الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

لماذا نصدر المجلة

Share

في الشرق كنوز لا يفنيها الإنفاق، من أدب أو علم عربي وفارسي وهندي وغيرها، جار عليها الزمان فدفن بعضها، فهي في حاجة إلي أيد عاملة، وعقول راجحة، ونفوس قوية، تضع الخطط المحكمة للعثور عليها، واستخراجها من مكامنها، حتى تكون ثروة للبائسين، ومتاعا للمقوين، وزينة للناظرين، وأصدأ بعضها حتى خيل للرائي أنها نحاس وهي ذهب. أو زجاج وهي درر، فهي تنتظر من يجلوها، ويزيل عنها ما غشيها، حتى ترد إليها قيمتها، وتظهر حقيقتها، وباعد في بعضها بين زمانه وزماننا، فلم تطب له نفوسنا، ولم تسغه أذواقنا، مع ما له من قيمة كبيرة وقدر عظيم، لا يحتاج إلا إلي تحوير قليل وتعديل بسيط ليوافق ذوق العصر وبدع العصر

وفي الغرب علم زاخر وأدب وافر، حالت بيننا وبينه حوائل، فهو مكتوب بلغة غير لغتنا، ويتأثر ببيئة اجتماعية غير بيئتنا، ويعرض لمشاكل قد تختلف في ظواهرها عن مظاهرنا، ومع هذا فنحن مرتبطون بهذا العلم الغربي والأدب الغربي. والمدنية الغربية، طوعا أو كرها، تدفعنا في تيارها دفعا، وتؤثر في حياتنا أثرا بليغا، شعرنا أم لم نشعر، وشئنا أم لم نشأ

ذلك لأن المدنية الحديثة بمخترعاتها وأفانينها كسرت الحواجز بين الشعوب، ووثقت الصلات بينها حتى في حالات العداء، وجعلت العالم كله جسما واحدا، يشعر كل جزء بما ينال بعضه من خير وشر وسعادة وشقاء، ويتأثر بما يناله اي جزء آخر من التقدم في علمه وأدبه وحضارته

أصبح الشرق مرتبطا بالغرب ارتباطا وثيقا في كل مرفق من مرافق الحياة: في الحركات السياسية، في الحركة العلمية والأدبية والفنية، في المادة وفي العقل، في كل شئ

ومن الخير للشرق أن يقف على هذه الحركات فيتصرف فيها عن خبرة، ويحكم فيها عن علم، ويسايرها أو يعارضها عن درس، فذلك أصح لحكمه، وأوفق لغرضه، وأليق بإنسانيته

هذه الكنوز الشرقية التي وصفنا، وهذه الثروة الغريبة التي ذكرنا، لا يقوم بحقها - بل لا يؤدي عشر معشارها - كل المجلات العربية على اختلاف أنواعها ومناهجها وإقليمها، وهي - إلي الآن - لا تزال محتاجة إلي مئات المجلات بجانبها تعالج هذه الثروات من نواحيها المختلفة، وبكفاياتها المتعددة

وقد أحسنا المقدرة على أن تشارك في هذا العمل الجليل، وتنزل في هذا الميدان الخطير، فتقدمنا نعمل مع العاملين، وتحمل عبثنا مع الحاملين، وتجاهد مع المجاهدين، لا نشعر نحو إخواننا " أصحاب المجلات " إلا شعور الفرق المختلفة في الجيش الواحد، هزيمة الفرقة هزيمة الجيش، ونصرة الفرقة نصرة الجيش، والكل يعمل، والكل يتعاون

لا نريد حربا إلا حرب الآراء، فهي حرب خير من سلم، وصراع خير من مهادنة، وقد علمتنا الأيام أن الرأي

لا تنجلي صحته إلا بعد أن يصهر في البوتقة، أما حرب شخص لشخص في شخصيته وجماعة لجماعة في ذاتها لا في آرائها، فسخافة تربا بأنفسنا عنها، وصغار في جانب الغرض الأسمي الذي ترمي إليه

ولا نريد مالا فالمجلة العربية - مهما راجت - لا تقبل ثروة ولا تكسب غني، فكيف إذا كانت لجماعة كبيرة تنفق عليها عن سخاء وتسمو إلي الجد، ولا تنزل إلي التجارة ؟

ولجنة التأليف محمد الله غنية بأعضائها، غنية بتخصصها، ففيها العالم من كل صنف، وفيها الأديب من كل نوع، وفيها الفنان في كل فن، حصلوا كثيرا من العلم والأدب، فرأوا من واجبهم أن يشركوا في علمهم وادبهم أكبر عدد ممكن في مختلف الأقطار، فكانت " مجلة الثقافة " كما أنها قوية بالتفاف قلوب الأدباء والعلماء حولها يمدونها بثمار عقولهم، ونتاج تفكيرهم، وخير ما تجري به أقلامهم

فهي تتقدم للعالم الشرقي مؤمنة بقدرتها - بنفسها وبأصدقائها - شاعرة بتبعتها، مقدرة لواجبها، واثقة بقرائها، فإلى الأمام والله يوفقها

اشترك في نشرتنا البريدية