. . ليس من العجيب أن نرى أن الحكومة التركية منذ أعوام قد وجهت وجهها شطر الزراعة بعد ما علمت أنها كيان البلاد وأن لا بلاد بدونها ؛ فقد وزعت مليون هكتار من الأراضى بين المزارعين بين عامى ١٩٣١-١٩٣٧ . لكل فلاح قطعة من الأرض له ولأولاده لا يشاركه فيها مشارك ؛ فانبرى يتم عمله فيها بجد وحيوية دون حاجة إلى أى مزارع آخر . .
ولو أننا نظرنا إلى تركيا من حيث إنها بلد صناعى مجيد لا نلبث أن نراها بلدا زراعيا قبل كل شئ . له من الميزات ما يكفل له أن يكون فى مقدمة البلاد الزراعية . فثمة أراض خصبة وتربة متعطشة إلى النماء والاستثمار ، تحوطها البساتين والمروج السندسية والمراعى والزروع كجنة زاهرة لا جدب فيها إلا ما يعادل أربعة عشر فى المائة من مجموع ، أرضها . .
وليس من شك فى أن الإصلاح الذى قام بتركيا فى الفترة العشرينية الماضية جهود جبارة خلدها التاريخ لجمهورية الاتراك . ولا ننسى أن زعيمها الأول مصطفى كمال ، كان رجلا فلاحا للأرض بفكره ويده . فلقد رأى أن تحسين الزراعة فى البلاد وتوطيد دعائمها هو السماد الصالح الذى يقوم لإصلاح
الاقتصاد والمجتمع ، إذ ذاك وضع استهدافا لتنظيم الزراعة فى العصر الحديث ؛ ولم يكن مصطفى كمال فقط هو الذى اعتنى بالشئون الزراعية ، بل إن الحكومات التى تلته قد وجهت عنايتها للأخذ بيد ركن مكين هام فى العالم الاقتصادى ، فشيدت المخازن لخزن الحاصلات ونقحت ما أمكنها من البذور والسماد ومشاريع الرى ومنح الأموال فى سبيل الإصلاح الزراعى .
أما الآلات الزراعية كالمحاريث الخشبية والمناجل البالية فقد ذهبت إلى بارئها تاركة تركيا الحديثة لتنعم بآلات عصرية تساعد الفلاحين وتشد أزرهم ولا تستحوذ منهم على الوقت الطويل أو المجهود الشاق .
ولقد أنشأت جامعة الزراعة بأنقرة ما لا يقل عن عشرين مبنى لتعليم الزراعة وللتدريب العملى والنظرى ، وتعد هذه المبانى من أحدث المبانى فى العالم ، ولا غرو أن تكون كذلك وهى التى قامت فى سبيل رقى العلم وتنظيم الزراعة والعمل فى إصلاحها وتمشيها مع الحضارة المستحدثة والمبتكرات الاقتصادية ،
ولم يتسرب اليأس إلى وزارة الدفاع هنالك فى أن تديم التجارب وتطبق الخطط والاستهدافات على " هضبة
الأناضول هذه الهضبة التى كنا نظن أنها كامرأة عاقر فلا تخرج نباتا ولا بتاتا . ولقد لاقت التجارب التى أجريت فى الأعوام السالفة نجاحا مطردا فى أن تزرع المحصولات المختلفة فى أراضى تركيا ، ولقد زرع الشاى فى ولاية ريز حوالى عام ١٩٢١ وسواه من المحصولات الحديدة .
ولقد يعيش الفلاح عيشة الجد والاجتهاد إذا رأى حكومة تسعى لمصلحته ومصلحة مهنته وتشريفها ، فلا غرو أن نرى فلاحى تركيا ينشطون نشاطا عجيبا ويجدون كثيرا ، حتى إن محصول بلادهم بلغ ما يساوى محصول قارة استراليا بأكملها فى عام ١٩٣٨ .
