-2-
- لماذا يرتكب المجرم جريمته ؟ - وما هي خير الوسائل لتحديد مسئولية المجرم عمله ؟ - ثم ما هي خير الوسائل لمعالجة الجريمة وإصلاح المجرم ؟ هذه هي الأسئلة التي يبحث " علم الإجرام " عن جوابها . ولقد كان لهذه الاسئلة بالذات عند كل عصر من العصور السالفة جواب . فقال الأولون إن المجرم يرتكب جريمته لان الشيطان في داخله .
ثم تطور تفسير الناس فقالوا إن المجرم إنما يرتكب جريمته لأنه لا يستطيع التمييز بين الحق والباطل والخير والشر - ثم قالوا إن الإنسان " حر الإرادة وإنه حين يرتكب جريمته يعلم ما يريد ، ويفعل فعلته وهو يدرك مسئوليته عما يفعل .
ثم ظهر من قال إن الناس كلهم يولدون وفيهم استعداد قطري لعمل الشر وارتكاب الجرائم - ولذلك انصب اهتمامهم على الجريمة في ذاتها ، فجعلوا العقوبة على قدر جسامة الجريمة بصرف النظر عن مرتكبها ؛ فكانت العقوبات توقع على الطفل والبالغ على السواء ، كما كان يسوي فيها بين المجنون والميز مع ما في هذا العمل من ظلم صارخ ، إذ كيف يسأل المجنون مثلا عن عمل لا يد له فيه ، ولا هو يعقل مغزاه ، ولا يدرك مداه ؟ !
فتلك كانت على كل حال خصائص المدرسة القديمة في
تفسير الجريمة وفي علاجها
ومن بعد ذلك ظهرت " المدرسة الإيطالية " الحديثة التى كان من ابرز افرادها لمبروزو " ، ذلك الطبيب العبقري الذي كان أول من لفت الأنظار إلي " شخصية " المجرم ووجوب دراستها للوصول إلى حقيقة اسباب الجريمة .
وكان أول ما جذب نظر هذا الباحث نحو هذا الميدان ، انه لاحظ على بعض الأشرار انهم يمتازون عن غيرهم ببعض السمات الانثروبولوجية التى لا يشاركهم فيها عامة الناس ،
فوقع في نفسه ان هذا الانحراف الخلقى هو الذي يدفع المجرم إلي ارتكاب جريمته . وقد حدث في سنة ١٨٧١ أن توفي بسجن تورينو شقي كبير اسمه فليلا Vilella كان من مشاهير رؤساء العصابات الذين دوخوا الحكومة وشغلوا الرأي العام سنين طويلة بمغامراتهم ومخاطراتهم
فتولي لمبروزو تشريح جثته بعد وفاته ، فلاحظ في تكوين دماغه فرقا كبيرا بينه وبين الرجل العادي . إذ شاهد فجوة بين العظام الخلفية للجمجمة لم تكن مما اعتاد أن يراه المشرحون في هذا الموضع ، اللهم إلا عند بعض الحيوانات الثديية الأخرى . فاستدرجه هذا الكشف إلى الاعتقاد بأن المجرم يختلف في طبيعة تكوينه وتناسب اعضائه عن الرجل العادي .
وتعصب الرجل لفكرته هذه ، فلم ير ان يمتحنها الامتحان العلمي الكافي الذي يكشف عما فيها من صواب أو خطأ . ولكنه جعل يتشبث بعقيدته على أنها نظرية علمية ثابتة ، وسماها " نظرية الارتداد الوراثي " ؛ لأنه بات يري ان المجرم خارقة انثروبولوجية من خوارق الطبيعة ،
وانه احط درجة من الإنسان العادي ، وتميزه من غيره سمات تشريحية ، فهو مقدر عليه بطبيعته ان يكون مجرما . ومضى لمبروزو متوسعا في إثبات نظريته ، فأعطي اوصافا
مسهبة مفصلة قال عنها إنها متي اجتمعت في شخص فثمت " مجرم " يجب أن يعرف المجتمع مكانه .
