الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 577الرجوع إلى "الثقافة"

لمحات من اقتصاديات الشرق العربي :, الكويت والحياة الاقتصادية

Share

. لو نظرنا إلى القطر الكويتي العربي لألفيناه قطرا تجاريا قبل كل شئ . وذلك بحكم موقعه في رأس الخليج الفارسي . . فالكويت محور حركة الاتصال الدائبة بين البلدان الواقعة على ذلك الخليج ، كما أنها تقع بين إيران والشرق الأقصى ، وبين نجد والعراق ، مما يبرر أنها قطر تجاري اكتسب التجارة وفنها بالفطرة والسليفة طبقا لعوامل البيئة التي يحيا بين مؤثراتها .

والشخصية التجارية للكويتي شخصية بارزة بين تجار العالم ؛ ويعزى ذلك لدأبه وحيويته وجرأته على ظهر الفلك وسط العباب . . بين البحار والمحيطات وبفضل تلك الروح المعنوية صار للكويت أسطول تجاري شراعي كان الأساس الأول الذي بنت عليه الكويت علاقاتها بالشرق الأوسط والشرق الأقصى . .

والسفينة الكويتية مثال في الدقة ، ويطلق عليها الانجليز اسم Dbow ويسمها أصحابها " بوم ولقد رتبنا عدد السفن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى تقدر اليوم بنحو ثلاثة آلاف سفينة شراعية تربو حمولتها على مائة وعشرين ألف طن . . ولقد استطاعت تلك السفن أن تصل إلى جميع تغور الهند الغربية كما وصلت إلى شرق أفريقيا ، وأندونيسيا وغيرها . .

واستطيع أن أقول إن الكويت بيداء فاحلة إجمالا من الناحية الزراعية ، وكل ذلك مرجعه إلي عدم توفر المياه اللازمة للزراعة . اللهم إلا تلك الآبار التي تحف بالجهرة وفيلكة والفنطاس حيث نزرع بعض الخضراوات وبعض

الحبوب . . ويوجد هنالك التمر بنسبة نصفية لحاجة السكان ، وهو الفاكهة الوحيدة التي توجد في الكويت ؛ كما اننا نرى ثمار ) الكنار ( التي تنتجها أشجار ) السدر ( وأشجارا أخرى يؤخذ منها خشبها فقط لعدم إثمارها كالأكل وغيره . وفي فصل الربيع تكثر الأزهار البديعة ، فتبصر الكويت بانعة ، يتعطر الجو بشذى ورودها . . وهى كثيرة منها : ) المسيلو ( و ) الأقحوان ( و ) النوير ( . و ) الحزامى ( و ) الحميض ( و ) القيصوم ( وهى من النباتات الذكية التي تنبتها الكويت . .

والسمن والصوف والأسماك والجلد والبندورة واللؤلؤ هى صادرات الكويت . . أما وارداتها فهى الأواني المعدنية والحرفية والأدوات الكهربية والأسلحة والأدوية والسيارات والسجاير والبهارات والمنسوجات وغير ذلك .

وقد كان الاشتغال بالغوص على اللؤلؤ هو العمل الرئيسي للكويت ، وكانت تأتيها منه أرباح جمة ، بيد أن البابان وجزرها قد طوحت بلؤلؤ الكويت ، فركدت فيها تجارته إلى حد كبير . .

. ولقد بدت الثروة المعدنية في الكويت في عناصر ثلاثة ، هي النفط والكبريت والحص ، ولعل النفط هو أطيب هذه الثروات ، مما صار وسيصير له شأن عظيم في الكويت وفي الشرق العربي ؛ ولقد كشف إيان الحرب العالمية الثانية ، بيد أنه لم يستغل إلا بعد انتهائها تبعا لظروفها ، وقامت شركة النفط البريطانية الإيرانية في ) عبادان ( بعد

