الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

لماذا لا نخلق

Share

زعمت لك فى مقال سابق أننا لا نكاد نخلق شيئا واحدا جديدا فى العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن، وأعنتها نظرات منك صادفة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم، حين أعذتك بالله من خديعة الشيطان التى قد توهمك بشبه بين العالم وطالب العلم، بين الأديب وشارح الأفكار، بين الفيلسوف وقارىء الفلسفة، أو بين الفنان، ومن يتحدث فى الفن وينقده؟ وزعمت لك أن الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض بين الرجل يخلق ما يقوله خلقا من العدم أو ما يشبه العدم، وبينه بفهم ما خلقه سواء ويعيه، بل يطبقه ويستخدمه أحسن استخدام وتطبيق؛ فربما رأيت طلابنا فى المدارس يتعلمون الطبيعة والكيمياء، والرياضة والأدب، ورأيت الناس فى شوارعنا وبيوتنا يستخدمون السيارة والمرة والبرق والمذياع، ربما رأيت ذلك كله فصحت نفسك فى إعجاب: أما والله إن منا لعلماء ومعلمين ومتعلمين، أين الفرق - إذاً - بيننا وبين بلاد الغرب التى صارت يذكرها الركبان؟ فأنا أعلم سرعة الوقوع فى مثل هذا الخطأ؛

مثال ذلك أنى كنت أتحدث إلى طبيب مصرى قدير نابغ على شاطئ البحر من مدينة "برايتن" فى انجلترا.

قال الطبيب الصديق: جئت إلى هذه البلاد (انجلترا) يحدونى الأمل أنى لا شك واجد عند أساطين الطب ما يستثير منى العجب والإعجاب، فإذا بالأساطين لا يكادون يسمعوننى فى الطب جديدا! أفنحن بعد ذلك مصدقون لما يذيعه المعجبون بهذه البلاد وأصحابها؟.

فقلت له: لا تخلط يا صديقى بين الإبداع والتقليد، وحذار أن تمزج بين الابتكار والتكرار؛ فهؤلاء الناس هم الذين خلقوا لك الطب خلقا بعد بحث ودراسة وتمحيص، ثم دونوا علمهم فى كتاب ثم أرسلوا لك الكتاب وأنت فى القاهرة المعزية ناعم البال، فنشطت كما ينشط "الشطار" وحفظت الكتاب عن ظهر قلب من الغلاف إلى الغلاف، فإذا ما جئت اليوم هاهنا وسمعت صاحب الكتاب ومبدع مافيه يتحدث إليك بما يرن فى أذنيك رنين المعهود والمألوف، فلا يخدعنك ذلك عن الحقيقة الساطعة، وهى أن من بحث ودرس ومحص ثم دون نتائج بحثه ودرسه وتمحيصه هو الطبيب العالم؛ أما أنت فتلميذ "شاطر" حفظ ووعى وطبق.

فلو فرضنا أن جماعة من الجن تآمرت على ثمار المدينة كلها فمحتها محوا بين عشية وضحاها، واستيقظ الناس

ذات يوم ليروا أن بلادهم قد خلت من سياراتها وطياراتها وعلومها وآدابها وتصاويرها وتماثيلها، بل لو فرضنا أن جماعة الجن المتآمرة قد أحكمت تدبير المؤامرة فعمدت إلى محو كل أثر لهذه الأشياء من أذهان عارفيها، لو فرضنا ذلك لتوقعنا لانجلترا أو فرنسا - مثلا - أن تنتج السيارة والطيارة من جديد، وأن تخلق علومها وتنشىء آدابها من جديد، وأن ترسم تصاويرها وتنحت تماثيلها من جديد، لأن هذه الأشياء كلها كانت من خلقها وإبداعها، وليس أيسر على الخالق من أن يعيد خلقه سيرته الأولى؛ أما نحن الذين لم نخلق من هذا كله شيئا،

فسيكتب علينا بعد مؤامرة الجن أن ننتظر فى خلاء حتى يفرغ أولئك الخالقون من خلقهم وإنتاجهم، فننقل بعض ما خلقوا وما أنتجوا؛ ثم سرعان ما يأخذنا الغرور فنصيح لأنفسنا هاتفين: الآن قد استوى الماء والخشبة! لقد زال ما بيننا وبين الغرب من فروق! لكن الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض، بين الابتكار والتكرار؛ هم فى الغرب يخلقون، وقصارى جهدنا أن ننقل منهم بعض ما خلقوا؛ فلماذا لا نخلق ولا نبتكر؟ هذا هو السؤال الذى ألقيته فى ختام المقال السابق ورددت عليه فى إيجاز بما أراه جوابا صوابا، وهو أننا لا نخلق ولا نبتكر لأن لنا أخلاق العبيد، والخلق إنما يحتاج إلى سيادة وعزة وطموح، وقد وعدتك أن أفصل القول فى هذا الرأى بعض التفصيل.

