعجاب نيتشه بكوزيما بالذات كمخلوقة تشارك زوجها العظيم أفكاره وأراءه ومجده أيضا . ليس لبعد تفكير نيتشه عن الزواج وغرامه بالمرأة . ولكن لعدم عثوره على من تشاركه الحياة كفكرة وكعقيدة . ولكن يلتقى نيتشه يوما بالفتاة التى ظن أنها " هى " التى يبحث عنها ويحلم بها . فهى قد قرأت كل كتبه ، وهى قد تشبعت بفلسفته كل التشبع ، وهى قد استظهرت عن ظهر قلب كثيرا من الفقرات التى كتبها . .

فلا يملك إلا البوح ل) لوسالومى " ) وهو اسم الفتاة ( ) باعجابه وحبه منذ اللقاء الثانى ، ولكنها تذعر وكأنها بوغتت ، إذ يقترح عليها الزواج منه ، وتفر هاربة قائلة له ما معناه : إن إعجابها به كان روحيا أكثر من أى شئ آخر . . !

عندما يهب الله " الفكر " إحدى مخلوقاته فقد أراد لها الوحدة أيضا ، فلا وفاق للعبقرية مع الغوعاء . وأين مياه الينابيع الصافية الرقراقة من مياه المستنقعات الراكدة الكدرة ؛ اين النور من الظلام ! أرى لو أن للفكر فى يده طريقه ، قد خير بين أن يمضى فى التبشير عن رسالته أو أن ينساق فيما ينساق فيه الناس من حياة يأخذونها كما هى . . أى الطريقين كان يتخذ إنه لسؤال من السخافة بمكان فأين العاقل الذى يتحول عن الينابيع الصافية الرقراقة إلى المستنقعات ينهل من راكد ومتكدر مياهها ! أين العاقل الذى يتحول بناظريه من النور إلى الظلام يتخبط في دياجيره حتى وإن كتبت عليه الوحدة طيلة أيام حياته )

اشترك في نشرتنا البريدية