من الحديث المستفيض تبادل الثقافة بين الأمم العربية إلي جنب تزعم مصر هذه الأمم من الناحية الفكرية . فما عذرنا إذا في إهمال أدبها ، بل إن في إعراضنا عن آثار ادبائها المحدثين مما لا يجعل بنا ، ولا سيما أن كتبنا وأصحابها يظفرون هنالك بالإقبال والدراسة . ولو كان ادب تلك الأمم ساقطا أو تفها لانبسطت لنا سبل التنصل ، ولكن عندهم ما ليس دون ما عندنا ، بل إن عندهم ما يموزنا كما أن عندنا ما يفوتهم . واليوم أحب أن أطلع القارئ علي بعض وجوه الأدب اللبناني وطائفة من عيونه ، ذلك إنى استطعت أن أتبين الأمر في الخريف الماضي بعد قضاء اسابيع في بيروت وما يعلوها ، وبعد أن نظرت فيما اخرجته المطابع ولا سيما دار " المكشوف " في هذه السنوات ، على أن كلمتي لا تدعي الاستقصاء ولا الاحصاء وانما هي تنبيه يجري إلي تعريف
أول من يستوقفك من وجوه الأدباء ميخائيل نعيمة . رجل في الخمسين ، عالي الثقافة ، نزح إلي شمالي امريكة لثلاثين سنة خلت . فكان هنالك دعامة من دعائم المدرسة العربية في المهجر بجنب أمين الريحاني ، وجبران خليل جبران ، وإيليا أبي ماضي ، وتلك المدرسة التي وجهت ادبنا الحديث إلي التصرف في مقاطع العبارة ومطالع الفكر . وقد بقي اثنان من هذه المدرسة : نعيمة في لبنان وأبو ماضي في نيويورك . ونعيمة هو الكاتب المفكر ، البعيد مرمي النظر ، الغزير فيض الخاطر له " المراحل " و " زاد المعاد " ) ١ ( ، وفيهما يبدو روحانيا غاليا ، بل صوفيا يرجع عن الحواس الظاهرة الواهمة إلي الحس
الباطن الصادق ، وعن العقل إلي الخيال وهو بعد هذا يذهب إلي الحلولية ووحدة الوجود ، ويدعو إلي المحبة ، ويري فيها الرسول الأفضل إلي الجمال والحرية والحق ، إلي قلب الله . ومن آرائه الجذابة أنه لا غربية على هذه الأرض سوي غربة الإنسان عن ربه ثم عن نفسه ، وأن الكون كامل للكاملين ، وأن الفرق الذي بين الشرق والغرب محصور في استسلام الشرق إلي قوة لا يقدر علي مقاليتها ، في حين يمتد الغرب بقوته ويتناجز بها كل قوة . ويلي نعيمة في أدب التفكير قسطنطين زريق . إلا أن تفكيره خلاصة تبصر في التاريخ لا عصارة تصوف فتأمل في الوعي القومي " ) ١ ( يستند قسطنطين زريق إلي ماضي الأمة العربية : كيف نشأت ونشطت ، وكيف نضجت لغتها ونهضت تقاليدها ، فيستوضح خاصيتها ، من باب النظر دون الاستقراء ، ثم يشير إلي مشكلاتها الحاضرة ، وإلي مبلغ صلتها بالغرب ليرمم لها طريق المستقبل ، عسى أن تؤدي إلي حضارة الكون الرسالة المعقودة بهمتها . ذلك هو " الوعي القومي " ؛ وان يستوي إلا إذا انعقدت أمور : منها علو شأن المرأة ، والسعي القومي ، والسهر على التراث الثقافي من بعد إحيائه ، والإنصراف إلي الجهاد الأكبر ، جهاد النفس .
