الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 404 الرجوع إلى "الثقافة"

لغة القانون فى البلاد العربية، والاختلاف على المصطلحات الحقوقية

Share

) إلي العامل الأول في مد مؤكر المحامين العرب إلى غيب المحامين بدمثن الأستاذ مظهر القوتي ( تحية شكر وتقدير

خضمت البلاد العربية لحكم العثمانيين عصورا طويلة ، كانت اللغة التركية هي لغة الدولة الرسمية ، ولغة التشريع والفضاء فيها ، فلما زالت السيادة العثمانية عن هذه البلاد ، شاءت الظروف السياسية ان تتفرق دولا وحكومات ترسيم خطاها ايد اجنبية ، مما ادي إلي تبابن جسم في الوضع " القانوني " لكل قطر منها ، نشأ عنه اختلاف في مكانة اللغة العربية وفي المصطلحات الحقوقية في كل منها ، وتمكن تصوير هذا الاختلاف في الأقطار الأربعة التالية بما يلي :

١ - مصر : كانت مصر اسبق البلاد العربية في اقتباس التشريع الغربي وتعريبه بلغة أقرب إلى الصحة

والمثابة من لغة القوانين العثمانية في الأقطار الآخر ، وإن فقد الدقة في الصيافة ) ١ ( ، وأبني علي كثير من التعابير الضيفة التي كانت سائدة في الفقه المناني ؛ وقد ادي وضع التشريع المصري بلغة أجنبية قبل تعريبه إلي ان المحاكم المصرية أخذت تردد الألفاظ الأعجمية كثيرا في قراراتها مما يؤذي العربية في مكانها ويحجز في خوس القيورين عليها . أما الفقه المصري فقد شن طريقه وسط هذا الخضم من الاضطراب القانوني في اللغة والصياغة ليتزعم الفقه في البلاد العربية بلغة عربية سليمة لا يننقصها إلا تمتين صلانها بتاريخنا الفقهي المجيد .

٢ - العراق : وكان العراق أول الأقطار العربية في استقرار وضعه الدولي ، ولكن رغم انحصار السلاطات التشريعية في هيئانه الوطنية من عهد غير قريب ، فإن اللغة

العربية لم تحتل المكانة الواجبة لها في صياغة التشريع ) ١ ( وفي قرارات المحاكم . غير ان النهضة الأخيرة التي قامت إثر التعاون الثقافي بين مصر والعراق جعلت الفقه العراقي يغذي المكتبة العربية بثروة غير قليلة من الكتب القانونية القيمة ) ٢ (

٣ - سورية : أما سورية فقد كانت زعيمة البلاد العربية في مطاردة اللغات الأجنبية ، يوم محررت من سلطة العثمانيين ، مطاردة عنيفة شملت دوائر الدولة واتصلات بالعامة في أسواقهم وبيونهم ولكن الغاروف السياسية التي نا كست سورية فيما بعد ، وجعلت التشريع في أبد غير وطنية نضعه بلغتها ثم تأمر بتعربية ، قضت على كثير من أمانيها ؟ غير أن آثار تلك المطاردة ظلت بأدية في كثير من التعاريب القانونية وفي لغة الدواوين الرسمية . أما لغة القضاء فلم يستطع كبار رجاله - على ما يظاهر - قطع صلاتهم بالماض الذي عاشوا فيه ، وخصوصا مع بقاء أكثر التشريع العثماني معمولا به في سورية ؛ لهذا نجد الكثير من قرارات المحاكم ضعيف الصياغة ، غير متين الحبكة ، عليه مسحة واضحة من أثر اللغة العثمانية القديمة ، كما أن الفقه السوري ظل ، على سمعته ومكانته ، في ركود حتى السنوات الأخيرة ، وهو في جملته يدل دلالة قوية على اطلاع أكثر المؤلفين السوريين على كتب الفقه الاسلامية ورغبتهم في اقتباس مصطلحاتها وألفاظها الدقيقة ) ٣

٤ - لبنان : وإذا كان ما قيل في حق سورية يقال - تقريباً - في حق لبنان ، فان لبنان أمتاز بخطوات واسعة في تجديد القوانين وتفنيها ؛ ولكن المؤسف أن لا تكون اللغة العربية هي اللغة الأصلية في وضع التشريع

الجديد ، وأن تكون لغة أجنبية لغة رسمية إلى عهد قريب فى مثل هذا البلد العربي ، يترافع بها أمام المحاكم  وتدون بها كثير من القرارات الهامة ؛ هذا ما جعل القوانين اللبنانية تظهر في ثوب عربى غير متين الحبكة (۱)  ؛ ومع هذا فإن القوانين اللبنانية التي صدرت في السنوات الأخيرة دات على انتباء المشرع اللبناني إلي ضرورة تحسين لغته العربية وتصفيتها من الألفاظ الأعجمية (۲) . أما الفقه العربي فما زال في خطواته الوئيدة .

