امتازت العصور الحديثة بثورتين كبيرتين ، وهما الثورة الفرنسية والثورة الروسية ، وكانت كلتا الثورتين نتيجة محتومة لبواعث عدة وأسباب مختلفة اقتصادية وسياسية ونفسية . وقد رمت الثورة الفرنسية إلى تحقيق مبادئ الإخاء والحرية والمساواة ، وقد أخفقت في تحقيق هذه المبادىء تحقيقا عمليا ، ولكنها نجحت نجاحا باهرا في جعلها أمل الأمم المرجو وغايتها المنشودة ؛ وما تلا الثورة الفرنسية من الأحداث الجليلة والإنقلابات الخطيرة يؤيد ذلك الرأي ويعززه . أما الثورة الروسية فقد قامت لاستكمال نقص مبادئ الثورة الفرنسية وتقصيرها عن الوفاء بنوازع الإنسانية وطمحاتها ، فقد رمت الثورة الفرنسية إلى المساواة السياسية ، وهي ليست بذأت قيمة إذا لم تتبعها المساواة الاقتصادية ، فجاءت الثورة الروسية لاستدراك ذلك النقص ، وقد حققته إلى حد بعيد بالغاء فوارق
الطبقات إلغاء تاما . وقد سبق هاتين الثورتين في فرنسا وروسيا حوادث عجيبة كانت بمثابة إرهاصات ونذر بالعاصفة القادمة الغاشية المدمرة ، وقد سبقت الثورة الروسية غرائب راسبوتين وفضائحة ، كما تقدمت الثورة الفرنسية مخرفة امثال كاليسترو وقضية العقد الماسى ، وقد كانت تلك القضية النادرة المثال المدهشة الوضع والتأليف من الأسباب القوية المباشرة للثورة الفرنسية ، ولا تزال تختلف فيها الآراء . وتتعارض في اكتناء اسرارها وجهات النظر ، وقد كان لهذه القضية تأثير بليبغ في تشويه سمعة الملكة ماري انطوانيت وزيادة نفور الشعب الفرنسي من البلاط الملكي ؛ وقد كشفت بصورة واضحة عن فساد المجتمع الفرنسي ، وانحلال الطبقة العليا ، كما أظهرت فضائح راسبوتين مدى تغلغل الفساد في الطبقة العليا الروسية ، وامتناع البلاط القيصري على الإصلاح ، وعجزه من مسايرة حركة التقدم .
وملخص قضية العقد الماسي أنه في فرنسا القرن الثامن عشر ، اللاهية العابثة ، المسرفة في الترف ، العاكفة على المتعة ، نشأت في مهاوي الفاقة وشظف العيش فتاة اسمها جان دي فالوا ، وقد عرفت فيها بعد باسم الكونتس دي لاموت وعاشت عيشة الحرمان والكفاف ، فكانت تستجدي كرم الناس ، وتستدر عطفهم ، وتتوسل إليهم وهي في أطمارها الرثة قائلة : " أكرموا يتيمة من سلالة آل فلوا " . وكانت تجمع الصدقات التي يتسخي بها عليها عليها الناس وتهرع إلي أمها العجوز ، وأبصرت بها يوما ما إحدي المركيزات وهي في عربتها المطهمة ، واسترعي سمعها انتساب جان إلي بيت فالوا ملوك فرنسا السابقين ، فدعتها وتحرت حقيقة نسبها ، وعرفت أنها من سلالة الملك هنري الثاني زوج كاترين دي مدتشي ، وأثر ذلك في نفس المركيزة الرقيقة القلب فعملت على أن تبسط عليها حمايتها ، وتقيئها
ظل عطفها ، وأدخلتها ديرا من أديار الراهبات لتنشأ نشأة صالحة ، ولكن الفتاة لم تكن من الطراز الذي يصلح للدير وبراءة التدين وحياة الصون والعفاف وكبح الاهواء ، وكان دم أسرة الفالو يجري في عروقها ، فبعد أن أمضت في الدير سنوات ضاقت بحياة التدين والعزلة ، ففرت من الدير وهامت على وجهها ، وكانت قد أصبحت فتاة ناضجة ، ريانة الشباب ، مليحة القد ، تجيش نفسها بالمطامع ، وحلت ضيفة في الريف على سيدة تدعي مدام دي سيرمون وتزوجت بعد ذلك برجل آفاق فقير سئ السمعة ، كان جنديا بالجيش ، وأبي له غروره وادعاؤه إلا أن يزيف لنفسه لقب كونت ، فأصبحت جان تسمى " الكونتس دى لاموت " وأقاما في باريز ، وظلت جان ماضية على غلوائها ، متحللة من قيود العرف ، خارجة على آداب
