الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 246الرجوع إلى "الثقافة"

لماذا أنت عائش ؟

Share

قرأت في العدد ٢٣٧ من " الثقافة " الصديق مقال الأستاذ الفاضل أحمد أمين بك " في الهواء الطلق " فلقت نظري منه ما جاء في سياق المحاورة التى ابتدعها تساؤله " لماذا أنت عائش ؟ " .

ولقد بهرني في الحق هذا السؤال كما يهره ، غير أنني لم أقع على جواب شاف له كما كنت أنتظر ، بل علي العكس فقد انتهى الحوار وهو يدور حول الموضوعهم دون أن يلمسه من قريب أو من بعيد ...

فالسؤال واضح وصريح ، ليس فيه غموض ولا إسهام : لماذا أنت عائش ، لأي سبب أنت عائش ؟

فالقول بأنك عائش لعائلتك ، أو لقومك ، أو للمجتمع ، لا يصلح جوابا له ، إذ أن السائل لم يطلب معرفة لمن أنت عائش ، أو كيف أنت تعيش ، وإنما هو يسأل عن الغاية أو القصد من وجودك في الحياة . .

والآن فلنعالج الموضوع من طريق آخر ، لعله يلقي ضوءا فيهدينا إلي الطريق القويم لمعرفة الجواب الحق .

نحن نعلم أن الإنسان لا يبني يستغل الأرض ، فهو يزرعها ويستخرج معادتها ، ويغرس الأشجار ويبني الدور والقصور وهذا كله ليس بالطبع سوى مقدمات ، فلماذا هو يفعل ذلك ؟ له بالطبع قصد يرمى إليه .

فهو يزرع الأرض ليفتدي بخيراتها ، ويغرس

الأشجار ليأكل ثمارها ، ويستعمل أخشابها في حاجاته ولوازمه ، ويستخرج المعادن ليستعين بها في أعماله ، و يبنى الدور والقصور ليأوي إليها ويحتمي بها .

وإذا فمن المقدمات الأولى قد وضحت الغاية من هذه الأعمال كلها ، وإذا فهو لا يفعل كل ذلك لمجرد التسلية واللهو ؛ فإذا عرفنا ذلك فلنعد من جديد إلي السؤال الأول ...

لماذا أنت عائش ؟

يخرج المرء إلي الحياة فيتعهده ذووه بالوان من التربية إلى أن يشب فيتزوج وينسل ، ثم هو بدوره يتعهد أولاده بألوان من التربية إلى أن يشبوا ثم يتزوجوا وينسلوا .. الخ

ويقضي الإنسان المدة المقدرة له في الحياة ، ثم ينتهي أجله فيمضى ويتحلل جسمه إلى عناصره الأولي ليعود فيتكون من جديد بشكل أو بأشكال أخرى ... الخ

وهكذا نري الموضوع يتكرر ، والقصة تعيد نفسها ، أو التاريخ يعيد نفسه كما يقولون ؛ فما هي الغاية من كل ذلك يا تري ؟ وما هو القصد ؟ في نفس العدد من " الثقافة " مقال ممتع للأستاذ الكبير صاحب مذكرات جحا جاء فيه : " لست أدري أين هي الحقيقة ؟ أقول الحقيقة ؟ ما هي تلك الحقيقة ؟ هل للحياة قصد نسعى إليه ؟

لله درك ... نعم أين الحقيقة التي نسلخ العمر في البحث عنها ، ولم يهتد إليها أحد من قبل ، ومن يدري ؟ فلعل أن يهتدي إليها أحد من بعد !

أين هي الحقيقة ؟ ثم يستطرد الأستاذ الكبير فيقول في موضع آخر عن تيمور لنك :

" فهو يسوق قومه كالجراد ، لا يبالي ما يسفك من دمائهم ، ويهبط بهم على الناس ، فإذا هبوا للدفاع ثارت معركة يسميها تيمور معركة المجد ! أما أنا فلا أري إلا طاغية يسوق حمقى يضطرون أمامه ، ويسطو بهم على الناس لكي يقتل بعضهم بعضا ، حتى إذا بقي هو بعد ذلك تربع فوق الأرض راضيا ، يظن أنه قد نال السعادة وأصاب قصد حياته ...!

ثم ماذا ؟ سيلحق بهم بعد فترة وجيزة - وجيزة جدا لا تزيد على سنوات معدودة ؛ أليس هذا سخفا مضحكا ؟! سيمضي الناس جميعا واحدا بعد واحد حتي

لا يبقى منهم أحد في النهاية . . ثم ماذا ؟ ؟

هكذا تري أيضا هارون الرشيد ، ونبوليون بونابرت ، والسلطان عبد الحميد ، وغليوم ، وغيرهم وغيرهم ، من رجال التاريخ قد سموا وجدوا ، وخاضوا المعارك وامتلكوا البلاد وحازوا السطوة وعانوا المتاعب والأحزان ، واستمتعوا بالسعادة واللذات ، وسكنوا القصور ، ثم غيبتهم القبور ...

وهكذا تري الموضوع يدور ويدور ، والقصة تعيد نفسها ، أو التاريخ يعيد نفسه كما يقولون ...

وماذا بعد ذلك ؟ وما هي الغاية من كل ذلك ؟ نعود فنقول :

لماذا أنت عائش ؟ وما هو القصد من الحياة ؟

الإسكندرية

اشترك في نشرتنا البريدية