والرأى عندى هو أننا عبيد فى فلسفتنا الأخلاقية، وعبيد فى فلسفتنا الاجتماعية، وعبيد فى بطانتنا الثقافية. فنحن عبيد فى فلسفتنا الأخلاقية لأن مقياس الفضيلة والرذيلة عندنا هو طاعة سلطة خارجة عن أنفسنا أو عصيانها؛ فأنت فاضل إن أطعت، فاسق إن عصيت، فلست أنت الذى يشرع لنفسه ما يأخذ وما يدع وما يعمل وما لا يعمل، ويستحيل أن تكون إنسانا حرا إلا إذا كان لك من نفسك مشرع يهديك سواء السبيل، بغض النظر عما تمليه السلطة

الخارجة عن نفسك، وبغض النظر عن كل ما يترتب على عملك من ثواب أو عقاب؛ إذا أنت أحسنت إلى الفقير لأنك مأمور أن تحسن إلى الفقير، فأنت فى إحسانك عبد يأتمر بأمر سيده، وقد يكون هذا السيد رأس القبيلة أو رئيس الحكومة أو قانون الدولة أو أباك أو كائنا من كان، لكن جوهر الأمر واحد فى جميع الحالات؛ أما إذا أحسنت إلى الفقير صادوا فى ذلك عما تمليه عليك نفسك من واجب يحتمه العقل الخالص ومنطقه، كنت فى ذلك سيدا حرا يستهدى نفسه سواء السبيل.

قد يعمل زيد من الناس عملا فاضلا حين ينفذ بعمله هذا أمرا صدر له من سلطة خارجة عن نفسه، وعدته ثوابا إن عمله، وتوعدته عقابا إن تركه؛ وقد يعمل عمرو نفس العمل الفاضل الذى عمله زيد، لا لأنه مأمور بفعله، بل لأن منطق عقله يهديه من تلقاء نفسه إلى فعله، أقول قد يتشابه زيد وعمر كل التشابه فيما يعملان فى موقف معين، لكنهما يختلفان فى الدافع إلى العمل، فيكون الدافع عند زيد هو تنفيذ الأمر الذى صدر إليه، بينما يكون الدافع عند عمرو هو الاهتداء يهدى نفسه، فيكون زيد فى عمله عبدا، ويكون عمرو فى عمله حرا، على الرغم من تشابه ما يعملان.

وأنا زعيم لك أننا نحمل فى صدورنا أنفس العبيد، لأن فلسفتنا الأخلاقية كلها قائمة على تنفيذ ما نؤمر به. ونحن كذلك عبيد فى فلسفتنا الاجتماعية، سواء فى ذلك الأسرة بصفة خاصة والجتمع كله بصفة عامة، فالأسرة عندنا قائمة - من الوجهة النظرية على الأقل - على الاستبداد من صاحب الأمر والطاعة العمياء ممن يعتمدون فى حياتهم عليه؛ فالزوج صاحب الكلمة النافذة على زوجته، وللوالدين كليهما سلطة التحكم فى الأبناء؛ وكثيرا ما قلت ذلك لأصدقائى فأجابونى بإشارات التهكم من وجوههم وأيديهم: تعال فانظر، تر الزوجة مستبدة

طاغية، وتر الأبناء ذوى إرادة نافذة ودلال؛ لكن تهكم الأصدقاء لا يقنع، لأننى لا أزال أنظر إلى الناس من حولى فألاحظ أن الأسرة المثالية التى يفخر بها سيدها ويتمدح بها الناس، هى التى يكون للزوج فيها على زوجته كلمة لا ترد، ويكون للوالدين فيها حق الأمر الذى يجب على الأبناء أن يصدقوا به؛ ولا أزال أنظر إلى الناس من حولى فألاحظ أنه بمقدار ما يكون للزوجة من مساواة بزوجها، وللأبناء حق مناقشة الوالدين فيما يرغبون وما لا يرغبون، تكون الأسرة بعيدة عن الكمال فى أعين الناس.

