كل البوادر تدل على أن مصر بعد هذه الحرب ستكون مركزا عظيما للنشاط السياسى العالمى الذى سيعقبها ، وأنها ستكون مجالا هاما للطيران المدنى الذى سيربط العالم ربطا وثيقا .
وإذا أجمعت الدول على رأى واحد فى سياسة العالم ينظر فيه لجميع الشعوب والأجناس ، وتؤلف له هيئة عالمية يسندها جيش عالمى مسلح ، كما يرى الأكثرون وكما يتمنى المخلصون للإنسانية ، فلن يكون هناك مكان أصلح من مصر لتحل فيه هذه الهيئة بجميع تشكيلاتها . وقد جا ذكرها كثيرا فى هذا العرض .
وكما تجلى مركزها الممتاز و نفعه العظيم للحلفاء فى معارك هذه الحرب ، فسينجلى مكانها الممتاز كذلك فى معارك السلام ، التى لابد منها لتضميد جراحات الإنسانية وتخفيف آلام الحرب والحيلولة دون تهديدها للحياة بعد هذه المرة ، إذا خلصت النيات وصحت القلوب ونشد الناس الحق والعدل الدولى بصدق وصراحة ..
فهل ينتفع العالم بوطن المصريين ولا ينتفعون هم به كما ينبغى ؟ وهل يدرك الناس مركز مصر ومكانتها ولا يدركهما المصريون فيعملوا لهما عملا يشرف غداة تلاقى الانظار عليها والتقاء الوفود العالمية فيها ؟
إنه ليروعنى ويروع كل مدرك أشد الروع أن تستقبل مصر بوادر مستقبلها المرموق على حالتها الراهنة ، ولا تعد للأمر عدته الكاملة فى الجبهة الداخلية بحرص وحذق يليقان بأمة يظن أنها ستكون عنوان الشرق الإسلامى العربى أمام وفود العالم .
والواقع أن كثيرا من بيوت قرى مصر أردأ مما يتصور .
وإنه لعجيب ، ما ينقضى منه عجب أن ترضى أمة أن يكون بين أفرادها هذا التفاوت البالغ فى التمتع ببركات الحضارة وثمرات الثقافة ، وأن يكون سيرها مختلف الطرق مختلف الخطوات مختلف الأهداف ! واعتقد أن الاعتياد والألفة هما خدرانا وصرفانا عن النظرة الصادقة لما نحن فيه !
هذا شىء وعنوان حياتنا العامة شئ آخر ، فعنوان حياتنا العامة هو رجل القرية ورجل الشارع وغيرهما من أفراد الطبقة الزارعة ، وأفراد الطبقة العاملة ، ومساكنهم وطرائق معايشهم واستقبالهم الحياة .. فهؤلاء هم الذين ينظر إلينا الناس من خلالهم ، ويحكمون على حياتنا العامة بحياتهم ..
وقد ارتكبنا أعظم الأخطاء بنقل المكان قبل نقل السكان ! نقلنا مدننا وشوارعها إلى الحضارة الغربية بسرعة فائقة ، ولكننا مع الأسف الشديد أبطأنا أشد الإبطاء فى نقل السكان . . فأصبح الرائى يرى مبانى وشوارع لا تقل عن مثيلاتها فى بلاد الحضارة الكبرى ، ثم إذا يرى فى ظلال تلك المبانى وأنحاء تلك الشوارع شعبا لا يزال أكثره يسير حافيا فى ثياب خلقة قذرة ، يبصق أفراده ويرصعون الأفاريز - كتعبير الدكتور الوكيل بك وزير الصحة المجاهد - بألغام الأمراض ونفثات الصدور العليلة . . ولا تزال جنازاته الفرعونية الجاهلية تخترق أهم الأماكن فى هرجلة وشعوذة وشناعة وطيش وسوء تقدير للموت والحياة معا ، أمام أنظار الأجانب الذين يكفى مثل هذا المنظر الكريه جدا أن ينزع من قلوبهم العطف والإنصاف لمصر والإسلام المظلوم . . ولا تزال أزياؤه تظهره للناظر الغريب كأنه فى مساخر (( كرنفال )) حشدت فيه جميع أزياء العالم .
وغلطة أخرى تتصل بالغلطة السابقة ارتكبناها : وهى نقل المدن فقط إلى الحضارة وترك القرى كما هى بدون اهتمام بها ، مع أنها المنابع التى لابد من تطهيرها هى أولا ليخرج منها جوهر هذا الشعب نقيا جميلا قويا . .
وقد ساء منظر قرى مصر أحد مفكرى العرب فى القرن الرابع الهجرى ، وهو عبد اللطيف البغدادى حين مر بمصر فى طريقه إلى الأندلس ، فقال إنها أقذر قرى رآها. . ! فإذا كانت مناظر قرانا قد آذت أبناء القرن الرابع الهجرى ، فهى جديرة أن تضاعف أذاها لمن اتصلوا بمستحدثات الحضارة الدقيقة فى القرن الرابع عشر الهجرى وهو القرن الحالى . . .
