قال الأستاذ الجاحظ في العدد الماضي من الرسالة إن بعض الغربيين زعم إن كلمة لازريت الفرنسية. Lazaret (ومعناها المعتزل أو المحجر الصحي) مشتقة من كلمة "الأزهر " "لأن الأزهر في مصر ملجأ للعميان والشيوخ والمتقاعدين "
وبعدما أنحى الجاحظ باللائمة على أولئك المتعجلين من الباحثين لتورطهم في أخطاء الاشتقاق، وقال إن الأصل اللاتيني لكلمة لازاريت معناه المجذوم وأن الصلة بين الحجر الصحي والمجذوم اقري وأكثر جلاء منها بين لفظتي "الأزهر" و"لازاريت"
ويخيل غلي أن الاشتقاق - إذا كان هناك اشتقاق - مستمد من اسم "لعازرLazarus" وهو رجل فقير أخذت جميع الأمراض بتلابيبه - ومنها الجذام - وكان طريح الأرض عند باب ثري يريد أن يشبع بطنه الفتات الساقط من مائدة ذاك
السري. وقد روى قصة هذا الفقير السيد المسيح كما جاء في إنجيل لوقا إصحاح ١٦ عدد ١٩ - وقال إن كلا من الفقير والغني مات فكان جزاء الأول أن ينعم في حضن إبراهيم وكان جزاء الثاني هاوية العذاب يشتهي حتى أن يبل لعازر طرف إصبعه بماء ويبرد به لسانه .
وأحسب أن هذه القصة بسبب كثرة تداولها وشيوعها بجميع اللغات ولا سيما اللاتينية واشتقاقاتها، كانت السبب الأول في أن يقترن اسم لعازار بالبلايا والأمراض والفقر وتلك هي عين المعاني التي ترمز إليها ترمز كلمة Lgzare الفرنسية ومنها اشتقت كلمة لازاريت Lazaret .
هذا في ظني مصدر الاشتقاق، وإذا كان عند المليمين شيء فليطلعونا عليه للنفع العام.
فأخذ مكانى بجانبها وأمر السائق باحتثاث السير ، وبعد ذلك أمسك يد مرغريت وأنظر إليها فتهتاج المكينة شوقا ، وترتمى على صدرى باكية ...
ما أعذب القبلة التى تعقب ذلك . وتكون العربة أتناء ذلك قد أوصلتنا إلى منزلنا فنصعد غلى غرفتنا فى الطابق الرابع ، التى تشرق نافذتها على حدائق اللوكسمبرج . ونعد مائدة إفطارنا أمام النافذة حيث تداعب أشعة شمس الصباح أنينها فتبدو لامعة كأنها تبتسم لملاقاتى ، وبعد أن تتناول طعامنا بين حديث ولعب ، تجيء مرغريت بالقهوة ، فأجلس أحتسبها ، وتجلس هى بجانبى وتستند رأسها إلى كتفى ، فأستنشق عبيرها ، و أستروح أنفاسها ، ثم أقبلها قبلة طويلة .
هذا ما يعده لى صباح الغد ، وهذا ما سألقاه فيه من حرية وسعادة وحب ...
ولكن كل هذا لن يكون ... فسأنتحر بعد قليل ... ريثما يسود وجه الصحيفة التى أكتبت عليها هذه الكلمات . فالحبل الذى أعددته من غطائى متين والقبطان الحديدية فى النافذة سميكة !
يجب أن لا أخرج صباح الغد من قبرى هذا إلى الحياة . إذ لو خرجت لارتكب أثاما أخرى . فإنى لا أقوى على رؤية مرغريت واقفة أمام حانوت الجوهرى تلتهب نظراتها إلى أساور من ذهب أو نصعد زفراتها وراء قرط من جوهر ، أو تنظر إلى خاتم من ماس ثم ترجع النظر حاصرا إلى أصابعها العاطلة . ويهدأ زفرتها ويحقق رغبتها ...يالله . هل أنا مجرم من أكبر الناس إجراما ؟ أم أنا مجنون ضل عنى رشادى ؟ لا أعلم غير أمى واحد ، هو أنى أعود فأسرق لأرضى مرغريت ...