المجتمع ؛ وقد علمتها الحاجة سعة الحيلة ، وشحذت خبرتها بمواضع الضعف في نفوس الناس ، والقدرة على العبث بعقولهم ، والاجتراء على الكذب والمحاتلة ، حتى استطاعت
أن تخدع فيمن خدعت الرجل الذى خدع ملوك أوربا وأمراءها ، وهو الكونت كاليسترو الدجال الذائع الشهرة ، وقد استطاعت أن تتسلل إلى الأوساط العالية ، وأن تتصل بالأسر الأرستقراطية ، ومهد لها ذلك شبابها الغض وجرأتها والمطامع التى استأثرت بنفسها ، على أنها لم تكتف بما بلغته من جاه ومنزلة ، ورمت إلى أن تتعرف بالملكة مارى أنطوانيت . ولكن باب الملوك ليس مفتوحا على مصراعيه لكل من هب ودب ، ولعبت برأسه المطامع واستطارته الأهواء . وما دام قد أعجزها الدنو من الملكة فى الواقع والحقيقة فلتظفر بصداقتها ورعايتها فى عالم الوهم والخيال ، فراحت تزعم للناس أنها صديقة الملكة المقربة ، ومستودع أسرارها ومناط ثقتها ، وصارت فى كل مجلس تطلب فى الثناء على الملكة وتتغنى بوصف شمائلها الغر ،
وأياديها الحسان ، وتخلع عليها أجمل الصفات حتى تستقر فى الأذهان حقيقة علاقتها بالملكة . وشاء القدر أن تتعرف بالكردينال لويس دى روهان عميد الكنيسة الفرنسية وابن عم الملك لويس السادس عشر ، وكان رجلا متلاقا متهالكا على المتعة ، لا يراقب نفسه ، ولا يملك عنانها ، وقد عينه الملك سفيرا فى بلاط النمسا فلم يعقه ثوبه الكهنوتى ولا لقبه الدينى من الإسراف فى اللهو ، وبلغت الملكة ماريا تريزا عنه كلمة نابية وملاحظة ساخرة أبداها بمناسبة اشتراك النمسا فى تقسيم بولنده ، فكتبت إلى البلاط الفرنسى لاستدعائه من فينا ، فعاد إلى فرنسا وتسلم منصب عميد الكنيسة الفرنسية ، وعبثت به الآمال والمطامع فحاول أن يتشبه بالكردينال ريشيليه والكردينال مازارين فى توثيق العلاقة بالملكة ليتخذها وسيلة لتحقيق مآربه ، فيصبح سيد فرنسا الحقيقى ، وتعظم مهابته ، ويعلو شأنه فى أوربا جميعها . ولكنه سرعان ما علم أن الملكة كانت مغيظة منه ، ناقمة عليه ، معرضة عنه ، فكان شغله الشاغل وأمله المالي لشعاب نفسه هو أن يبذل الجهد فى استرضائها
واجتلاب عطفها مهما كلفه الأمر ، واتصل بكاليسترو وآمن بقدرته الفائقة ومواهبه الخارقة ، وهكذا جمع القدر بين كاليسترو وجان وروهان ! وكان ينقص الثلاثة شخص رابع هو تاجر الجواهر بهمر الألمانى الأصل النازح إلى فرنسا ، لينتقلم عقد القصة وتم حبكة المهزلة أو المأساة ! وأقبلت جان على الكردينال روهان تحدثه عن حاضرها وماضيها وما صادفته من أزمات فاجعة ، ولواهج مروعة ، وتثير عطفه ، وتحرك طلعته ، حتى خصها بنصيب من صندوق النذور ، وعاون زوجها فى الحصول على رتبة فى الجيش ، وتوثقت بينهما العلاقات ، وكثرت الأحاديث والمفاوضات ، وجاء ذكر الملكة عرضا فى خلال الحديث .
