اختصت بعض الممالك أو الآقاليم بسلالات جيدة من حيوانات معينة ، حتى أصبح انتماء حيوان خاص إليها شهادة بتفوقه ونفاسته ، وارتفاع قيمته ، ومغربا على اقتنائه . مثال ذلك الجواد العربى ، ونجم مورينو الأسبانية ، وبقر جرسى ( انجلترا ) ، وماعز انقرة ، ودجاج لجهورن الإنجليزى وغير ذلك .
وقد حاولت مصر فيما حاولت طوال نهضتها الحديثة إدخال سلالات جيدة إلى مصر باستجلاب عدو كبير منها من بلاده الأصلية ، وتربيته والعناية به عناية خاصة ، رغبة في زيادة ثروتها الحيوانية . وفي وسعنا ان نقول بوجه عام إن انكثر هذه المحاولات قد فشلت ، أو لم تصادف ما كان متوقعا لها من نجاح . وتلمس الكثيرون أسبابا لهذا الإخفاق ، فعزوه ثارة إلي عدم كفاية من يقومون بتربيتها والعناية بأمرها ، ثم عزوه إلى الجهل بطرق تغذيتها ، وعادوا
فنسبوه إلى اختلاف الجو في مصر عنه في موطنها الأصلي إلي غير ذلك
ولاشك ان هذا الموضوع على جانب عظيم من الناحية الاقتصادية ، فصناعة السجاد وقيمة الأصواف من الوجهة التجارية تكاد تتوقف على نوع الغنم ونعومة الشعر وطوله ، كما ان سباق الخيل لا يبرز فيه سوى الاصيل من الخيول العربية ، وكما ان الأبقار في كثير من البلاد تدر كمية هائلة من اللبن ومنتجاته ، تكاد تبلغ اضعاف ما تنتجه الابقار المحلية . وناهيك بعدد البيض الذي تنتجه الدجاجة الانجليزية في السنة ، وحجم البيضة الكبير بالنسبة للبيضة المصرية ، حتى صار اسم البيض المصري في أوربا مرادفا للضالة والقلة .
وقد يدهش الرجل العادي عند ما يعلم أن تربية الخيول العربية لم تنجح في غير موطنها إلا في البلاد الإنجليزية على بعد ما بين الدارين واختلافهما ، بينما مصر المجاورة للبلاد العربية ، وذات الاتصال الوثيق بها ، والتي تقرب منها مناخا لم تكسب من الشهرة ما كسبته انجلترا في هذا الباب !
وهناك مثل يبين بالذات كله العامل المهم في الحصول على اجود السلالات من الحيوان . وهو " تربية الثعلب القضي في كندا " فهذه الثعالب التي يتهافت على اقتناء فرائها الغانيات المودرن وسيدات الهابلايف في الحافقين ، ويدفعى مترورك الاثمان الباهظة ، التي تتراوح بين ١٠ جنيهات و ١٠٠ جنيه ، قد احترف تريبتها مربون محترفون ووفروا علي أنفسهم عناء اصطيادها من الإقاليم القطبية ، واجتنبوا الأخطار والمشاق ، وتفادوا الخسارة فيما لو خدشت جلود الثعالب أثناء اصطيادها فصارت معيبة .
فقد وجد هؤلاء الأخصائيون ان هذه الثعالب في الأسر تتفاوت قيمة فرائها تفاوتا عظيما ، فبينما يجود بعضها ويمتاز بسمك الجلد وطول الشعر ولمعانه إذا بالبعض الآخر لا يقبل على شرائه أحد لنحافة جلده وقصر شعره وانطفاء رونقه
والفرق بين ثمن النوع الحيد من الجيد والرديء هائل دعا إلي استقصاء السبب . وسرعان ما تجلى ان تربية الثعلب في الأقاليم التي تزيد حرارتها عن الأقاليم القطبية ( الموطن الأصلي لأجود أنواع هذه الثعالب ) تهيء الفرصة لانتشار العدوي بديدان طفيلية تعيش في امعاء الثعلب من نوع قريب في فتكه بالجسم من الانكلستوما التي تصيب الانسان . وعلي ذلك عمد هؤلاء الأخصائيون في مزارع تربية الثعالب إلي علاجها لدي إصابتها بهذه العدوى التي تشخص بفحص برازها بالأدوية المضادة لهذه الديدان ، وهي نفس الأدوية المضادة للانكلستوما في الانسان فتتحسن في الحال جلودها وترتفع قيمتها .