لقد اتصلت مصر بالحضارة الغربية منذ قرن ونصف تقريبا فى عهد محمد على ، وقد توثقت صلتها بها منذ عهد إسماعيل أى منذ سبعين سنة ، فهل تظل أمة متصلة بثقافة وحضارة ما دون أن تجمع على اختيار شئ منها تجعله أساسا واحدا لبناء نهضتها وإقامة كيانها ؟
هل تمكث أمة تدرك سير الحياة الحضارية الحالية وسرعتها ، ثم تقف مترددة مذبذبة متخلفة عن اللحاق الحقيقى بها سبعين سنة على أقل تقدير ؟
لماذا هذا الإكثار من ضحايا عهد الانتقال ؟ ولم التطويل والتمطيط فى ذلك العهد البغيض ؛ لقد أدركت اليابان الحضارة الغربية بعد إدراك مصر إياها بكثير من السنين ، ولكنها أسرعت إلى مقوماتها العلمية والصناعية وأسرارها العظيمة فاستوعبتها فى مدى قصير لم يطل أكثر من اللازم ، فإذا هى الآن ند عظيم خطير من أنداد أمم الحضارة الغربية الأصيلة ، مع أنها لم تفقد شيئا من مشخصاتها كأمة لها طابع معين فى حياتها الخاصة وقوميتها . * * *
لئن فات مفكرينا الأولين الذين أدركوا بزوغ فجر الحضارة الحديثة فى ديارنا أن يوقظوا الجميع لرؤية النور
الجديد والنهوض لاستقباله ، والسير جميعا فى أشعته وظلاله ، فلهم عذرهم من مفاجأة النور لعيونهم مفاجأة أدهشتهم وجعلتهم يسيرون وحدهم منفردين ذاهلين عمن خلفوهم وراءهم يعلوهم غبار القرون وصدأ الجمود ...
ولكن لا عذر لمفكرينا الحاليين أن يتركوا أحدا متخلفا عن قافلة الحياة العامة ، محروما من الثمرات المشتركه للحضارة والثقافة ، معزولا عن ضجة الحياة ونبئها العظيم الذى طار فى أجواء كل مكان ، واقتحم المجاهل بمواكبه ومراكبه وجراراته وزواحفه وطائراته القاذفة والمنقضة والمترنحة والشراعية ، وحشود جيوشه الآخذة من شمال الأرض وجنوبها ، وشرقها وغربها ، فى قاراتها الخمس وبحارها السبعة ...
وإن التبذير والإهمال لمنابع الثروات الشخصية خرق وحمق لا يليقان بذوى الألباب المدركين لأمانة الحياة .. فكيف هما فى أعظم ثروات الحياة والدولة ، وهى الرءوس والقلوب البشرية ؟ ! لاشك أن التبذير والإهمال فيهما وهما مادة الحياة أخرق الخرق وأحمق الحمق ! والمسئول عن ذلك حاملو أمانات الفكر .
فعليهم أن يدفعوا كل فرد إلى معرفة قيمته بمعرفة حقه وواجبه فى الدولة ، وإلى الإسراع إلى موكب الحياة العظيم بالجسم الخفيف القوى الصحيح ، والفكر اللطيف اللماح ، والقلب المؤمن العارف الحامل لأمانات الحياة !
(( وبعد )) أفليس يسر كل مفكر وكاتب أن يقرأه أكبر عدد من أمته على الأقل ؟ فمن واجبه إذا أن يكون تفكيره فى السوق العلمية أو الأدبية كتفكير تاجر السلع المادية فى سوقها ، وهى كما نعلم أول وسائله لرواج بضاعته . فهل لدى مفكرينا وكتابنا أسواق ثقافية ترضيهم وتعوضهم شيئا من عنائهم وجهدهم فى التأليف والترجمة ؟ !
سلوا مؤلفى الكتب القيمة ، ومحررى المجلات الثقافية التى لا تتملق رغبات الجماهير السطحية ولا تثير غرائزهم
المنحطة . . فعند أكثرهم طبقات مكدسة من الطبعات الأولى والأعداد الأولى . . . قد ينقذهم منها أن يبيعوها بالأفة فى أزمة الورق هذه لسواد الأمة التى قد لا يستعمل أكثر أفرادها الورق إلا للف السلع ومسح الأوانى والقوارير التى تملأ بطعام البطون . . .
وعدل من الله كل ما صنع !
الى الدكتور محمد مندور :
سرنى أن تستجيب نفس لها حماس وبيان كنفس الدكتور مندور لكلمتى السابقة التى دعوت بها مفكرى مصر إلى حل مشكلة العيش فيها ووضع أساس صالح للحياة الاجتماعية تسير عليه الأمة فى إجماع ، وأن يذكر معى (( لجنة التأليف والترجمة والنشر )) بأنها تستطيع أن ترسم على الأقل خطة للإصلاح . .
وساءنى أن يفهم الدكتور الفاضل من كلمتى أننى أهجم هجوما قويا على الثقافة الحرة التى سميتها ((الترف العقلى )) ، فما هجمت عليها ولا تنقصت قدرها لذاتها ، وإنما هاجمت الانكباب عليها وحدها والانقطاع بها عن معالجة مشكلات العيش المشتركة بمصر ، وعن وضع الأساس الصالح لحياة أبنائها جميعا ، وتحديد الأهداف التى يجب السير إليها فى إجماع ؛ وذكرت (( اللجنة )) بأنها تستطيع بما فى تكوينها من عناصر تمثل جميع اتجاهات الفكر فى مصر أن تصنع فى سبيل ذلك صنعا جميلا يوازى صنعها الموفق فى التأليف والترجمة والنشر ، بعد أن امتلأت أوعيتنا بكثير من قضايا العلوم والآداب والفنون ، ولم يبق إلا نشرها فى الأمة على قاعدة عريضة للمصلحة العامة من جهة ، ولضمان توسيع نطاق القراء الذين يفهمون معنى الثقافة الحرة ، ويشاركون سكان الأبراج العاجية متاعهم وترفهم الذهنى من جهة أخرى .
فسياق مقالى كله موجه إلى الهجوم على اشتغال أكثرية المفكرين بمصر بشئون الثقافة الحرة وحدها دون الاشتغال
بإصلاح الضرورى من شئون الروح والمادة فى تلك الامة التى نعرف جميعا تخلف سوادها الأعظم عن إدراك أبسط التدبير لصحة الجسم والروح .
