الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 179الرجوع إلى "الثقافة"

لمحة إلى أدب لبنان

Share

من الحديث المستفيض تبادل الثقافة بين الأمم العربية إلي جنب تزعم مصر هذه الأمم من الناحية الفكرية . فما عذرنا إذا في إهمال أدبها ، بل إن في إعراضنا عن آثار ادبائها المحدثين مما لا يجعل بنا ، ولا سيما أن كتبنا وأصحابها يظفرون هنالك بالإقبال والدراسة . ولو كان ادب تلك الأمم ساقطا أو تفها لانبسطت لنا سبل التنصل ، ولكن عندهم ما ليس دون ما عندنا ، بل إن عندهم ما يموزنا كما أن عندنا ما يفوتهم . واليوم أحب أن أطلع القارئ علي بعض وجوه الأدب اللبناني وطائفة من عيونه ، ذلك إنى استطعت أن أتبين الأمر في الخريف الماضي بعد قضاء اسابيع في بيروت وما يعلوها ، وبعد أن نظرت فيما اخرجته المطابع ولا سيما دار " المكشوف " في هذه السنوات ، على أن كلمتي لا تدعي الاستقصاء ولا الاحصاء وانما هي تنبيه يجري إلي تعريف

أول من يستوقفك من وجوه الأدباء ميخائيل نعيمة . رجل في الخمسين ، عالي الثقافة ، نزح إلي شمالي امريكة لثلاثين سنة خلت . فكان هنالك دعامة من دعائم المدرسة العربية في المهجر بجنب أمين الريحاني ، وجبران خليل جبران ، وإيليا أبي ماضي ، وتلك المدرسة التي وجهت ادبنا الحديث إلي التصرف في مقاطع العبارة ومطالع الفكر . وقد بقي اثنان من هذه المدرسة : نعيمة في لبنان وأبو ماضي في نيويورك . ونعيمة هو الكاتب المفكر ، البعيد مرمي النظر ، الغزير فيض الخاطر له " المراحل " و " زاد المعاد " ) ١ ( ، وفيهما يبدو روحانيا غاليا ، بل صوفيا يرجع عن الحواس الظاهرة الواهمة إلي الحس

الباطن الصادق ، وعن العقل إلي الخيال وهو بعد هذا يذهب إلي الحلولية ووحدة الوجود ، ويدعو إلي المحبة ، ويري فيها الرسول الأفضل إلي الجمال والحرية والحق ، إلي قلب الله . ومن آرائه الجذابة أنه لا غربية على هذه الأرض سوي غربة الإنسان عن ربه ثم عن نفسه ، وأن الكون كامل للكاملين ، وأن الفرق الذي بين الشرق والغرب محصور في استسلام الشرق إلي قوة لا يقدر علي مقاليتها ، في حين يمتد الغرب بقوته ويتناجز بها كل قوة . ويلي نعيمة في أدب التفكير قسطنطين  زريق . إلا أن تفكيره خلاصة تبصر في التاريخ لا عصارة تصوف فتأمل في الوعي القومي " ) ١ ( يستند قسطنطين  زريق إلي ماضي الأمة العربية : كيف نشأت ونشطت ، وكيف نضجت لغتها ونهضت تقاليدها ، فيستوضح خاصيتها ، من باب النظر دون الاستقراء ، ثم يشير إلي مشكلاتها الحاضرة ، وإلي مبلغ صلتها بالغرب ليرمم لها طريق المستقبل ، عسى أن تؤدي إلي حضارة الكون الرسالة المعقودة بهمتها . ذلك هو " الوعي القومي " ؛ وان يستوي إلا إذا انعقدت أمور : منها علو شأن المرأة ، والسعي القومي ، والسهر على التراث الثقافي من بعد إحيائه ، والإنصراف إلي الجهاد الأكبر ، جهاد النفس .

وفي أدباء لبنان من يحذق فن القصص : فيهم نعيمة صاحب " كان ما كان " ) ٢ ( . في هذه المجموعة ينحدر صوفي " المراحل " و زاد المعاد ( من ابراج الحدس والكشف إلي ميادين الوصف المباشر والفكر المحسوس ، فتراء يتعقب الوان الحياة في مسالك جبل لبنان على نهج مائل إلي الواقعية تلطفها الاشارات واللفتات ، وأغراضه العليا مندسة بين السطور تارة واخرى مائلة . ومن هذه الأغراض : الحض على الرجوع إلى الطبيعة ، وعلى نبذ