والحبوب بأنواعها المتباينة من أهم محاصيل الزراعة فى تركيا ، ونخص بالذكر من هذه الحبوب فى هذا البلد القمح والطباق وكثيرا من أنواع الفاكهة والخضراوات والقطن وقد قامت صناعة رائجة هامة على أساس البذور النباتية التى تستغل فى صناعة الزيت وغيره من المشروعات ،
وثمة معامل كثيرة فى تركيا تقوم بالناحية الصناعية فى البلاد ، فتكفى أكثر الحاجات التركية ، ولقد ارتقت هذه المعامل وارتقت تبعا لها الصناعة التركية العامة ، وإنما يستطيع المرء أن يعزو ذلك إلى الحكومة التركية التى عملت جهدها فى محاربة البضائع الأجنبية ، وذلك بطرق ووسائل شتى ؛ منها زيادة الضرائب والرسوم الجمركية ، وكذلك الحدث الهام الذى به ألغيت امتيازات الشركات الأجنبية التى كانت تحتكر البلاد وتستولى على أموال الاقتصاديات التركية . .
أما الناحية المعدنية ، فتركيا من البلاد الغنية فى هذه الناحية ؛ وذلك لكثرة المناجم والمعادن فيها ، كما أن الناحية الطبيعية لها دخل كبير فى اقتصادياتها ، إذ توجد بها غابات وأجام تستغل فى الحياة العملية هناك . كما ان هنالك حمامات كبريتية وفوارات معدنية فى المصيف التركى المشهور الذى يدعى ) بورسه ( وهو الذى يبعد حوالى تسعين كيلومترا عن اسطنبول ، هذا فضلا عن البساتين الرائعة فى هذا المصيف الجميل . .
ولكن بالرغم من كل هذا فلدى تركيا كثير من المشاكل الاقتصادية التى تحاول حكوماتها أن تجد لها الحلول الكافية ؛ فهنالك مشكلة الغلاء وأحكام الرقابة على الأسعار المختلفة ، وهذه المسائل هامة جدا بالنسبة للشعب والحكومة ونذكر من أمثلة الغلاء فيها أن أسرا تركية كثيرة لا تأكل اللحم إلا فى المواسم والأعياد . كذلك هناك مشكلة احتكار الحكومة لصناعة السكر ، كما أن الأرياف التركية حالتها الاقتصادية متضعضعة ، مما أدى إلى فقرها وبالتالى إلى سوء الحالة الصحية فيها وانتشار الأمراض بين ظهرانيها ؛ ويقدر من يقضى عليهم مرض السل فى العام الواحد بنحو اربعين ألف شخص جلهم من الريف التركى . .
والملحوظ أن الحكومات التركية توجه اهتمامها الأول إلى الشئون السياسية والدفاعية والحرية والاستراتيجية بيد أن المفروض أن تحتل الاقتصاديات الوطنية اهتماما خاصا ، لكى تتعاون النهضة الاقتصادية مع النهضات الأخرى ، لتصل بالبلد إلى غايتها وشأوها من الرقى ، بل إن النهضة الاقتصادية سبيل أولى للوصول إلى الغايات السياسية والحربية وما إليها . .
وتتجه نية تركيا إلى طلب العون من أمريكا ، ولكن يجب أن يقتصر هذا الطلب على أن تقتبس تركيا من أمريكا النظم والتنظيمات الزراعية ، وأن تعمل جهدها فى الأخذ بكل ما يلائم التربة التركية من المقتبسات الأمريكية ، كما تقوم تركيا باستقدام الخبراء والإخصائيين الأمريكان . ولا ننسى الآلات الزراعية الأمريكية فلها كل الفضل إذا استقدمتها تركيا ، ولن نشمل هذه المعونة الأميركية الأخذ من منتجاتها أو قبول نتاجها الزراعى ؛ لأن ذلك شئ موقوت مغرض ، لا يتحقق منه رقى البلاد إلا لغاية ، ثم تتخلف البلد المعانة عن ركب التطور الاقتصادى دون أن تعى لذلك شيئا . .
هذه لمحات خاطفة عن بعض الأحوال الاقتصادية فى هذا البلد الشرقى الكبير الذى نرجو له الرقى فى كل أحواله العامة ليتابع ركب الحضارة والتطور الحديث .