مثل هذه الأسرة شبيه بالدولة الاستبدادية على نطاق ضيق، فيها حاكم يأمره طاغية، وشعب يطيع ولا يناقش، فيها راع ورعيته بالمعنى الحرفى لهاتين الكلمتين، أعنى أن فيها راعيا وقطيعا من الخراف؛ لو كان سيد الأسرة ممن يحبون الصمت فى الدار وجب على العيال أن يصمتوا فى حضرته، وفى ذلك تضحية واضحة لمصلحة العيال فى سبيل مزاج العائل، ولو كانت الأسرة دولة حرة، لفكر الكبير فى سبيل مصلحة الصغير بمقدار ما يتوقع من الصغير أن يفكر له فى صالحه، الكبير من طبيعته الصمت والصغير من طبيعته الزياط؛ فبأى حق يكم أصحاب الجيل الحاضر أبناء الجيل المقبل؟ لكنها فلسفة اجتماعية ورثناها فى نظام الأسرة وتمسكنا بها، وهى تنطوى - كما قدمت - على بث أخلاق العبيد فى نفوس الناشئين.

ونحن عبيد فى فلسفنا الاجتماعية أيضا بالنسبة للمجتمع كله على وجه العموم؛ فالمجتمع عندنا قائم على أساس أن الناس درجات؛ وليس من اليسير على عقولنا أن تفهم ولا أن تسيغ أن الناس قد تختلف أعمالهم مع تساويهم فى القيمة الإنسانية؛ فمن يحتل درجة أعلى له الحق - من الوجهة النظرية على الأقل - أن يستبد بمن هو فى درجة أدنى؛ والعكس صحيح، أى أن من يحتل فى

المجتمع درجة أدنى عليه واجب أن يذل لمن هو أعلى منه؛ وإنه ليكفيك أن تلقى نظرة خاطفة على تتابع الدرجات بين موظفى الحكومة، وشدة اهتمام هؤلاء الموظفين بها اهتماما يكاد لا يبقى لهم من الوقت لحظة واحدة يأكلون فيها هنيئا ويشربون مريئا - ولا أقول لحظة واحدة يعملون فيها ما يؤجرون على عمله - يكفيك هذا لترى أساس المجتمع واضحا منعكسا فى نظام الحكومة، والنظر إلى الناس على أنهم درجات منطو على عبودية وطغيان، عبودية لمن يقع فوقك، وطغيان بمن هو دونك فى سلم البشر.

ونحن كذلك عبيد فى بطانتنا الثقافية، نكره المتشكك ونمقته، ونحب المؤمن المصدق ونقدره؛ يسودنا ميل شديد إلى الإيمان بصدق ما قاله الأولون، كأنما هؤلاء الأولون ملائكة مقربون، وكأننا أنجاس منا كيد، ولو حللت هذا الموقف تحليلا صحيحا، ألفيته موقف العبد نحو سيده، فأنت تقرأ الكتاب - والكتاب القديم بوجه خاص - فلا ينشط فيك عقل الناقد الذى ينظر إلى الكاتب نظرة الند للند يناقشه الحساب فيما يقول، بل تقف مما تقرؤه موقف المستمع الذى حرم الله عليه أن يتشكك فى صدق ما يقال؛ ومن هذا القبيل ميل الناس بصفة عامة إلى تصديق المطبوع، وميل التلاميذ إلى الإيمان بصدق بما يقوله المعلم؛ هذه وأمثالها عبودية فكرية، ويستحيل أن تكون إنسانا حرا بغير شئ من الفكر المستقل الناقد الحر.

فلئن زعمت لك أننا لا نكاد نخلق شيئا جديدا فى العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن، ثم زعمت لك أن علة ذلك العجز هو ما تحمله فى صدورنا من أنفس العبيد، لأن الخلق لا يكون بغير عزة وطموح، فإنما أردت شيئا كهذا الذي سقته إليك مثلا يوضح ما أريد.

اشترك في نشرتنا البريدية