زخرف الحياة الشرقية ، وعلى التطلع إلي حقائق المدنية الغربية - ولخليل تقي الدين " عشر قصص " و " الأعدام " ) ١ ( . وفي هذه المجموعة الأخيرة عرف تقي الدين كيف يتلمس طريق النفس الغامضة ، الملتوية ، المكبوتة كما تقول اليوم ، فعرض بعض الدفائن في أسلوب جلي وتعبير عربي رصين ودراية بموالج القصة ومخارجها . ولتوفيق عواد قصة طويلة عنوانها " الرغيف " وله قبل ذلك مجموعتان : " الصبي الأعرج " و " قميص الصوف " ) ٢ ( . وفيهما يستطيع عواد أن يجعلك تتقري نبض الحياة الهائجة ؛ فله مزاح القصاص ، ثم به انعطاف إلي البشرية المتألمة ، ولولا تهاون بالأداء لذهب في التأثير فوق ما يذهب . وهنالك قصاص اسمه سليم خياطة ، له " الأزليان ) قصة حلم (  ) ٣ ( . وهو كتاب كالشاذ ، يلحق بفن الفكاهة ، وهي فكاهة هذا العصر وإن بدا فيها اثر " الساق على الساق " للشدياق ، وذلك بسبب الألفاظ الحوشية والغريبة بل المرتجلة أحيانا ينثرها المؤلف في عباراته . وإذا انثنينا إلي الأدب الأفرنجي ، رددنا بعض ما في هذا الكتاب من الصور والتراكيب والغرائب المنطقية إلي أسلوب " ما وراء الواقع أو " المكمبية "

وأما الشعر فلميخائيل نعيمة بعض قصائد مشهورة في مصر ، منها " النهر المتجمد " تتجاذبها الوجدانية والرمزية المباشرة ، مدادها النفس الصافي وقوامها الايقاع المستتر ؛ فهي تذكرك بطريقة شعراء المهجر الأمريكي ما عدا إيليا ابى ماضي الذي انفرد بنسجه في " الجداول " ، وقد حاول بعض الشعراء هنا وهناك أن يقلدوه فسطوا عليه . وفي لبنان بعد هذا شعراء كثيرون ، كما هي الحال عندنا . ولكن المبتكرين الصادقين حسا قليل

ففيهم من لا يزال يعارض الأقدمين ، وفيهم من يجري مجري شوقي أو مطران أو جبران أو أبي ماضي ، وفيهم من يقنع باللفظ المجلجل شأن فريق من النظامين عندنا . غير أني أحب أن أنبه إلي سعي الشاعر سعيد عقل ؛ فانه يحاول مقتنعا أن يجعل الشعر تعبيرا لحالة نفسانية منقلتة من الوعي ، تكون مادتها الموسيقى لا العاطفة ، وغايتها الاتحاد بحقائق الكون الأزلية ، حتى تنتقل من دخيلة الشاعر إلي حس القارئ من طريق الإيحاء ، إذ يجاوب اللفظ المعبر جوهر الحالة النفسانية بل يعدلها . ذلك رأي الشاعر بسطه في مقدمة قصته الشعرية " المجدلية " ) ١ ( بلفظ قلق وتركيب ملتو . وأما القصيد نفسه فلا شك أنه يضم بدوات وتعبيرات فيها انطلاق وافتتان ، وربما أرادت أن تكون طريفة . وممن يسعي وراء التجديد في التصوير صلاح لبيكي ) ٢ ( . ولصلاح الأسير مقطعات غير مجموعة يلون فيها اللفظ تلوينا . وممن تغلب على طريقته النزعة الابتداعية ) الرومانتسم ( مع انجذاب إلي ألفاظ الشرة على نحو ) بودلير ( الفرنسي إلياس أبو شبكة ) ٣ (

وفي باب النقد تعود مرة اخري إلي ميخائيل نعيمة فكتابه )" الغربال"  الذي خرج في مصر سنة ١٩٢٣ ، مع مقدمة جيدة بقلم عباس العقاد ، غضبة الحديث على القديم ، بل ثورة الجديد المتمكن المتبصر المتطلع على البالي المتصنع المترهل المتفكك . وفصوله كلها جرأة لا ادعاء فيها ، وحماسة لا تكلف بها ، وهي تجري في جملتها إلى غايات الأدب الصرف ، المنزل منزلة الرسول ، المصغي إلي الطبيعة ، الباحث عن الحق ، التارك لبهرج المنطق ،

المتسامي عن ابتغاء مرضاة الجمهور ، هذا هو " الغربال وهو على شاكلة الديوان " الذي أخرجه في ذلك العهد أيضا العقاد والمازني ، فجاء حربا علي صنعة التقليد وحرفة التزويق . ولنعيمة كتاب كشاف عنوانه " جيران خليل جيران " ) بيروت ١٩٣٤ ( ، وهو يتناول سيرة ذلك المنشيء العجيب في استشفاف لدخلته الإنسانية واستيضاح لطبيعته الفنية - وفي بيروت اليوم ناقد من أهل الدراية بالأدب والاخلاص للفن ، هو عمر الفاخوري صاحب " الفصول الأربعة " ) ١ ( . وهو عدو الأدباء الفضوليين ؛ من ذلك قوله : " الأديب في بلادنا رجل من ورق وحبر ، لا تكاد تجد فرقا إلا في لون الحبر ونوع الورق وقوله : " يجب على الفنان أن يتصل بهذا الوجود ، فلا يعتمد علي الحفظ والقراءة " . وفي الكتاب بعد هذه الحملة الصادقة مباحث تدخل توا في فلسفة النقد ، يسلط فيها على الشعر العربي أضواء مستحدثة تنجلي بها الرقائق واللطائف - وهنالك جمهرة من النقاد يكتبون في المجلات البيروتية ، منها " المكشوف " و " الجمهور " و " الأدب " لصاحبها الكاتب الاجتماعي ألبير أديب ) وهذه مجلة حسنة المظهر والمخبر ، برزت في رأس هذه السنة ( و الحديث " الحلبية لمنشئها سامي الكيالي ، ذي النفس السمحة التوافقة . ومن هؤلاء النقاد مارون عبود ، وفؤاد حبيب ، وميشال أبو شهلا ؛ فللأول بصر عال بالأدب لاباع ويأول اللغة ، وللثاني والثالث حس فني .