وفي أدباء لبنان من يحذق فن القصص : فيهم نعيمة صاحب " كان ما كان " ) ٢ ( . في هذه المجموعة ينحدر صوفي " المراحل " و زاد المعاد ( من ابراج الحدس والكشف إلي ميادين الوصف المباشر والفكر المحسوس ، فتراء يتعقب الوان الحياة في مسالك جبل لبنان على نهج مائل إلي الواقعية تلطفها الاشارات واللفتات ، وأغراضه العليا مندسة بين السطور تارة واخرى مائلة . ومن هذه الأغراض : الحض على الرجوع إلى الطبيعة ، وعلى نبذ
زخرف الحياة الشرقية ، وعلى التطلع إلي حقائق المدنية الغربية - ولخليل تقي الدين " عشر قصص " و " الأعدام " ) ١ ( . وفي هذه المجموعة الأخيرة عرف تقي الدين كيف يتلمس طريق النفس الغامضة ، الملتوية ، المكبوتة كما تقول اليوم ، فعرض بعض الدفائن في أسلوب جلي وتعبير عربي رصين ودراية بموالج القصة ومخارجها . ولتوفيق عواد قصة طويلة عنوانها " الرغيف " وله قبل ذلك مجموعتان : " الصبي الأعرج " و " قميص الصوف " ) ٢ ( . وفيهما يستطيع عواد أن يجعلك تتقري نبض الحياة الهائجة ؛ فله مزاح القصاص ، ثم به انعطاف إلي البشرية المتألمة ، ولولا تهاون بالأداء لذهب في التأثير فوق ما يذهب . وهنالك قصاص اسمه سليم خياطة ، له " الأزليان ) قصة حلم ( ) ٣ ( . وهو كتاب كالشاذ ، يلحق بفن الفكاهة ، وهي فكاهة هذا العصر وإن بدا فيها اثر " الساق على الساق " للشدياق ، وذلك بسبب الألفاظ الحوشية والغريبة بل المرتجلة أحيانا ينثرها المؤلف في عباراته . وإذا انثنينا إلي الأدب الأفرنجي ، رددنا بعض ما في هذا الكتاب من الصور والتراكيب والغرائب المنطقية إلي أسلوب " ما وراء الواقع أو " المكمبية "
وأما الشعر فلميخائيل نعيمة بعض قصائد مشهورة في مصر ، منها " النهر المتجمد " تتجاذبها الوجدانية والرمزية المباشرة ، مدادها النفس الصافي وقوامها الايقاع المستتر ؛ فهي تذكرك بطريقة شعراء المهجر الأمريكي ما عدا إيليا ابى ماضي الذي انفرد بنسجه في " الجداول " ، وقد حاول بعض الشعراء هنا وهناك أن يقلدوه فسطوا عليه . وفي لبنان بعد هذا شعراء كثيرون ، كما هي الحال عندنا . ولكن المبتكرين الصادقين حسا قليل
ففيهم من لا يزال يعارض الأقدمين ، وفيهم من يجري مجري شوقي أو مطران أو جبران أو أبي ماضي ، وفيهم من يقنع باللفظ المجلجل شأن فريق من النظامين عندنا . غير أني أحب أن أنبه إلي سعي الشاعر سعيد عقل ؛ فانه يحاول مقتنعا أن يجعل الشعر تعبيرا لحالة نفسانية منقلتة من الوعي ، تكون مادتها الموسيقى لا العاطفة ، وغايتها الاتحاد بحقائق الكون الأزلية ، حتى تنتقل من دخيلة الشاعر إلي حس القارئ من طريق الإيحاء ، إذ يجاوب اللفظ المعبر جوهر الحالة النفسانية بل يعدلها . ذلك رأي الشاعر بسطه في مقدمة قصته الشعرية " المجدلية " ) ١ ( بلفظ قلق وتركيب ملتو . وأما القصيد نفسه فلا شك أنه يضم بدوات وتعبيرات فيها انطلاق وافتتان ، وربما أرادت أن تكون طريفة . وممن يسعي وراء التجديد في التصوير صلاح لبيكي ) ٢ ( . ولصلاح الأسير مقطعات غير مجموعة يلون فيها اللفظ تلوينا . وممن تغلب على طريقته النزعة الابتداعية ) الرومانتسم ( مع انجذاب إلي ألفاظ الشرة على نحو ) بودلير ( الفرنسي إلياس أبو شبكة ) ٣ (
وفي باب النقد تعود مرة اخري إلي ميخائيل نعيمة فكتابه )" الغربال" الذي خرج في مصر سنة ١٩٢٣ ، مع مقدمة جيدة بقلم عباس العقاد ، غضبة الحديث على القديم ، بل ثورة الجديد المتمكن المتبصر المتطلع على البالي المتصنع المترهل المتفكك . وفصوله كلها جرأة لا ادعاء فيها ، وحماسة لا تكلف بها ، وهي تجري في جملتها إلى غايات الأدب الصرف ، المنزل منزلة الرسول ، المصغي إلي الطبيعة ، الباحث عن الحق ، التارك لبهرج المنطق ،
المتسامي عن ابتغاء مرضاة الجمهور ، هذا هو " الغربال وهو على شاكلة الديوان " الذي أخرجه في ذلك العهد أيضا العقاد والمازني ، فجاء حربا علي صنعة التقليد وحرفة التزويق . ولنعيمة كتاب كشاف عنوانه " جيران خليل جيران " ) بيروت ١٩٣٤ ( ، وهو يتناول سيرة ذلك المنشيء العجيب في استشفاف لدخلته الإنسانية واستيضاح لطبيعته الفنية - وفي بيروت اليوم ناقد من أهل الدراية بالأدب والاخلاص للفن ، هو عمر الفاخوري صاحب " الفصول الأربعة " ) ١ ( . وهو عدو الأدباء الفضوليين ؛ من ذلك قوله : " الأديب في بلادنا رجل من ورق وحبر ، لا تكاد تجد فرقا إلا في لون الحبر ونوع الورق وقوله : " يجب على الفنان أن يتصل بهذا الوجود ، فلا يعتمد علي الحفظ والقراءة " . وفي الكتاب بعد هذه الحملة الصادقة مباحث تدخل توا في فلسفة النقد ، يسلط فيها على الشعر العربي أضواء مستحدثة تنجلي بها الرقائق واللطائف - وهنالك جمهرة من النقاد يكتبون في المجلات البيروتية ، منها " المكشوف " و " الجمهور " و " الأدب " لصاحبها الكاتب الاجتماعي ألبير أديب ) وهذه مجلة حسنة المظهر والمخبر ، برزت في رأس هذه السنة ( و الحديث " الحلبية لمنشئها سامي الكيالي ، ذي النفس السمحة التوافقة . ومن هؤلاء النقاد مارون عبود ، وفؤاد حبيب ، وميشال أبو شهلا ؛ فللأول بصر عال بالأدب لاباع ويأول اللغة ، وللثاني والثالث حس فني .