ومن عجائب هذه القصة الغربية أن هذا الكردينال الذى كان يطمع فى أن يصبح خليفة ريشلييه خدع بثرثرة جان ، وصدق بتلك الصلة المتينة المزعومة التى تربطها بالملكة ، وأراد أن يستغل جان فى تحقيق مطامعه ، والتقريب بينه وبين الملكة النافرة النائية ، وأدركت جان هذه العقدة النفسية فى الكردينال ، وعملت على الانتفاع بها ، وتغلب شيطانها على شيطانه ، فأوهمته أنها تسعى لتحسين العلاقات بينه وبين الملكة ، وتصفية الجو ، والتمكين له فى قلب الملكة ، وسلمها الكردينال كتابا إلى الملكة ضمنه ما يحتلج بصدره من الإخلاص ، ومايضمره فما من الولاء ، وتضرعه إليها أن تشمله بعطفها ، ولا تحرمه من رعايتها ، وحملت الكونتس الكتاب وعادت إليه بعد أيام برد مكتوب بخط الملكة وعليه توقيعها ، مضمونه أنه قد زال من نفسها ما كان بها من النقمة عليه ، وأنها قد غفرت له ذنبه وصفحت عنه وسر الرجل سرورا لا مزيد عليه ، وطارت بيه نشوة
الفرح ، فلم يفطن إلى التزوير ، وراجت عنده الحيلة وطوته الشبكة وتعددت الرسائل ، وتوالت الردود ، وثارت هواجسه بعد ذلك فسأل : لماذا لا تخطو الملكة خطوة أخرى تظهر فيها الرضى بشكل ظاهر ؟ فأوهمته جان أن
الملكة تتحين الفرص للقائه . ولم يكن كاليسترو يعلم بالمكيدة التى تدبر لصاحبه الكردينال روهان ، ولكن كان يوهمه أن آماله فى طريق التحقيق
وتعرف زوج جان فى إحدى المتنزهات بامرأة تشبه الملكة مارى أنطوانيت فى قوامها وتقاطيع وجهها ، ولم تمكن الغيرة من خلق جان ، وكان يكفى أن تكون هذه المرأة صديقة زوجها لترحب بها جان فى منزلها وتقبل عليها ، ونشأت بينهما ألفة ومودة ، وخطر بفكر جان أن تستفيد من مشابهة صديقتها للملكة مارى أنطوانيت ، فعرضت عليها أنها ستصحبها إلى حدائق فرساى ، وأن عليها أن تقف إلى جانب أحد الأ كشاك منفردة حتى يحضر رجل ويجثو أمامها ويقبل حاشية ثوبها ، وذهبت بعد ذلك إلى الكردينال دى روهان متهللة الوجه بادية السرور ، وأفضت إليه ببشرى استعداد الملكة للقائه فى حديقة قصرها بفرساى بعد منتصف الليل ، وفى الليلة الموعودة أرسلت شبيهة الملكة مع زوجها وتم اللقاء حسب الخطة المرسومة ، وجثا الكردينال دى روهان على ركبتيه أمامها وقبل يدها وعاد فرحا مسرورا ، وهو يعتقد أن آماله قد أصبحت قريبة المنال _ واتفق فى هذه الفترة أن علمت جان بخبر العقد الماسى النفيس الذى كان قد أعده الجوهرى بهمر لمدام دى بارى حظية الملك لويس الخامس عشر ، ولكن لويس توفى ، فحاول عرضه على الملكة مارى انطوانيت ، وكان ثمنه ٠٠٠ ,١,٦٠٠٠ ليرة ( وهو ما يعادل ٦٤,٠٠٠ من الجنيهات الإنجليزية ). واضطرت الملكة إلى أن ترفض شراءه لارتفاع ثمنه ، ولأن حالة فرنسا المالية لم تكن حينذاك على ما يرام ، وكان الإفلاس يدق الأبواب ، وكان على الملوك أن يفكروا فى أشياء أخرى غير شراء عقود الجواهر وغوالى اللآلى .
وكبر على بهمر الأمر وضاقت به الحيل فذهب فى ذات يوم إلى القصر وتقدم من الملكة وجثا عند قدميها وتوسل
إليها أن تجيبه إلى أحد شيئين : وهما إما أن تشترى العقد وإما أن تأذن له فى أن يلقى بنفسه فى نهر السين ! فرقت له الملكة واقترحت عليه أن يجزئ العقد ، وأضافت إلى ذلك أنه إذا أراد أن يغرق نفسه ففى استطاعته أن يفعل ذلك دون الحصول على ترخيص منها . والذى يستدعى النظر فى هذه القصة أن بها رجلين قد استأثرت بكل منهما فكرة خاصة ، واستغرقت حواسه ، وملكت عليه سبله ، وهما لويس روهان وبهمر تاجر الجواهر ، وقد علمت جان بما دار بين الملكة وبين بهمر من الحديث لأن مثل هذه الأشياء سرعان ما تذاع فى المجالس ، وتتداولها الألسن ، فيسر لها ذلك اغتنام الفرصة والاستفادة من الموقف .
