اطلع الدكتور بشر فارس قراء " الثقافة " وقارئها على بعض وجوه الأدب في لبنان ، فكانت لمحته خاطفة وكلمته - كما قال -تنبيها يجري إلي تعريف ، فما فاتته الإشارة إلى تبادل الثقافة بين أمم العرب وتناول آثارها الحديثة بالنظر والتمحيص ، وان على مصر الزعيمة أن تحفل ادب الجيران والأخوان ، فلديهم منه ما يستحق الرعاية والعناية . كانت لمحته مشكورة ولكنها خاطفة . فما لقطت غير وجوه مشهورة أو موجهة للنور ، فبدا لي ان اتبعها باللحجة ثانية اطلع فيها قراء " الثقافة " على وجوه في ادب لبنان لم يقبض لها الحظ ان راها صاحب " سوء تفاهم " وفي لبنان اينما يول ذو القلم والبيان وجهه يطالع أزاهير أدب منثورة معطارا ، أو منظومة طاقات ريا ، تختلف أشكالا وتتفاوت ألوانا ، بينها البراعم والأ كاميم ، وفيها الزئبق والنسرين ، وفيها الورد والريحان .
فاللغوي الامام الشيخ مصطفي الفلاينتيني قاض القضاة سلخ ميمة العمر وابلي قشيب الشباب في تاريخ الأدب وتثقيف العقول وتأليف الكتب ، وهو شاعر مطبوع ، في شعره الجزل صورة البعث الجديد في بيروت بعد إعلان الحرية
وكرم ملحم كرم باعث القصة الحديثة على سيف لبنان ، ينطوي اليوم على نفسه فيودع القراطيس المسودات نقدات وروايات ؛ ولقد كان لأشهر خلت هو والكاتب عمر أبو النصر أكثر أدباء لبنان إنتاجا ونشرا ، وإنه لإنتاج قيم يرقل بالذوق والطرافة ؛ ولمجدد القصة موهبة فنية وبراعة في الآداء ، نجدها في رواياته المطبوعة : " صرخة الألم " و المصدور " و " بونا أنطون " ، ولولا أزمة الطباعة لطلع على الناس في هذه الآونة بمؤلفاته الحديثة " المجنون " و " الزئبق الصريع " و " أف للناس "
ويخطر على مشارف لبنان وسفوحه امين نخله شاعر الرقة والأناقة ، وصاحب " المفكرة الريفية و تحت قناطر ارسطو " وهو نسيج وحده في نثره ، مترف جد الترف في نظمه . وكما شغل القضاء الفلاينتيني عن الأدب كذلك كان دأب المحاماة مع أمين نخلة ، ولولا سوائح منها كالبوارق في مطاوي السحاب ، اغلبهما الناس قد هجرا الفن إلي غير رجعة ووصال
ويطل على بحر بيروت وجه تعرفه منابر مصر في كرام الشعراء ، هو وجه شبلي ملاط ، شاعر بسط جناحي شعره علي لبنان ، كما بسط الارز في القمم وارف الأفنان .
وعلى شاطي لبنان التصوليان الاخوان محي الدين وأنيس ، فالأول خطيب أخطب ، واديب مدرب ، والثاني مؤرخ محقق ، كتب تاريخه عن العصر الأموي والدولة الأموية على الطريقة العلمية الصحيحة ، فترك دويا في البيئات التي لم تألف هذا الضرب من التاريخ
وثمة كاتب مؤرخ مشرق الأسلوب هو زكي نقاش
الذي يسجل كبريات الأحداث المعاصرة والغابرة علي نبراس الاستقراء والحقيقة
وفي الحي العلمي من " رأس بيروت " عمر فروخ . بنيه في ايراد الثقافة الرفيعة والخليقة المثلي ، ثراء دائبا على الإطلاع المنتج ، والتأليف المحكم فيما يتصل بالأدب والفلسفة ، ومنذ بضع سنين نزع إلى الصحافة فأنشأ مجلة " الامالي ذات الثقافة الشاملة ، ولولا هذه الحرب لا تنتظم صدورها .
ولا يمضي موكب هذه الفئة من أهل الفن والأدب دون ان يكون في طليعتهم يوسف غصوب صاحب " الموسجة المنهبة والنقص المهجور ، و اخلاق ومشاهد " . وهو شاعر طريف النزعة ، فياض الشعور ، غذاء الالهام أفاويقه الرطاب ، وجاد برمزية وضاحة الأهداف .
وتزحم ربة الشعر مملكة " ايبوقراط " لدي حبيب ثابت ، فترف عليه في خلوات فنه يمشتروت و " ادونيس " . أما " فينوس " فهي في جلوة عرس بين يدي كتابه ، " الصحة والجمال " . و " ليالي بغداد " قافلة بغير جمال تسير أبدا بين بادية الشام وأرض الرافدين .
ولست بناسية شيوخا جهابذة من أبناء عامة المطلة الولي والفتن على صيداء في جنوب شامنا ، أشهرهم الصحافي الزعيم الشيخ عارف الزين صاحب مجلة " العرفان " التي أصدرت منذ ثلاثة أعوام عددا خاصا عن مصر وله آثار في تحقيق الأدب وتوجيه الأدباء
والعالمان الأدبيان الشيخ أحمد رضا ، والشيخ سليمان ظاهر علمان في جبل عامل متساميان كفري تميم . وغير هذا الموكب الحافل مواكب للجيل الطالع ، وللسابقين من الكاتبين المشهورين ، أو ممن حرموا الحظ فكانوا منمورين .
وهل نسيت بنات جنسي اللاتي زها بهن لبنان قبل غيره من البلدان ؟ فيهن المفكرة والأدبية ، والصحفية
والفنانة ؛ من هذه الزهرات المخضلات ، ابتهاج قدورة ومنيرة سلام الخالدي ، وسلمى صابغ ، وانس بركات باز . وجوليا طعمه وحيويه حداد ، ووداد وسلوي محمصاني ، ونظيرة زين الدين والفيرا لطوف ، وسواهن من فتيات الجيل الجديد ، ولي عودة قريبة إلى حديث مستفيض عن أديبات لبنان .
واليوم وقد عاد الأديب المبدع بشر فارس إلي أرض الكنانة ففي حوزة قلمه الرهيف وبيانه المتنخل ان يختص طائفة من وجوه الأدب في لبنان بالدراسة العميقة ، والتقصي والتنقير ، وهو ذو الأداء المستقيم على طريقة علمية فردة في أدبنا الحديث
وإني لعذيرة لصاحب " مباحث عربية " على لمحته الخاطفة ، فقد ألم بلبنان ، وكانت زورته لبعض أدبائه تماما ، فمتى نري لمحته عن وجوه الأدب في سورية ؟
) دمشق (