يا لها من امرأة . ويالعظيم حبى لها ووجدى بها منذ أول يوم رأيتها . إنى لأذكر ذلك اليوم وأذكر أنى كنت مع صديقين دعيانى للذهاب معهما إلى (مونمارتر ) حيث كانت حفلات العيد قائمة واللهو رخيص ثمنه ، سهل مناله . وكنت متعبا ذاك المساء فرفضت دعوتهما أولا ولكنهما ألحا على فقبلت أخيرا ....
وجئنا ( مونمارتر ) فكانت مساحاته تموج بألاف من الخلق ووقفنا أمام أحد مراقصه فرأينا فتاتين ترقصان ، فحادثهما أحد
صديق وجلسنا معها . وكان مجلسى بجانب إحدى الفتاتين وكانت شقراء الشعر جميلة الوجه محتشمة الحديث فقيرة الهيئة وحادثتها فكان صوتها جذابا كعينيها وقال لها أحد صاحبى كلمة غليظة خلال الحديث فلم تجبه إلا بابتسامة مغتصبة تدل على أدب الفتاة وأنها غير راضية لما هى فيه من حال، ودعوتها لمنزلى ، وقصت على الفتاة باكية - وإنى لأحس حرارة دموعها حتى اليوم - قصة مجيئها إلى هذه الحياة من أحد أبوابها المظلمة وطفولتها البائسة وفقرها المؤلم وإيصاد كل باب رزق دونها وتشريدها أناء الليل فى شوارع باريس الباردة المظلمة .
ثم زلتها الأولى ، واندفاعها فى ذلك التيار الذى طالما حمل فى سيره ضحايا لاعداد لها ، فبكيت رحمة لبكائها ، وعرضت عليها أن تجىء فتعيش معي عيشية الفضل والعفاف راضية وسرنى رضاها وأظننى رأيت أمرا لا طاقة لى به إذا ذاك ، فإن ما أتقاضاه من مرتب ما كان يسمح لى بمعاشرة امرأة اللهم إلا إذا كانت امرأة مقتصدة تقنع بالقليل ولا تطلب الكثير ومرغريت ياللأسف ليس كذلك .
. فقد كانت مختبىء فى قرارة نفسها الفتاة الباريسية التى تشارف فى غدوها ورراحها حوانيت الحلى والحلل ، وتلامس فى سيرها وركوبها السيدات اللأئى رزقن الغنى بثمين اللباس وغالى الزخرف وكنت أرجع من عمل ظهر كل يوم فأراها ملازمة لسريرها لا تفكر فيما يقتضيه المنزل من عمل فحاولت أن أصلح من أمرها وأقوم من خلقها فأجابتنى بقسوة " ماذا تريد ؟ هكذا خلقت فدعنى وابحث عن سواى ، فلن تصلحنى مهمها حاولت " فم أرد كيف أجيبها على قولها ففكرت فى أن أضحى قليلا من راحة فؤادى وأقطع ما بينى وبينها من صلة . ولكنى فكرت أيضا فى أنها لن تكاد تفارق بابى حتى تعود سيرتها الأولى من حياة يملؤها العار ، ومن ليل بؤس ليس له نهار ، فعدلت عن فكرتى رحمة بها وحبا لها ، ثم كيف أهجرها وقد تغلغل حبها فى صميم فؤادى وأصبحت أرى ليالى الطويلة الباردة عامرة بمن يملى وحدتى ويزيل وحشتى أأهجرها وأنا أحبها أكثر من أمس وأقل من غد ؟ أأهجرها وهى أول امراة خفق لها فؤادى وأول من غرام مشت ناره بين أضلاعى !
واشتريت لها كل ما وسعته ثروتى من لوازم النساء . وصحبتها إلى كل مسارح اللهو ومرائع السرور خشية أن تمل مكثها فى المنزل وهى ابنة اللهو والسرور . وضاقت يدى ذات يوم عن قضاء حاجة لها فاستدنت وكان أول ما استدنت ...فأهمنى أول أمره وأرقنى وقرة ...ولم أنج به لمرغريت ... وعلام وأنا أتوقع ردها ، وماذا تريد أن أفعل لك ، دعنى وشأنى ! .. ولينفصل أحدنا عن الأخر " ثم استدنت مرة أخرى . وأنا لا أبوح لها بما فى نفسى من خوف مؤلم من المستقبل المظلم .