وطريقة إعطاء هذه الأدوية لتلك الثعالب طريقة ممتعة ، فهي ضاربة لا يمكن الاقتراب منها أو وضع شئ في فمها . لذلك اخترعت بندقية خاصة تحشي بمحافظ الأدوية التي تقتل تلك الديدان ، وتقدم للتعلب فوهتها من خلال القضبان فيهجم عليها ويطبق عليها اسنانه ، وإذ ذاك يطلقونها فتنقذف المحافظ في حلقه فيبتلعها .
والعدوي بالطفيليات هي اهم العوامل التي تؤثر علي جودة السلالات . والطفيليات حيوانات دنيئة ليس في جسمها حرارة ذاتية كبيرة ، ولذلك تخضع لدرجة الحرارة المحيطة بها . ومن ثم تنتشر في الجو الحار الرطب ، وتكاد تنعدم في الأقاليم الباردة والاراضي الجافة . وهذان العاملان -الحرارة والرطوبة- يفسران اختصاص الأقاليم المختلفة بالسلالات الجيدة من الحيوان . فالجواد العربي بعيش في الصحراء ولا يتعرض كثيرا للطفيليات ، فإذا جيء إلي مصر وأ كل برسيمها وشرب ماءها حيث الظروف موانية لانتشار الطفيليات التي تعد بالمئات في أحشاء
الحصان المصري ، انحطت صفاته ، وقارب حصان العربة " الكادو" الذي هو مضرب الامثال في عدد الطفيليات الموجودة به، حتى لقد كتب عنها كتاب خاص يعتبر من مفاخر كلية الطب المصرية ، كتبه العلامة لوص أحد أساتذتها الالمان ونشرته سنة ١٨٩٩ واعيد طبعه سنة ١٩٢٦ نظرا لشدة الإقبال علي اقتنائه في جميع انحاء الأرض . ونجحت تربية الجواد العربي في بلاد الإنجليز لبرودة الجو هناك حيث لا يتسني للطفيليات الانتشار.
وكذلك قسم مورينو فانها تعيش في جبال البرنتز حيث الجو بارد غير صالح لانتشار الطفيليات . وقد صارت مصر في العصر الحديث موطنا صالحا لنمو وانتشار الطفيليات التى تصيب الإنسان والحيوان والنبات ، تبعا لانتشار طرق الري الحديث الذي ادي إلي تشبع التربة بالماء لارتفاع منسوب الماء الجوفى في باطن الأرض ، وكثرة مجارى المياه الراكدة أو البطيئة الجربان ، وما ينتجه هذان العاملان من تشبع الجو بالرطوبة ، حتى غدت بيئة صالحة لتكاثر الحيوانات الدنيئة التي منها طفيليات الإنسان والحيوان والنبات . فإذا قام إنسان أو حيوان على التربة المصرية دون انحاذ احتياطات خاصة تقيه شر العدوي بهذه الأمراض ، اتحط نوعه ومضت حيويته وقل مجهوده خصوصا إذا نشأ فيها صغيرا ، لان صغار الإنسان والحيوان أقل مقاومة وأكثر تأثرا بهذه الطفيليات .
