بعض الكوارث التى تصيب الأمم قد تكون مجهولة الأسباب ، ولكن من الواضح أن الكثير من النكبات التى أصابت الناس مصدرها أنهم لا يفيدون من التجارب ولا يتعلمون من التاريخ ، وأكثر حوادث التاريخ تكاد تكون قصة المخلوقات البشرية التى لم تع دروس التاريخ وأهملت عظاته وتجاهلتها وأعرضت عنها ، وطالما استوقفنى بيت من الشعر لشوقى فى القصيدة التى رثى بها بطرس غالى وهو قوله :
والحكم للتاريخ فيك ففى غد
يزن الرجال ويصدر الأحكاما
ويخيل إلى أن أكثر الناس لا يبالون أحكام التاريخ هذه ، ولا يفكرون فيها ، ولست أدرى هل كان المرحوم شوقى نفسه قائل هذا البيت من المعنيين بأحكام التاريخ ! أرجو أن يجد الذين تخصصوا لدراسة حياته ومواقفه واتجاهاته أنه كان كذلك .
وقد اهتمت الأمم المختلفة بالتربية والتعليم وبذلت جهودا عظيمة ، وقامت بتجارب شتى للبحث عن أصح أساليب التربية وأحسن سبل التعليم ، والكثيرون منا يتفاءلون ويحسنون الظن بالإنسان ، ويرون أنه قابل للتربية وصالح للتعليم ، والواقع أن المربى - على الأرجح - لابد أن يكون متفائلا حسن الظن بالطبيعة البشرية وقابليتها للإصلاح والتهذيب ؛ ولكن هناك بعض المتشائمين الذين يشكون فى قيمة التربية والتعليم ، ويتساءلون : هل نجحت التربية فى محاولتها ؟ وهل استطاعت أن تهذب الإنسان وترفع من مستواه ؟ وخير رد على هذا التساؤل هو بطبيعة الحال التوسع فى التربية والتعليم والإكثار منهما والإيمان فيهما ؛ فالتعليم يفتح لنا آفاقا جديدة ، ويمكننا من الاتصال بأرقى العقول البشرية فى مختلف الأمم ومتباين الأجيال ومختلف العصور ولا نزاع فى أننا قد نتأثر بمثلهم العليا وأخلاقهم السامية ، وقد نتعلم منهم الصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة والترفع
عن الصغائر ، ولولا العلم والتربية لما كانت الابتكارات العلمية التى لطفت آلام الإنسان ويسرت له الكثير من المطالب المادية وضاعفت متع الحياة ؛ والعالم بغير مدارس ولا معاهد للتربية والتعليم لا يصبح جحيما فحسب ، بل يخيم عليه الظلام وتذوى فيه النفوس وتقبر المواهب ؛ فالتربية مهما اعتورها النقص ولحقها الإخفاق وساء بها الظن خير من الجهل المطبق والعامية الطاغية ؛ ولولاها لكان العالم اليوم أسوأ حالا مما هو عليه ، ولتعقدت الأمور أكثر مما هى معقدة ، ولاستفحل الداء وأعجز الإنسانية التطبيب والدواء .
والتاريخ نفسه يوضح لنا أن التجارب قد تكون معلما ، وقد لا تعلمنا التجارب جميعا فى كل وقت ، ولكنها قد تعلم بعضنا فى بعض الأوقات ، ولو اتسع علم الأمم بالتاريخ لتجنبت الكثير من الثورات الدامية والانقلابات الخطيرة .