لأنتقل الآن إلي الناحية العلمية ، فأحدثك بأمر المشتغلين بآداب العربية ؛ فهذان شيخان جليلان : فيليب دي طرازي ، وعيسي اسكندر المعلوف ، قد جمعا الفوائد الأول صاحب " تاريخ الصحافة العربية " ) ٢ ( .

ذلك المرجع النفيس المشهور ، وله أيضا كتاب فريد جامع لا يزال مخطوطا ، قد أطنبت في وصفه في " مقتطف " مايو  لسنتنا ، وعنوانه خزائن الكتب العربية في الخافقين " . وأما الثاني فله عدة تواليف ، يتنازعها التاريخ واللغة ، ولا سيما لغة العامة . وإني مفصل هذا في المقتطف الآتي ؛ هذا وما أظن القارئ يجهل شيخا جليلا ثالثا ، هو شكيب أرسلان صاحب " التعليقات والحواشي على حاضر العالم الإسلامي لستودارد الأمريكي " ) مصر ١٣٥٢ ه ( . و تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر الأبيض المتوسط " ) مصر ١٣٥٣ ه ( . و " علاقات التاريخ باللهجات العربية " ) مجلة المقتطف يناير ، فبراير ، مارس ١٩٣٢ ( . وقلم هذا المؤلف يجري في التاريخ واللغة على أسلوب المتقدمين في التثبت والتقصي .

ثم إن هنالك فريقا من العلماء المنصرفين إلي التعليم في جامعة اليسوعيين وجامعة الأمريكان . وجلهم شباب . وهم ينشرون مباحثهم في غالب الامر في مجلة " المشرق " وهي مجلة تكاد تكون موقوفة على الآداب العربية والشئون الاسلامية ، ولا نظير لها عندنا ) ١ ( ولهؤلاء العلماء دراسات حسنة ، قويمة ، مثال ذلك : " مجموعة الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا " ) ١ ( لأسد رستم ، و " أمراء الشعر العربي في العصر العباسي " ) ٢ ( لأنيس المقدسي ، و " الديارات النصرانية في الاسلام " ) ٣ ( لحبيب زبات ، و " الخزانة الشرقية " ) ٤ ( له أيضا ، و " فخر الدين المعني

الثاني " للأب بولس قرألي ) ١ ( ، و " نقد الشعر في الأدب العربى " ) ٢ ( لنسيب عازار . وهنا لا بد من التنوية بلبناني ، نزح إلي شمالي امريكة فاشتغل بالاستشراق ، فنبه وبرز حتى اصبح رئيس قسم اللغات الشرقية في جامعة يرنستن ، وهو فيليب متى صاحب ) تاريخ العرب ) في الانجليزية لندن ١٩٣٧ ( ، وحسبه هذا الكتاب ويلحق بهذا ما نقل إلي العربية محو : " أمراء غسان المستشرق الألماني ) نولدكه (١ ) . ويلي ذلك ما يخرجه هؤلاء

العلماء في بيروت من الآثار إخراجا محكما . فقد نشر الأب صالحاني  تاريخ مختصر الدول لابن العبري ) سنة ١٨٩٠ ( و ديوان الأخطل " ) ١٨٩١ ( و الأضداد للاصمعي وغيره " ) ١٩١٣ ( ، و " نقائض جرير والأخطل " ) ١٩٢٢ ( . ونشر قسطنطين زريق " اليزيدية قديما وحديثا لاسماعيل بك جول " ) ١٩٣٤ ( وأجزاء من " تاريخ ابن الفرات " بمشاركة الدكتورة نجلا عز الدين . ونشر اسد رستم ، وفؤاد إفرام البستاني " لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني للشيخ أحمد بن محمد الخالدي ١٩٣٦ (

هذا ومما يثير الدهش ، بل يورث الأسف ، أن ليس في النابتة الحديثة من تستهو به اللغة العربية وعلومها . ومن لبنان فرع البازجيان : ناصيف وإبراهيم ، والبستانيون : المعلم بطرس وسليمان وعبد الله ، والشدياق " الجاسوس " والشرتوني الذي قرب الموارد

اشترك في نشرتنا البريدية