لأنتقل الآن إلي الناحية العلمية ، فأحدثك بأمر المشتغلين بآداب العربية ؛ فهذان شيخان جليلان : فيليب دي طرازي ، وعيسي اسكندر المعلوف ، قد جمعا الفوائد الأول صاحب " تاريخ الصحافة العربية " ) ٢ ( .
ذلك المرجع النفيس المشهور ، وله أيضا كتاب فريد جامع لا يزال مخطوطا ، قد أطنبت في وصفه في " مقتطف " مايو لسنتنا ، وعنوانه خزائن الكتب العربية في الخافقين " . وأما الثاني فله عدة تواليف ، يتنازعها التاريخ واللغة ، ولا سيما لغة العامة . وإني مفصل هذا في المقتطف الآتي ؛ هذا وما أظن القارئ يجهل شيخا جليلا ثالثا ، هو شكيب أرسلان صاحب " التعليقات والحواشي على حاضر العالم الإسلامي لستودارد الأمريكي " ) مصر ١٣٥٢ ه ( . و تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر الأبيض المتوسط " ) مصر ١٣٥٣ ه ( . و " علاقات التاريخ باللهجات العربية " ) مجلة المقتطف يناير ، فبراير ، مارس ١٩٣٢ ( . وقلم هذا المؤلف يجري في التاريخ واللغة على أسلوب المتقدمين في التثبت والتقصي .
ثم إن هنالك فريقا من العلماء المنصرفين إلي التعليم في جامعة اليسوعيين وجامعة الأمريكان . وجلهم شباب . وهم ينشرون مباحثهم في غالب الامر في مجلة " المشرق " وهي مجلة تكاد تكون موقوفة على الآداب العربية والشئون الاسلامية ، ولا نظير لها عندنا ) ١ ( ولهؤلاء العلماء دراسات حسنة ، قويمة ، مثال ذلك : " مجموعة الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا " ) ١ ( لأسد رستم ، و " أمراء الشعر العربي في العصر العباسي " ) ٢ ( لأنيس المقدسي ، و " الديارات النصرانية في الاسلام " ) ٣ ( لحبيب زبات ، و " الخزانة الشرقية " ) ٤ ( له أيضا ، و " فخر الدين المعني
الثاني " للأب بولس قرألي ) ١ ( ، و " نقد الشعر في الأدب العربى " ) ٢ ( لنسيب عازار . وهنا لا بد من التنوية بلبناني ، نزح إلي شمالي امريكة فاشتغل بالاستشراق ، فنبه وبرز حتى اصبح رئيس قسم اللغات الشرقية في جامعة يرنستن ، وهو فيليب متى صاحب ) تاريخ العرب ) في الانجليزية لندن ١٩٣٧ ( ، وحسبه هذا الكتاب ويلحق بهذا ما نقل إلي العربية محو : " أمراء غسان المستشرق الألماني ) نولدكه (١ ) . ويلي ذلك ما يخرجه هؤلاء
العلماء في بيروت من الآثار إخراجا محكما . فقد نشر الأب صالحاني تاريخ مختصر الدول لابن العبري ) سنة ١٨٩٠ ( و ديوان الأخطل " ) ١٨٩١ ( و الأضداد للاصمعي وغيره " ) ١٩١٣ ( ، و " نقائض جرير والأخطل " ) ١٩٢٢ ( . ونشر قسطنطين زريق " اليزيدية قديما وحديثا لاسماعيل بك جول " ) ١٩٣٤ ( وأجزاء من " تاريخ ابن الفرات " بمشاركة الدكتورة نجلا عز الدين . ونشر اسد رستم ، وفؤاد إفرام البستاني " لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني للشيخ أحمد بن محمد الخالدي ١٩٣٦ (
هذا ومما يثير الدهش ، بل يورث الأسف ، أن ليس في النابتة الحديثة من تستهو به اللغة العربية وعلومها . ومن لبنان فرع البازجيان : ناصيف وإبراهيم ، والبستانيون : المعلم بطرس وسليمان وعبد الله ، والشدياق " الجاسوس " والشرتوني الذي قرب الموارد