وقد تناول هذا الموضوع الكاتب الحربى القدير ليدل هارت فى رسالة له قيمة أسماها " لماذا لا نتعلم من التاريخ " وضمنها الكثير من آرائه السديدة ، وهذه الرسالة نفسها ترينا صعوبة التعلم من التاريخ ، وذلك لأن التاريخ بطبيعته يعلم الأقوام المختلفين دروسا مختلفة ، والآراء فى تفسير التاريخ كثيرا ما تتعارض وتتناقض ، وحينما نقرأ لكبار المؤرخين نجد أن كلا منهم قد استخلص منه نتائج قد لا تتفق مع النتائج التى استخلصها غيره من المؤرخين ؛ وما رآه فى التاريخ مثلا مفكر مثل كارلايل يخالف ما لحظه مفكر آخر مثل تولستوى ؛ وكبار المؤرخين غير متفقين على ما تعلموه من التاريخ . وقد ظن هتلر أنه تعلم من التاريخ درسا قصر عن إدراكه قبله الإمبراطور غليوم ومستشاروه ؛ ومن الغريب أنه وقع فى نفس الخطأ الذى تورط فيه الإمبراطور غليوم فحارب فى جهتين كما حارب الإمبراطور غليوم ، واستخف بقوة أعدائه كما استهان بها غليوم . والمشكل هو أن نفس الذين يريدون أن يتعلموا من التاريخ ليس من السهل اتفاقهم على الدرس الذى يجب أن يتعلموه ، والحقيقة
المحزنة هى أن الكثيرين لا يريدون أن يتعلموا من التاريخ ، وذلك لأن المطامع الشخصية والمآرب الذاتية والأهواء والشهوات تضل طريقهم وتصرفهم عن الإفادة من التاريخ وتجاربه .
والتاريخ هو تجارب الإنسانية ، ولكن ما أقل استفادتنا من تجاربنا الخاصة ، ونحن أقل من ذلك استفادة من تجارب آبائنا وأجدادنا وتجارب الأمم السالفة والعصور الغابرة . .
وإذا كانت تجارب التاريخ لا تفيد فليس الذنب ذنب التاريخ ولا العيب عيبه ، وإنما هو ذنبنا وعيبنا وخطؤنا ؟ فالدروس فى التاريخ كثيرة والعبر هائلة والعظات متكاثرة ، ولكننا نتجاهلها لأنها تحد من أطماعنا وتعترض شهواتنا ، وما أصدق قول المتنبى :
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم من شأنه ما عنانا
ولكن ما قيمة ذلك ما دمنا لا نريد الانتفاع بتجارب التاريخ ؟ . .
وقد تحدث ليدل هارت فى مستهل رسالته عن قيمة التاريخ فقال : " التاريخ هو سجل خطوات الإنسان وعثراته . وهو يرينا أن الخطوات كانت بطيئة وقليلة ، وأن العثرات كانت سريعة وكثيرة ، وهو يتيح لنا الفرصة للاستفادة من عثرات المتقدمين وسقطاتهم ، ويجب أن يجعلنا ما نشعر به من قصور وعجز ، مقتصدين فى ذم هؤلاء الذين تورطوا فى الخطأ ، ولكن يجب أن نحاسب أنفسنا إذا فاتنا تعرف الأخطاء ، وهناك نزعة عامة لاعتبار التاريخ موضوعا للمتخصصين ، وهذا هو الخطأ الأول ، لأن التاريخ - على نقيض ذلك - هو المصحح الجوهرى لكل لون من ألوان التخصص ، وإذا نظر إليه نظرة صحيحة فهو أوسع الدراسات مجالا ، وهو يشمل كل وجه من أوجه الحياة ، فهو يضع أساس التربية لأنه يرينا كيف يكرر البشر أخطاءهم ويكشف لنا هذه الأخطاء . ولقد كان بسمارك الذى قال هذا التعليق الذى ينم على الاحتقار والذى يناسب هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بأنهم " رجال عمليون " تمييزا لهم من " النظريين " وهو قوله : " إن الحمقى يقولون إنهم يتعلمون من التجارب ، وأنا أفضل أن أتعلم
من تجارب الآخرين " ودراسة التاريخ تتيح لنا هذه الفرصة ، فهو التجربة العامة ، وهى تجربة أطول إلى أقصى حد ، وأوسع وأكثر تنوعا من تجربة أى فرد ، وطالما سمعنا من الناس أنهم يدعون معرفة الدنيا لأنهم بلغوا الستين أو السبعين من عمرهم ، ومعظم هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم شباب ناشىء فى الستين أو السبعين ، ولا عذر لرجل متعلم إذا كان عمر عقله أقل من ثلاثة آلاف سنة .