وإنى أقول ما سأقول الأن وأنا واثق من صحته . ذلك أن كل الرجال الذين رمت بهم يد الغرام أو يد المرأة إلى مثل موقفى هذا يحاولون خلاصا من هذا الموقف بغشيانهم ما يسمونه طريق الحظ او السعد فيقصدون بيوت القمار .أو ساجات السباق .. وذلك أن أحد رفقائى فى عمل كان يغشاها وطالما أسعده الحظ بأن ربح . وكان جالسا أمام مكتبه باسطا صحيفة تدلى لفراشها بما تراه فى أمر الخيل وأيها السابق وأيها المصلى . وأخذ يناقش أخر فى أمر جواد معلوم ، ويرى أنه ولاشك السابق . وأنه لاشك مراهن عليه .
فقلت إذا ذاك : ولم لا أعمل مثل صديقى فربما أسعدنى الدهر فربحت فأسعدت نفسى ومرغريت وضربت بيدى إلى جيمى فوجدت فيه دراهم معدودة . فطرحت فكرة القمار مرغما . وذات ليلة ونحن فى طريقنا إلى الملهى وقفت مرغريت أمام حانوت جوهرى ونظرت إلى أساور من ذهب وماس وقالت لى : ما ثمن هذه الحلية ؟
فقلت : أنها تساوى أربعين جنيها !
فقالت : إن مثل هذه الأشياء جعلت للأغنياء ولا أدرى لم لم يجعلنى الله من عبادهم .. ونظرت إلى دمعة تترفرق فى مأ فى عينيها . فكدت أبكى لها ولنفسى . وفجأة طرقت رأسى فكرة القهار فى سباق الخيل ، وفكرة الجواد السابق ، ولكن أين لى المال لأراهن عليه ؟ ... ولكن المال كثير فى خزانة المحل وأنا الأمين عليه . وما دام المكسب مضمونا مع هذا الجواد ، فلم لا أمد يدى إلى ألقى فرنك بها فى سوق القمار ثم أربح وأعيدها إلى مكانها الأول واحفظ الربح لنفسى ؟ هذا خير
رأى ، وأصوب فكر . ولكن ما العمل إذا خسرت ؟ قلت ذلك لنفسى . ونظرت نظرة غصبى إلى مرغريت وهى عالقة بذراعى . ولكن أحمد الله فإنها كانت ملتفتة إلى ناحية أخرى تنظر إلى معروضات المخازن . إذ لو رأت نظرتى لارتاعت ذعرا .. إذا خسرت ؟ نعم إذا خسرت لاشيء غير أن يجيء رجل أو اثنان من الشرطة فيقبضان على باسم القانون ، وأجلس محنى الظهر على مقعد المتهمين فى محكمة الجنايات ، ثم أقضى بعد ذلك جزءا غير قصير من عمرى فى غياهب السجن ، ذلك إذا خسرت ؟ ولكن أكون بعملى هذا قد قدمت إلى مرغريت برهانا قويا ودليلا قاطما على حبى لها ؟ وربما أحبتنى إذ ذاك لعلمها إنى أتيت ما أتيت مرضاة لها .
ولكن لماذا هذا الخلط فى الحديث فالساعة أزفت . ولا فائدة من أثقل على قارىء هذه الصفحات بتفاصيل ما ارتكبت ولم أقص عليه كيف ارتكبت السرقة ، ولا كيف وقفت تتنازعنى العوامل المختلفة من خوف إلى حزن ، إلى ندم ، إلى أمل إلى فرح ، وانا فى ميدان السباق . ولا كيف خسر الجواد وجاء مجليا ، ولا كيف اكتشفت سرقتى ، والقبض على ، ومحاكمتى ثم سجنى ....
الوداع يا مرغريت . إنى أحبك ، وأغفر لك وأعفو عنك . فلربما سالت دمعة من عينيك عندما تقرأين هذه الصفحات المملوءة بذكرك ، كونى فخورة أمام عاشقك الجديد بأن هناك رجلا انتحر لأجلك ...
ها هو ذا نصف الليل لقد دقت السماعة ، وهأنذا قد أحكمت الحبل إلى النافذة فلا تشجع ولأنهى الأمر ! ...
(دمشق )