ويمكن تلخيص الصورة التي وضعها لمبروزو للمجرم بأنه شخص يمتاز بشذوذ في حجم جمجمته ، فهي إما كبر من الحجم المتوسط أو أصغر منه ؟ ذلك إلي أنها غير متماثلة الشقين ، مشوهة إلى حد كبير ، تعترضها نتوءات واغوار واخاديد غير عادية . وانه يمتاز ببروز عظام الخدين ،
كما يمتاز بأهداب ثقيلة فوق عينيه . أما الجبهة فهي ضيقة منخفضة متراجعة إلى الخلف ؟ واما الفكان فبارزان غير مستويين ؛ والانف غالبا ما يكون ناتئا منحرفا ذات اليمين أو ذات الشمال . ويغلب على صفحتي الوجه أن تكونا غير متماثلتين ، وعلى الاسنان ان تكون غير منتظمة ولا متسقة ؛
حتى الأضلاع قد يزيد عددها او ينقص هما هو عليه عند سائر الناس ؛ أما الآذرع فهي في العادة طويلة كأذرع الغوريلا ، وفي سيقان المجرمين وأصابع أقدامهم ما يجعلها أشبه بنظائرها عند القرود . وليس من النادر أن يزيد عدد اصابع يد المجرم او يقل عن المعتاد . هذا فضلا عن انشقاق الشفة ، وارتفاع سقف الحلق ، واستعمال اليد اليسري ، وغلبة روح الانوثة عند الرجال وغلبة روح الرجولة عند الإناث . وفوق هذه العلامات اعطى لمبروزو علامات اخري ، فقال إن المجرمين أقل إحساسا بالألم من غيرهم ،
وإن بمعظم حواسهم شئ من الكلال ، فالسمع والذوق والشم عندهم أقل حدة من المتوسط ، إلا أن حاسة النظر عندهم أقوي وأحد مما هي عند غيرهم .
ولم ينس لمبروزو أن يتم صورته التي رسمها للمجرم ، فعطف على الناحية النفسية وقال إن المجرم في الغالب سريع الغضب شديد الغرور ، نزاع إلى الانتقام ، به ميل إلي المغامرة وانجذاب نحو الفسق والفجور ، بليد الضمير
لا يعرف كيف يكون وخزه ، ولا يندم على ما فرط منه إلا في القليل النادر .
تلك هي الصورة التى وضعها لمبروزو لطائفة من المجرمين سماهم : " المجرمين المطبوعين " ، تمييزا لهم عن " المجرمين المجانين " الذين تكون امراضهم العصبية سببا في إجرامهم ، وعن " المجرمين بالعاطفة " الذين يمتازون رهافة حسهم وسرعة انفعالهم وانسياقهم تحت الظروف الملائمة إلي ارتكاب الجريمة ، وعن طوائف اخري من المجرمين لا حاجة إلي التوسع في الحديث عنها
ووجه الخطأ في نظرية " الارتداد الوراثي التي وضعها لمبروزو ونادي فيها بأن من الناس من يولد مجرما بحكم تكوينه الجسماني ، انه أراد ان يرد الجريمة عند من سماه " المجرم المطبوع " إلى اصل واحد هو الخاصة الجسمية في شخص المجرم ؛ مع ان الجريمة ثمرة تفاعلات ومؤثرات شتى تتضافر فيها الوراثة والبيئة والظروف الاجتماعية .