ويتبع ذلك بذكر ملاحظات له تبين لما كيف يصنع التاريخ ، وكيف يكتب ، يقول فيها : " مما يساعدنا على فهم الحوادث السالفة بعض تجاربنا الراهنة فى مشاهدة كيف يتقرر وقوع الحوادث ؛ ولقد كان من حظى الحسن أن أرى بعض الأجزاء الصغيرة من التاريخ وهى تصنع ؛ وقد علمتنى هذه التجربة أن المصادفة هى الغالبة ، مثل تأثير الكراهة الشخصية أو الكبد المريضة أو الشغب المنزلى ويسترسل فى بسط رأيه فيقول : " ربما كان أقوى هذه المصادفات المؤثرة فى التاريخ الوقت المخصص لتناول الغداء ، فقد لاحظت أثناء حضورى الكثير من اللجان فى لندن وجنيف كيف أن البحث المتزن لمشكلة من المشاكل يختل ويضطرب وينتهى الباحثون إلى رأى قطير يخالف فى بعض الأوقات اتجاه الرأى السابق ؛ وسبب ذلك أن معظم الأعضاء كانوا مرتبطين بمواعيد لتناول الغداء ، واستطاع أحد الأعضاء المخالفين أن يستغل حرصهم على مراقبة الوقت ليحقق هدفه . ولقد كان نابليون هو الذى قال : " إن الجيش إنما يمشى بمعدته وملاحظتى تجعلنى أميل إلى أن أكمل قولته هذه بهذا المثل وهو : " إن التاريخ يسير فى مجراه بمعد الساسة " ، واليابانيون يقولون : إن المعدة هى بيت الشجاعة . ويؤيد هذا القول براهين كثيرة من التاريخ الحربى تدل على أن الروح المعنوية للجيوش تتوقف على حاله معدها ؛ ومن ذلك كله يستطيع المؤرخ أن يستخلص أن مصير الأمم يتوقف إلى حد كبير على تيارات الشعور المفاجئ لا على الأحكام المتزنة
ثم يشككنا فى الوثائق التى يكتبها القواد عن المعارك التى يخوضون غمارها ، ويروى تأييدا لرأيه هذه الحادثة لما انهارت الجبهة البريطانية فى مارس سنة ١٩١٨ وجاءت
الإمدادات الفرنسية لتسد الثغرات ، وصل أحد كبار القواد الفرنسيين إلى معسكر بعض فرق الجيش ، وهناك أملى الأوامر التى تعين الخط الذي تقف عليه الجيوش فى تلك الليلة وتبدأ حركة الهجوم المضاد فى الصباح ، ولكن الفرقة بعد أن قرأت الأمر حارت فى أمرها ، وقال رئيسها مبديا دهشته : " ولكن هذا الخط وراء الجبهة الألمانية ، فقد فقدته أمس ولكن القائد الكبير ابتسم ابتسامة العارف وقال : " إن هذا للتاريخ ؟ وأضيف إلى ذلك أن هذا القائد كان له مركز سام أثناء الحرب فى مكان المحفوظات التى اعتمد عليها التاريخ الرسمى بعد ذلك والمحفوظات الرسمية بها كثير من الثغرات ، وهى علامة تدل على أن كثيرا من الوثائق أعدمت لإخفاء ما قد يضر بسمعة قائد من القواد ؟ والأصعب من ذلك كشف الوثائق المزيفة التى وضعت فى مكان بعض الوثائق التى أعدمت ؛ وقد كنت أعجب فى بعض الأوقات كيف يمكن القواد أن يقوموا بأعمالهم فى الحرب وهم يقضون الكثير من وقتهم فى إعداد المواد للمؤرخين . وإذا كان عظماء الرجال فى الماضى - حيث التحقق من صحة الحوادث أصعب - قد شعروا بالتاريخ شعور الأجيال الحديثة فلنا أن نتساءل أى قيمة يمكن أن تعطيها لأى شىء أقدم من تاريخنا العاصر ، وكشف التاريخ من التجارب التى تزيدنا فطنة ورزانة . ولقد جعلت المؤرخ الأمريكى الشهير هنرى آدمز يقول فى رده على رسالة جاءته : " لقد كتبت الكثير من التاريخ حتى أصبحت لا أومن به ، فإذا أراد إنسان أن يخالفنى فإنى مستعد لأن أتفق معه ؟ ودراسة تاريخ الحرب بوجه خاص تبدد أوهامنا فى الاعتماد على شهادة الناس ودقتهم بوجه عام ، حتى إذا غضضنا النظر عن تشكيل الحوادث لتلائم أغراض الدعوة " .