أن اتفقت مع شركة البترول البريطانية الأمريكية للأشراف على نفط الكويت . وقد قامت الأبحاث الجيولوجية ورأى ) المستر جلير ( - وهو عضو البعثة الفنية الأمريكية - أن نفط الكويت يقدر بوجوده في نحو خمسمائة مليون برميلا . وملك شركة مباحث الكويت الأمريكية ) شركة دارس بانجلترا ( نصف امتيازات حقوق بترول الكويت ، بعد أن حصلت على النصف الآخر شركة الزيت الكويتية التي مركزها مدينة ) الأحمدي ( وفي مؤتف صيف عام ١٩٤٦ سهلت عمليات التخزين في الأحمدي إلي حد كبير ، كما أنشئت الأنابيب من ) البرجان ( ونقطة التجميل والشحن في مدينة الفحيحيل وهى تشارف الخليج الفارسي وتتصل بها خزانات النفط من الأحمدي . وبلغ الإنتاج البترولى الآن في الكويت نحو مائة ألف برميل يوميا ، وذلك الإنتاج قابل للزيادة في المستقبل ، وأرى أن تتخذ الإجراءات لإنشاء شركة لتكرير النفط في الكويت .

أما الكبريت فقد استثمرته شركة أمريكية منذ عام ١٩٤٤ . ونظرا لاشتغال الكويت بالتجارة ، فقد قامت فيها الصناعة على أساس التجارة ، فقامت صناعة بناء السفن ، وقد تحدث الكويت من أمهر الأقطار العالمية في بناء السفن الشراعية . . وتشبيها برستول بريطانيا أطلق الإنكليز لقب ) برستول الخليج ( على الكويت لحذفها في تلك الصناعة . وقد بدت عدة أنواع عجيبة من تلك السفن ، فهذه ) السنبوك ( و ) البيئل ( و ) اللم ( و ) الجالبوت ( و ) الكيت ( و ) الشوعي ( و ) القطاع ( و ) الكلس ( وغيرها . . ويحبذا لو قامت شركة مساهمة وطنية في الكويت تنظم حركة التجارة وتستبدل السفن الشراعية بسواها من البخارية ، وقد تدىء في هذا الاستبدال . وإلى جانب بناء السفن توجد صناعات صغيرة منها صناعة : ) التجارة ( و ) الصفارة ( وهي صناعة القدور النحاسية ، وصناعة لوازم السفن وغيرها .

وقامت في الكويت شركات مساهمة كثيرة . . ففي

مؤتف عام ١٣٤٥ ه قامت شركة السيارات الكويتية العراقية بين البصرة والكويت ، وكان رأس مالها مائة ألف روبية ، وما عنمت محتكرة إلي الآن . وقديما اقيم معملل لتوليد الكهرباء وقامت عليه شركة وطنية كان إدخال النور على يدها ، وكان رأس مالها أربعة آلاف روبية . وقامت ) شركة المواصلات الكويتية ( في غضون عام ١٩٤٦ واستطاعت أن تفتتح خطا بين الكويت والرياض وقامت من قديم الزمن شركة التنزيل ومهمتها أن تنزل البضائع من البواخر في الخليج الفارسي وهى رأسية قاصية عن شاطئ الكويت ، ولها كثير من السفن الشراعية . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية قامت ) شركة مصائد الأسماك ( وهى تساعد سفن الصيد وتهتم بتصريف الأسماك وأنشئت معها شركة تموين الأقمشة وكانت مهمتها أن تكبت روح الغلاء بعد ازدياد أثمان الأقمشة وقت الحرب ، وقد وفقت في سبيلها واستطاعت إدارة ) الكوتا ( للكويت .

ولعل شركة الماء من اكبر الشركات في الكويت ، فرأس مالها من أكبر رءوس الأموال ، وقد أنشأت هذه الشركة أسطولا شراعيا يتكون من أربعين سفينة تقريبا استطاعت أن تمد إمارة الكويت بمياه الشرب . . ومياه الشرب من المشاكل الاقتصادية في الكويت ، إذ أنها تأتي اليها عن طريق شركة الماء وعن طريق بعض السفن الأهلية التى تنقل المياه من شط العرب إليها ، ومرت تبعا لذلك أزمات شديدة أدت إلى إنشاء تلك الشركة . . وقد كان لرجال الفكر في الكويت آراء متضاربة لحل مشكلة الماء في الكويت ، فبعضهم يرى أن أحسن طريقة لتوفير مياه الشرب هى مصدر الآبار الارتوازية ، وبعضهم يراها في ضمان تبخير ماء البحر من الخليج ، وآخرون يرون جلب الماء في أنابيب ممتدة من شط العرب ، وفي هذا الرأي نصيب كبير من الوجاهة .