وقد يكون من الصواب أن المجرم يولد مزودا باستعدادات ناقصة ، كأن يقذف به في هذه الدنيا وهو مصاب بضعف في عقله ، او عدم اتزان في مزاجه ، او إسراف في غرائزه ، ولكن هذا لا يخلق منه مجرما حتما ؛ فإن هذه الاستعدادات الناقصة إذا صادفت في البيئة التي يعيش فيها صاحبها ظروفا مواتية نجا من عواقبها وتقوي وتقوم ولم يتردي في حمأة الإجرام . أما إذا صادف صاحب هذه الاستعدادات بيئة ذميمة استجابت نفسه لدوافعها ، ولم تكن عنده الحصانة ضد مغرياتها ، ولم تكن مناعته الوراثية بحيث تساعده على الإفلات من مؤثراتها ، فإنه يلبي نداء الجريمة وينجذب إليها كما ينجذب العود الذي يقع على حافة دوامة الماء .
والجريمة في حقيقتها ليست إلا نوعا من الزيغ في السلوك . وهي تعبير من جانب المجرم عن خلق ملتو خاطئ وأخلاق الإنسان وسلوكه هما في أصلهما تركة يتلقاها بالميراث عن أصوله الذين انحدر منهم . ثم هما يتأثران بعد ذلك بكل ما يمر بالإنسان من مؤثرات منذ ساعة مولده حتى ساعة وفاته . فمن شاء ان يصل إلى معرفة الأسباب التي تؤدي إلى السلوك الإجرامي فإنه يخطئ إذا تلمس ذلك في التكوين الجسماني لشخص المجرم ، لان الطريق الحقيقي للوصول هو أن يدرس نشأة المجرم اولا ، ثم يعقب على ذلك بالبحث الدقيق في كل ما صادفه من اختبارات أثناء نموه .
وإن الأطباء المصريين الممتازين ليتبعون نفس الطريقة في تشخيص شكاوي مرضاهم . فقد كان الطبيب فيما مضي يقع على مريضه فيستمع لدقات قلبه ثم يطبل على بطنه وينقر على صدره ثم يصف له الدواء . اما اليوم فإن الطبيب المستنير يدرك ان المرض لا يظهر عادة في الجسم كما يظهر " النبات الشيطاني " في الفلاة ؛ ولذلك يكون أول عمله ان يسأل المريض عن نوع المرض الغالب في اسرته او الذي كان يشكو منه آباؤه وأجداده عادة ؟ ثم يبدأ به منذ مولده فيسأله عن تاريخ حياته المرضي وماذا ألم به من الأوصاب في طفولته ثم في صباه ، ويتعقب ذلك خطوة خطوة حتى يصل إلى الحالة الراهنة التي جاءت بالمريض إلى عيادته . وذلك لأن الحقيقة التي أجمع على صحتها اليوم كل العلماء أن الإنسان ينفعل جسمه كما تنفعل نفسه بكل ما يصادفه من مؤثرات منذ الدقائق العشرة الأولى من مولده .
والخلاصة ان " المدرسة الإيطالية " التي تزعمها لمبروزو في " علم الإجرام " في اواخر القرن التاسع هي صاحبة الفضل الأول في إقامة هذا العلم على اساس علمي صحيح ، حين وجهت الانظار إلى " شخصية المجرم " بعد ان كانت لا تتجه
إلا إلي " الجريمة " . فإن كانت نظريات علمائها جاءت مشوبة بشيء من الشطط في التصوير او الإغراب في التقدير فإنها ما زالت صاحبة الفضل في احداث هذا الانقلاب الذي انتفع بثمراته علماء الاجتماع ، وعلماء النفس المعاصرين ، والذي قام على أساسه " علم النفس الاجتماعي " social psychology لتحل نظرياته محل نظريات علم الطبائع الجنائية Criminal Anthropology الذي وضعه لمبروزو " وعلم الإجرام الجنائي criminal sociologyالذي وضعه زميله Ennyco ferri
أما المدرسة الجنائية الحديثة التي تقوم على أحدث الكشوف النفسية ، والتي تتجه نحو دراسة طبية عقلية ، والتي تعتنق مذهب العلاج الطبي للمجرم بدلا من معاقبته ، فقد تكون لنا عنها كلمة قريبة إن شاء الله .