ويتحدث فى موضع آخر من الرسالة عن " الخوف من الحق " فيقول : " يعلمنا التاريخ أنه فى كل عصر وكل إقليم كان الناس يكرهون أى تعليق صادق على نظمهم المتبعة . ونتعلم من التاريخ كذلك أنه لاشىء كان أدعى إلى بقاء الكذب والزيف والشر الذى ينجم عنه من إصرار الناس الصالحين على عدم التسليم بالحق حينما كان الحق مقلقا ليقينهم المريح . ولا أتصور مثلا أعلى لحياة الإنسان أسمى من مواجهة
الحياة بعين مبصرة بدلا من التعثر فى طرقاتها مثل مكفوفى البصر أو البلهاء أو السكارى ، وهو ما يفضله أكثر الناس ؛ ويندر أن تلقى بين الناس من يسأل نفسه عند أول مواجهته لشىء من الأشياء " هل هذا الشئ حقيقى ؟ " وبالرغم من هذا فإنه إن لم يصبح هذا التساؤل هو المواجهة الطبيعية للأشياء فإن هذا يظل يدل على أن البحث عن الحق ليس مطلب الإنسان الأسمى وما لم يصبح الحق مطلب الإنسان الأسمى فالترقى غير محتمل "
ويتخذ ليدل هارت الألمان مثلا لذلك ، فيروى أنهم ألحقوا بقانون العقوبات الألمانى فى سنة ١٩٣٦ مادة تنص على أن الأشياء التى تستخرج من تاريخ ألمانيا السالف وتسئ إلى الشرف الألمانى يعاقب الذى يجىء بها بالأعمال الشاقة ، سواء كان ما جاء به حقا أو باطلا ، وكتابة التاريخ الحق تسئ على الدوام إلى من لهم مصلحة فى إخفائه ، وقد تفردت ألمانيا بأنها كانت أول بلاد تجعل ذلك جريمة ينص عليها فى قانون العقوبات ؟ .
ويرى ليدل هارت أن أخطر الأوهام هى الأوهام التى تنشأ من تزييف التاريخ لمصالح القومية المتوهمة والمحافظة على الروح المعنوية فى الحرب ؛ ومن العجيب أننا نحصل على التجارب فى صعوبة وعناء ، ولكننا نلقى صعابا جمة فى الاستفادة منها ، والذين صادفوا أكبر المشقات يظهرون استعدادهم ليلقوا نصيبا أكبر من الشقاء . ويذهب ليدل هارت إلى القول بأن فن إخفاء الحقائق وسترها قد ظهر فى كتابة التاريخ الحربى قبل أن يطبق فى ميادين القتال بزمن طويل ، وهذا الفن لا يخفى الأخطاء التى يمكن أن تعالج وحدها ، وإنما يغذى الثقة المزيفة ، وقد كانت الثقة المزيفة سبب أكثر السقطات التى سجلها تاريخ الحروب .