وذهبت حان إلى الكردينال دى روهان ، وأخبرته أن الملكة ترغب فى شراء العقد الماسى ، ولكنها تريد وساطته عند الجوهرى ليقبل تجزئة الثمن على أربعة أقساط ، فسر الكاردينال بذلك العرض أعظم سرور لأنه دليل على ثقة الملكة به ، وإيثارها إياه ، وليس عليه فى ظاهر الأمر أى غرم ، فوافق على القيام بتلك المهمة ، وتوسط عند الجوهرى وأعد الكردينال الشروط ، وصار مسؤولا عن قيام الملكة بدفع الثمن . وأحضرت جان وثيقة عليها توقيع الملكة ، وحمل روهان العقد إلى جان رسولة الملكة المزعومة ، ولم يشك روهان ولا بهمر فى حقيقة توقيع الملكة على العقد ، وكان هكذا " ماري انطوانيت فرنسا " . وقد استرعى كاليسترو نظر روهان بعد فوات الأوان إلى أن الملكة لا يمكن أن تستعمل هذا التوقيع ! وكان الذى يعين جان على تزوير الرسائل والتوقيعات أحد عشاقها البارعين فى التزييف ، ويدعى قبلت ، وكان أحد الذين اشتركوا فى تمثيل رواية اللقاء فى فرساى .
وعجب روهان لأنه لم ير الملكة بعد ذلك وهى مزدانة الجيد بالعقد الماسى ، واستفسر جان حقيقة الأمر ، فأتحفته بأكذوبة جديدة من أكاذيبها ، وأخبرته أن الملكة تنوي
أن لا تفاجئ به زوجها إلا بعد أن تدفع الجانب الأكبر من ثمنه ، وكان العقد فى أثناء ذلك قد قطع إلى أجزاء فى منزل جان ، وعبر زوجها به القنال إلى انجلترا ، وباع الكثير من أحجاره هناك ، وحل ميعاد دفع القسط الأول فلم يدفع شئ ، ونقلت جان إلى بهمر أن وثيقة الملكة التى قدمتها إلى الكردينال مزورة ، وكانت جان ترمى بذلك إلي إرغام الكردينال على أن يدفع الثمن ليدرأ الفضيحة عن الملكة ، ويضحي بماله من أجلها ، فلم يجسر الجوهرى على إبلاغ الأمر إلى الكردينال ، وعلم الكردينال أنه قد خدع ، واستشار صاحبه كاليسترو ، فأكد له أن الوثيقة مزورة ، وأن خيرا له أن يذهب إلى الملكة ويرتمى عند أقدامها ، ويعترف بكل شئ . وتقدم الجوهري بشكواه إلى الملك ، وعلمت الملكة مارى أنطوانيت بتفصيلات المسألة ، وفي يوم ١٥ أغسطس سنة ١٧٨٥ رأى الملك الكردينال روهان بمناسبة الاحتفال بذكرى صعود العذراء إلى السماء ، فقال له : " يا ابن العم ، ما قصة هذا العقد الماسى الذى اشتريته باسم الملكة ؟ "
فتعثر الرجل المنكود الحظ وعجز عن الكلام ، وسمح له بأن يكتب قصته فى خمسة عشر سطرا .
وقالت له الملكة وقد بدا فى عينيها الغضب الشديد : " كيف صدقت أننى أعهد إليك فى هذه المهمة وأنا لم أوجه إليك كلمة خلال ثمانية أعوام ؟ " .
ووعد بأن يدفع ثمن العقد ، وكان يمكن أن ينتهى الأمر عند هذا الحد ويسدل عليه الستار . وقد وجه اللوم إلى الملك لأنه امر بالقبض على روهان علانية وهو فى ثيابه الكهنوتية فى قصر فرساوى ، وعد من أخطائه الكبيرة إحالته الأمر إلى المحكمة والبرلمان . وقد أرادت الملكة أن تقول العدالة كلمتها صوتا لشرفها ، وحرصا على نقاء سمعتها . وكانت قضية مدوية اهتزت لها أرجاء فرنسا ، وذاعت أخبارها فى انحاء العالم ، وبرأ القضاء الكردينال
روهان من تهمة سرقة العقد ، وقضى على جان دى قالوا بالجلد والسجن . وبرغم حكم القضاء ببراءة الملكة مارى أنطوانيت كانت هذه القضية من القضايا التى أساءت إلى سمعة الملكية أبلغ إساءة ، وجرت عليها الرزايا والكوارث . ولقد قال نابليون : " إن الللكة كانت بريئة ولكى تعلن عن براءتها وتذيعها أرادت الاحتكام إلى البرلمان ، وكان نتيجة ذلك أنها اعتبرت مجرمة . وأكثر المؤرخين مجمعون على تبرئة الملكة ، وفي طليعتهم كارلابل واندرولانج والكاتب الفرنسي فنك برنتانو .