وقد رأت الأبحاث الحديثة على أن المصريين هم أقل كفاءة في العصر الحالي عما كانوا عليه قبل الري الحديث ، وان قامتهم أخذة في القصر ، واجسامهم يبطئ نموها . وعقولهم تخبو جذوتها ، كما اثبتت اختبارات ذكاء الفلاحين والفحص الطبي عند التجنيد . ولا ينجو من هذا التأثير الوبيل إلا من ابعدته الظروف أو المركز العائلي عن تربة الأرض ومجاري المياه التي تكمن فيها العدوي ، فأقام بالدن حيث الماء خال من جراثيم الأمراض ، وحيث الأرض لا تتلوث بفضلات الانسان والحيوان ، وحيث نقيه الملابس
والحذاء وطريقة المعيشة من التمرض بطريق مباشر او غير مباشر للعدوي .
ولو نحن سألنا صناع الأردية الصوفية أو السجاد أو الا كلمة في مصر عن خير أنواع الصوف الذي يفضلونه في صناعتهم هذه ، لاخبروبا من غير ما تردد انها أصواف الأغنام التي تعيش في الصحراء غربي الإسكندرية فيما يلي مريوط والعامرية ومرسي مطروح ، أو في وادي النيل جنوبى أسيوط . وهذه الآماكن بالذات هي المناطق الجافة التي لا تتشبع ترتبها بالماء ، ولا تكثر في أنحائها مجاري المياه الراكدة ، أو البطيئة الجريان ، أو التي تتعرض تربيتها اثناء الصيف اشهرا لحرارة الشمس اللاذعة التي تبيد مابها من حيوانات دنيئة ( وفي جملتها الطفيليات ).
بل إننا لو سألنا أصحاب الجياد الصافنات المشهورة بالتفوق والكسب في حلبة السباق ، لأجابوا ان خيرها ما تنجبه منطقة خاصة في مديرية الشرقية حيث يقيم عرب الطحاوية . ولو زرناهم لوجدناهم يقيمون في جزيرة سعود وما هي بالجزيرة بالمعنى المفهوم ، ولكنها جزيرة من الرمال وسط مناطق زراعية ، يحرصون على إيواء جيادهم وتربتيها فيها بعيدة إلى حد كثير عن مصادر العدوي المنتشرة في المناطق الزراعية في مصر
لقد حاول كثيرون إدخال بقر جرسي الممتاز بكميات اللبن الهائلة إلى مصر ، ولكنه شوهد بعد جيل أو جيلين ان قيمته انحطت وصار اقرب إلي الآبقار المحلية . ولكني شاهدت إحدي الشواذ في ذلك بدار الكلية الامريكية باسيوط ، فقد اروني بقرهم معجبين بنجاحهم في تربية هذا النوع من البقر ، فسألهم عن طريقة العناية ، ونوع الماء والاعشاب التي يأكلها ، فوجدت ان الكلية بأرضها الفسيحة صارت الان داخل حدود مدينة اسيوط ، يسيل فيها الماء المرشح الخالي من جراثيم الأمراض الذي يعطي لهذا البقر . وقد أسكنوه الاصطلات المرصوفة بالأسفلت والتي تنظف يوميا مما لا يدع مجالا لتوطن . الطفيليات وانتشارها . فلو تركت هذه الابقار تعيش عيشة زميلاتها
المصرية السكينة ، تشرب من المياه الملوثة كما يشرب صاحبها ، وتسير ونتام على الأرض الرطبة لا نحطت في صفاتها وانحدرت إلي مستوي ابقارنا
وينطبق ما اسلفنا على الدجاج وغيره من الحيوانات في مصر ، والعامل واحد في انخطاط الجميع . فإذا لم تتخذ احتياطات خاصة ( وهي ليست بالصعبة ) لوقاية الأحياء بمصر سواء الإنسان والحيوان والنبات ، لا تحطت قيمتها وقل انتاجها وتدهور نسلها . وإن التحسينات التي يتطلبها الحال لاصلاح حال الإنسان في مصر هي بعينها التي يستصلح بها حال الحيوان أيضا .
وبدون ذلك سوف تذهب مدي المجهودات والنفقات التي تبذل في تربية أو إدخال سلالات جيدة من الحيوان فى مصر