ويتحدث ليدل هارت عن الولاء الصادق والولاء الكاذب فيقول : " يعلمنا التاريخ أن هؤلاء الذين لا ينطوون على الولاء لرؤسائهم يكثرون من التبشير بالولاء لأتباعهم ومرؤوسيهم ؟ ومنذ سنوات قلائل كان هناك رجل يكثر من التبشير بالولاء حينما يكون فى منصب عال ، وقد وصف هذا الرجل رؤساؤه فى أحاديثهم الخاصة وكذلك زملاؤه ومساعدوه بأنه من هذا الصنف من الناس الذى لا يتورع
عن شئ فى سبيل طلب الظهور والرقى ؛ والولاء صفة نبيلة على شريطة أن لا تمحو من النفس الولاء الاكبر ، وهو الولاء للحق والولاء لما يليق ؛ ولكن هذه الكفة كثيرا ما يساء استعمالها ، لأننا إذا حللنا أكثر ما يفهمه الناس من لفظة الولاء نجد أنه مؤامرة لإخفاء عدم الكفاية المشتركة ، وهو من هذه الناحية فى جوهره ضرب من الأثرة مثل ولاء العبودية الذى يحط من قدر السيد والعبد " ويتحدث بهذه المناسبة عن الذين يقبلون على كتابة التاريخ أو التراجم متأثرين بهذه الفكرة الخاطئة عن الولاء فيقول : " هذه الأنواع الصغيرة من الولاء تغزو ميدان كتابة التاريخ وتفسد ثمراته ، لأن البحث عن الحق من أجل الحق وحده هو أول صفة من صفات المؤرخ ؛ وكثيرون من يحاولون القيام بكتابة التاريخ ؛ ولكن القليلين جديرون بذلك ، لا لنقص المواهب ، وإنما لنقص الدافع أو العزم على اتباع الحق أينما قادنا وأدى بنا . والكثيرون عندهم موانع عاطفية حينما يتصدون لكتابة التراجم مثل الصداقة والقرابة وولاء التلمذة ؛ وأقل قيمة من هؤلاء الذين يحرصون على أن تكون النتائج التى يصلون إليها مما يرضى الجمهور أو ترضى وليا من أوليائهم ؛ وليس معنى ذلك أن أنزه المؤرخين يصل إلى الحق في كليته الشاملة ، وإنما معناه أنه يقترب منه إذا صح منه العزم . وقد سمعت من بعض الرجال البارزين الذين اشتركوا فى الحرب الكبرى الأولى قولهم إن بعض حوادث تلك الحرب يحسن المرور عليها والسكوت عنها فى كتب التاريخ ؛ وقد كان هؤلاء الرجال شرفاء حسنى السمعة ، ولكنهم لم يشعروا بأنهم كانوا يجرمون ، وهذا الإجرام لم يكن مقصورا على مصالح بلادهم ، وإنما كان إجراما يؤذى الحق ، والحق هو الأساس الجوهرى للشرف " .
ويتحدث عن المحافظة على العهود والمواثيق فيقول : " تقوم الحضارة على ممارسة المحافظة على الوعود ، وقد لا يبدو ذلك شيئا سامى القدر عظيم الشأن ، ولكن إذا اهتزت الثقة بالمحافظة على العهود فإن البناء جميعه يتداعى وينهار ، وكل محاولة بنائية وجميع العلاقات البشرية سواء كانت شخصية أو سياسية أو تجارية قوامها الاعتماد على الوعود ؟ . ويذهب ليدل هارت إلى أن الدقة فى أعمق معانيها هى
أساس الفضائل وأساس التفاهم وأنها ضمان التقدم ، ويعزو معظم أسباب متاعب الإنسانية إلى الإسراف ، وأن العجز هو سبب إخفاقنا فى دفع هذه المتاعب ، وأن منعها متوقف على التزام الاعتدال ، والمعلومات غير الدقيقة والأحكام العريضة السريعة والأحاديث المنطوية على الحقد والكراهة ، كل ذلك هو الذى يثير الحروب ؛ فجرثومة الحرب فى داخل نفوسنا لا فى الاقتصاديات أو السياسات أو الدين ، ولا يمكن الخلاص من شر الحرب إلا إذا عالجنا أسبابها الأصيلة فى نفوسنا " .
وينقل عن الجنرال هوفمان قوله : " لأول مرة فى حياتى رأيت التاريخ من منازله القريبة ، وأعرف الآن أن ما يحدث فى الواقع مختلف كل الاختلاف عما يمثل للأجيال القادمة .
وينتقد فى ختام الرسالة نظرية أن الغاية تبرر الواسطة ، ويقول : " إذا كان هناك درس واضح فى التاريخ ، فهو أن الوسائل السيئة تشوء الغايات أو تنحرف بها عن اتجاهها الأصلى ، وإذا نحن عنينا بتحرى الوسائل فإن الغايات ستعنى بنفسها وتتجه فى طريق تحقيقها " .
ورسالة ليدل هارت حافلة بأمثال هذه الأفكار المستنيرة والخواطر المعتدلة التى ترشدنا فى الاستفادة من التاريخ والانتفاع بدروسه وعبره .