وهناك في الكويت كميات هائلة من السيول تنساب في الوديان إلى البحر لا ينتفع منها ينفع ، وما هى إلا إقامة بعض السدود حتى ترتوي الأرض وتنتج أطيب الثمرات ،

وغذاء الكويت الرئيسى هو الارز كما في أندونيسيا ، ويلى ذلك السمك واللحوم المتباينة . وهنالك بعض المشروعات الاقتصادية النافعة ؛ ففي الحليج الفارسي في مياه الكويت تكثر الأسماك ويوجد ثمة أنواع فاخرة كالزيبدي وغيره ، وباحبذا لو قامت شركة وشركات لصيده وحفظه في العلب وتصديره إلى أرجاء المعمورة ؛ ثم اللؤلؤ الذي يقمن ألا ييأس الكويتيون منه ، وعليهم أن ينشئ معامل تنظفه وتثقبه وتحوره وتصوغه في أشكال هندسية فنية للتصدير ، وثمة مشروعات صناعة كثيرة تقذف بالصناعة الكويتية مئات الأعوام ؛ فهم يستطيعون صناعة ) الطابوق ( وعليه ترقى العمارة ، ويستطيعون عصر ) البندورة ( ثم تصديرها ، وهم يستطيعون استخراج العطور من زهور الربيع ، يبد أن كل ذلك يحتاج إلى عزم وعزيمة ، وهما موجودان في الروح الكويتية ، وما بقى على تلبية النداء إلا قليلا . .

وليس في الكويت مشكلة مكوسية ) جمرركية ( ، وذلك ما أخلى للتجارة دروب الرقي ؛ فالجمارك قليلة ومتساوية على جميع أنواع البضائع الواردة كماليات كانت أم ضروريات . وبلغ مجموعها ٦ % ، وقد كانت قبل ذلك ٥ ر ٦ % . . وتقسم تلك الجمارك بين إدارة المعارف والصحة والبلدية والمالية بنسبة ١ % لكل من الصحة والمعارف ، و ٥ ر ٤ % المالية ، وفي ١ %  للبلدية .

ولعلنا ندرك أثر النقد والعملة في الحياة الاقتصادية لكل قطر ، ولو نظرنا إلى الكويت نري أن العملة المتداولة هنالك هي العملة الهندية ، وهى تدور حول ) الروبية ( وهى تساوي بالعملة المصرية سبعة قروش ونصف ، وتساوي من الآنات ست عشرة ، والآنة الواحدة

بها أربع بيزات ، ويوجد ورق قيمته عشرة روبيات ، وآخر قيمته مائة روبية ، على أن شأن العملة لم يستقر بعد ولا تدري هل ستظل عملة هندية أم ستستبدل بعملة أخرى ؟ .

وهاهى الحكومة الكويتية تسير قدما في درب الرقي والداب ، وقد بلغت ميزانيتها ما يساوي مائة وخمسين ألفا من الجنيهات المصرية في عام ١٩٤٧ ، وذلك بفضل المجهودات الجبارة التي بذلتها . .

هذه لمحة هامة من لمحات الحياة الاقتصادية في الشرق العربي ، وسيدرك العالم أهمية الكويت العربية وأهميتها الاقتصادية والاجتماعية . . وإن اقترن التفكير فيها في الذهن بعمرها الضئيل الذي لا يتجاوز الثلاثة القرون نستطيع أن نفكر فيما عساها تكون عليه من شأن وشأو ، وفيما تتطلع إليه من مستقبل منشود تنشده وهو ينشدها ، وأفراد أمتها كفيلة بإبداء هذا المستقبل وإبراز هذا النشد الميمون ،

اشترك في نشرتنا البريدية