هذه حال اللغة العربية في الأقطار الأربعة الشقيقة. أما ما يتعلق بالمصطلحات الحقوقية، فقد أصبح الكل بلد مصطلحاته وتعابيره القانونية الخاصة به ، وإلى مورد هنا تاريخ كلمة قانونية واحدة ، وأنا أعتقد أن فيها دليلا كافياً على أهمية الاختلاف، وبشاعته بين أبناء أمة واحدة تنطق بلغة واحدة .

تعريب كلمة فرنسية :

أخذ مدلول لفظة (Obligations) الفرنسية شطراً كبيراً من نصوص القوانين المدنية وابحاث الفقهاء ورجال القانون في الغرب ؛ فماذا عربت هذه الكلمة في قوانيننا ؟ وهل اتفق مشرعوناً أو فقهاؤنا على لفظة عربية تقابلها ؟ وأي الألفاظ العربية يحسن أن تكون تعريبا لها ؟ .

إن العثمانيين الذين أخذوا يقتبسون القوانين الفرنسية ويترجمونها إلى لغَتهم في النصف الثانى من القرن التاسع

عشر أجزتهم مجلة الأحكام العدلية القتيسية من الشريعة الإسلامية عن نقل القانون المدني الفرنسي ، وليس في المجلة ما يقابل ال (Obligations) في القانون الفرنسي ؛ ولكن العلماء والفقهاء ، الأتراك ترجموا هذه اللفظة بكلمة (وجائب )(۲) وهي الكلمة التى وردت في القانون المدني التركي الأخير(۳) .

ولقد اختار معربو القانون المدني المصري ، وهو أول قانون مدني وضع في قطر عربي  لفظة  تعهدات مقابل كله (Obligations) ولكن هذه الكلمة العربية عاجزة تماماً عن تأدية المقصود من الكلمة الفرنسية ، مما دعا شراح القانون المدني المصري إلي ترديد ألفاظ عربية أخرى بجانب لفظة التعهدات  مثل الواجبات و الالتزامات .

وفي سورية والعراق اللذين لم يعرفا قانوناً مدنياً حتى الآن غير المجلة ، اكتفي الفقهاء وأساتذة الحقوق فيهما بلفظة الوجائب ترجمة لكلمة Obligations . ولكن عند ما وضع لبنان قانونه المدني اختار مترجوه لفظة  الموجبات بدلا عن الوجائب  .

فلما أخرج فقيه مصرى كبير للدنيا العربية أضخم كتاب مقهى في القواعد القانونية المدنية توجه باسم النظرية العامة للالتزامات. فأخذت لفظة  الالتزامات  تتسرب إلي لغة الفقه في جميع الأقطار العربية ، وكادت تطغي علي ما سواعا من التعاريب غير ان ففيها عراقيا معروفاً قام أخيراً يدعو المشرعين والمشتغلين بالقانون إلى الالتفات قليلا نحو لغة الفقه الشرعي ، وأخذ لفظة (التكاليف) التي هي - كما يراها - أدق في التعبير لغة من كلمة (الالتزامات) وأشمل لمضامينها القانونية ومصادرها المختلفة .

أنا لا أود في هذا العرض التاريخي ترجيح لفظة على أخري ، ولكني أريد أن أعلن بأن الأقطار العربية مجمعها كلها لغة الضاد الواحدة ، فيجب أن تكون لغة التشريع والفقه فيها بعد اليوم لغة عربية واحدة . وإدا كان التشريع في كل من مصر والعراق وسورية يتمخض عن قوانين مدنية جديدة ، بأمل المشتغلون بالقانون أن تكون مستعدة من تاريخنا الفقهى الباهر ؛ مصوغة بأحدث أسلوب عرفه التفكير القانوني المعاصر ؛ فيجب أن لا يتكرر الاختلاف على الألفاظ على الأقل ، إذا لم يتمكن المشرعون من جعل النصوص التشريعية الجديدة واحدة في الأقطار الشقيقة التي اشتركت في التاريخ والآلام ووحدت بينها اليوم الأماني والآمال.

وليس لهذا الأمر سوي مثل هذا المؤتمر - مؤتمر المحامين العرب - الذي بعقد اليوم جلسانه في دمشق ، وما بقرره ويعمله لتوحيد اللغة التشريعية والفقهية في البلاد العربية بأسرها .

اشترك في نشرتنا البريدية