وقد ظهر في سنة ١٩٣٩ كتاب جديد في هذا الموضوع بقلم مؤرخ بحاثة اسمه كامبير ، روى القصة كما ظهرت في ساحة المحكمة ، وأقام الرواية بعد ذلك على أسس النتائج التى استخلصها ؛ وهو يرى أن الملكة كانت مسرفة كثيرة الهدوات ، متبرمة غير قائمة ، لم تجد في زوجها ولا في أولادها ولا في البلاط ما يرضيها ، ويستريح إليه قلبها ، وفي سنة ١٧٨٣ عاد الكونت إكسل فيرسن من أمريكا ، وكانت أحبته منذ كانت فتاة ناشئة ، فجددا العلاقة السالفة ، وكانت الملكة قد جن جنونها بالجواهر الماسية ، وكان يروق الكونت فرسن أن يراها حالية الجيد بالدر والماس . وفي الصيف أقامت حفلة تريانوه فى الظاهر تكريما لملك السويد ، وكان اكسل فرسن هو المقصود بالحفاوة ، وازدان جيدها بجواهر ماسية شتى ؛ وكان يحدوها على الاستكثار من الجواهر حرصها على إرضاء عشيقها الكونت فرسن ، وكان بهمر قد عرض عليها مرات شراء العقد الماسى ، واضطرت إلى رفض الشراء ، وبدا لها أن تشتريه وترجى دفع الثمن وتلبسه سرا للكونت فرسن وحده ، وحينما تمله وتقضي حاجتها منه تقسمه إلى أجزاء ، وتستبقى أحسن أحجاره ، وتبيع الباقى . ولم تكن تستطيع بحكم مركزها مباشرة ذلك بنفسها ، فأتخذت مدام دى لاموت وسيلة إلى ذلك ، وكانت مقربة منها ، أمينة على بعض أسرارها
الخفية . وقام الكردينال روهان بعقد الصفقة ترضيا الملكة التى كانت معرضة عنه ناقمة عليه ، وحل ميعاد القسط الأول ، وكانت الملكة خالية الوفاض ، قد تجاوزت أثمان ملابسها المستحضرة البائع القدرة لها . فماذا تصنع إذا ؟ لقد انتهت مهمة العقد فلنتجزئه إذا ، ولتحول بعض تلك الأجزاء إلى نقود . ويعتقد كامبير أن الملكة وجان قد اشتركتا فى تجزئة العقد ، وخرجت جان من القصر وجيوبها ملأى بأجزاء العقد ، وباعت جزءا منها ، وأحضرت ثمنه لسيدتها ، ورحل زوجها إلى انجلترا حاملا خير أجزاء العقد ، وثار ثائر الملكة ، وراوغت جان فى بادئ الأمر ، ثم تحدث الملكة بعد ذلك ؟ وحقيقة أنها كانت لصة مجرمة ، ولكن ألم تكن الملكة شريكة لها ضالعة معها ؟ وعجزت الملكة عن الدفع ، وغص الجو بالإشاعات والأقاويل ، وتقدم البارون دى يريقيل وزير البلاط من الملكة ، وكان عدو روهان اللدود ، ورسم لها
الخطة التى تقيها ، وهى تقوم على إنسكار علمها بجريمة الكردينال دى روهان ، والقانون فمين بعد ذلك بإدانته ، ووجدت الملكة - التى خدعتها جان دى لاموت واعتقدت أنها ضحية _ أن ذلك هو خير سبيل للخروج من المأزق ، واستعمل البلاط الاكاذيب والدسائس وطرق الإرهاب والتزوير وتزييف الشهود لمناصرة الملكة . وكان الرأى العام يعطف على روهان ، فاكتفى البلاط بإدانة جان دي لا موت ، وقد نجث الملكة من المحاكمة ، ولكن صنيعها هذا كان مما عجل بوقوع الثورة الهادمة التى طاحت براسها ! وهذا هو التفسير الجديد للغز العقد الماسى ، وأوضح مزاياه أنه لا يجعلنا ندهش من غفلة روهان وغبائه ولا من طيش الملكة وحماقتها ؛ وكان هذا هو الرأى الذى استبق إلى عقل الشعب الفرنسى فى عصر لويس السادس عشر .

