الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333 الرجوع إلى "الرسالة"

لماذا اتفقت روسيا وألمانيا

Share

اصبح العالم اليوم يشاهد روسيا وألمانيا تتمشيان يداً في يد  على خريطة أوربا السياسية، وقد يكون في ذلك شيء من الغرابة،  ولكن الأيام من قبل قد أرتنا مثل ذلك.

فقد عاد ستالين وهتلر إلى تلك السياسة التي ترمي إلى تقوية  موسكو وبرلين ضد قوى أوربا الغربية المتحدة.

وليس هذا كل ما في الأمر، فقد رأى هذان الرجلان  المختلفان في الرأي والمبدأ أن يخضعا المبادئ والآراء، لضرورة  الظروف الواقعة؛ فاختلاف المبادئ لم يكن له أثر يذكر في توثيق  العلاقات التجارية بين روسيا الغنية بالخامات وألمانيا الحافلة بالمصانع  والآلات. كما أن اختلاف الآراء والمناحي السياسية لم يكن ليحول

فراشه كما لو كان لم ينقل إلى مسافة تقرب من نصف طول العالم.  وهكذا بدأ صنع الحرير بداية حسنة في عهد ذلك الإمبراطور

وكانت كل هذه الإجراءات تعمل في داخل القصر وتحت  إشراف الإمبراطور شخصياً بما في ذلك إقامة أنوال تشتغل عليها  النساء في نسج الثياب بين جدران القصر وبملاحظة الإمبراطور.

لكنه لم يكن في الإمكان الاحتفاظ بسر في القرن السادس  في الأستانة حتى ولو كان ذلك السر في البلاط الإمبراطوري  كما كان ذلك يفعل منذ قرون في الصين. وعلى الرغم من أن  جوستنيان قد احتكر صناعة الحرير ولم يكن يسمح لأحد بصنعه  فسرعان ما تسربت هذه الصناعة إلى العالم الغربي. ومن البيض  الذي كان في تلك العصا نشأت هذه الصناعة وازدهرت في جنوب  أوربا وبخاصة بالقرب من البندقية مدة الألف والمائتي العام التالية.  وانتهت أخيراً مدة السر المكتوم التي دامت ثلاثة آلاف عام. (يتبع)

دون هذا الاتفاق، وقد كانت الصلات السياسية والحربية بين  موسكو وبرلين مبنية على قواعد وأسس وطيدة الاركان، حتى  ظهر هتلر، وأعلنت مبادئه في ألمانيا؛ فتغيرت الأحوال، وحل  الشقاق محل الوئام، وتبادل كل من الدولتين الدعاية المزرية ضد  الأخرى، وتعددت الإهانات من الجانبين.

فنحن حين نذكر الاتفاق الروسي الألماني، جديرون بأن  نذكر كلمة قالها سياسي فرنسي عظيم في هذا الاتفاق:   (لقد عجبنا ولكننا لم نفاجأ) .

على أن ألمانيا وروسيا وإن اختلفتا في المبدأ، فإن بينهما  أواصر من التشابه تجمعهما في سياق واحد. ونعني هذا التشابه  في الوسائل لا في الفكرة ولا في الفلسفة، فكلتا الدولتين تنفذان  إلى أغراضهما عن طريق القوة، وكلتاهما تستخدمان أشد أنواع  الإرهاب للاحتفاظ بكيانهما، وكلتاهما لا تعبئآن باحتجاج الرأي  العام أو تقيمان له وزناً، وكلتاهما تخضعان لحكم الأقلية وتسيران  وراء نظام حزب واحد، وتهزآن بالنظم البرلمانية والأوضاع  الشرعية، وكلتاهما تضطهدان الأديان، وتناديان بنوع جديد من  الوطنية. ونحن نرى أن من المبالغة وسوء تقدير الموقف أن نقول  إن هذه الأمور من شأنها أن تؤدي إلى تحالف دائم موطد الأركان  ولكنها ولا شك تؤلف نوعاً من الوحدة بين الدولتين فلا تلبثان  أن تتحدا إذا اصطدمتا عند غرض واحد.

وليس معنى هذا أن الدولتين لا تختلفان من الوجهة العملية  فنحن لم ننس بعد حملة الألمان على البلشفية، ولا ننس حملة البلشفيك  على الالمان، ولا ما بين الدولتين من الاختلافات العديدة.

ولكننا إذا أردنا أن نتبين حقيقة الموقف بين روسيا وألمانيا  يجب أن نقدر ثلاثة أشياء: وجوه الاتفاق بين الأمتين، ووجوه

الاختلاف بينهما، ثم حكم الأمر الواقع. فهذه أمور يجب أن ينظر  إليها بعين الاعتبار.

ولا يخفى أن رجال الجيش الأحمر لا يرضيهم ذلك الاتفاق بين  روسيا وألمانيا، ويعدونه من مظاهر الضعف والخذلان، كما أن  رجال   (ليتفنوف)  يؤيدونه ويعدونه من عوامل القوة ومظاهر  الانتصار.

ومهما تختلف الآراء وتتباين الأغراض، فإن هناك مواضع  عديدة للاتفاق بين الدولتين، فمن الواجب أن ينظر إليها بالحذر  والاحتياط.

اشترك في نشرتنا البريدية