قام اتحاد الجامعة بتنظيم رحلة إلي رومانيا إبان الشهر الماضي ، وأباح الاشتراك فيها لطلبة الجامعة وخريجيها - المحدثين منهم والقدماء الذين خرجتهم المدارس العليا إطلاقا ، وساهم في الرحلة نحو اربعين ومائة عضو قل منهم من كان طالبا ! . . . وقد أتيح لأعضاء الرحلة أن يشهدوا بعض الآثار المنبثة في أرض اليونان وتركيا أثناء سفرهم إلي رومانيا وعند عودتهم إلي مصر . وما كان ينبغي أن نكتب في أمر هذه الرحلة بعد عودتنا إلي أرض الوطن ، لأن إقامتنا هذا الزمن الوجيز بين أقوام نجهلهم . لا تبرر الحديث عن أخلاق الشعوب التي اتصلنا بها فان الحكم على أخلاق الشعوب ، وفهم حضارتها على وجهها الصحيح لا يتاح قط لانسان في مثل هذه المدة الوجيزة ، ولو توافر له سداد النظر ، وتهيأت له قوة الملاحظة ؛ ولكنا لا نريد في هذه اللمحة الخاطفة إلا أن تسجل بعض ما أثار انتباهنا من ظواهر ، دون أن نعالج تفسيرها أو نتورط في تعليلها
عندما تسامع الكثيرون بنبأ هذه الرحلة تولتهم الدهشة ، لأن الاتحاد قد نظم ثلاث رحلات إلي رومانيا في أقل من عام ، كأنما خلت الأرض مما رحبت من مكان - غير رومانيا - يصلح لرحلات الجامعيين ؛ وعذر الاتحاد في هذا هو - فيما يلوح - رخص المعيشة في هذه البلاد ، وإن قيل إن أصدق الأسباب مرده إلي الإشاعات التي أذاعها عن رومانيا ونسائها أعضاء الرحلة الأولى بعد
عودتهم إلي مصر في الشتاء الماضي . فإن صح هذا كان على الاتحاد أن يحمل وزر ما فعل ، وإن أخطأ هذا الظن كان له حسن الجزاء على ما أسلف من جهود في تنظيم هذه الرحلات .
على أن من الخير أن نعترف إنصافا للاتحاد بأن رومانيا حبيبة إلي نفوس زوارها ، وإن لم يكن فيها ما يحمل علي تقديرها واحترام أهلها ، ولا يجب في هذا ، فإن البلاد كالناس ، فيهم من تلقاه لأول مرة في حياتك فتنصرف عنه أو تنفر منه ولا تميل إلي الاتصال به ، وإن كان ممتازا في نواح تغري بحبه وتحمل على التودد إليه ، ومن الناس من تراه فتميل إليه وتصبو إلي الحديث معه ، وإن لم يكن فيه من الميزات ما يرغب في حبه ويغري بالاتصال به ، وقد تنعكس الآية فتحب من كرهته أولا أو تكره من أحبته من قبل ، وربما كان هذا كله بغير سبب يسيغه المنطق . . وكذلك الحال مع البلاد ، قد تكره أن تقيم في بلد توافرت فيه أسباب الراحة وألوان التسلية ، وقد تحب الإقامة في بلد تعوزه أسباب التقدير والاحترام . ورومانيا من هذا الصنف الأخير ، تحب مدنها وفراها ، وتود أن تطول إقامتك بأرضها ، وتأسف لفراقها ، لا لأنها ملأتك احتراما لها أو تقديرا لأهلها ، ولا لذكريات خلفتها وراءك ، ولكن لسبب أعمق من هذا كله ، أنا أشد من القارئ الكريم جهلا بحقيقته !.. قلت إن رومانيا - فيما يلوح - لا تحمل زائريها علي
احترام أهلها ، فان المظاهر التي صادفتا بها كانت فيما يرجع على الظن أدنى إلي انحلال في الخلق منها إلي سعة في التقاليد أو خلاف في وجهة النظر ؛ فان العين كثيرا ما وقفت عند مظاهر الترف الملحوظ في أهل البلد رجالا ونساء . . ! والترف لا يصيب الأمم إلا إذا أدركتها الشيخوخة ، أو أصابها دور الانتقال . والحال الأخيرة لا تنطبق على رومانيا بحال . . ولعل أعدل شاهد على ترجيح هذا الظن وجود " المانيكير " في أظافر الكثيرين من الرجال . . ! ومنظر الضباط ورجال الجيش يسيرون مع الفتيات في لشوارع وهم أكثر منهن اهتماما بزينتهم وعناية بأنفسهم ! ثم الفتيات الجميلات اللاتي يمرحن في بحبوحة من سعة التقاليد ، ويثرن انتباه الأجنبي بكثرتهن الملحوظة ، تلك ظاهرة لها أثرها البين فيما شاهدنا من شذوذ . ورجال الشرطة في هذا البلد فوق خمولهم الواضح في حركاتهم لا يحترمون انفسهم ، ولا يحسنون أداء واجبهم في حراسة القانون ، ففي وسعك أن تمنهن هذا القانون بإذن منهم متى رشوتهم ببضعة مليمات ! منعنا حارس القصر الملكي من تصوير القصر منعا باتا ، فلما قدم إليه أحد الأعضاء بضمة مليمات أخذها بيده شاكرا ، ووضعها في جيبه آمنا ، وأباح للأعضاء كل ما يشاءون . . !
والطبقة الدنيا أشد من هؤلاء - فيما يلوح - جهلا باحترام النفس ورغبة في استغلال الأجنبي ؛ وربما كانت
هذه الظاهرة قائمة لا يخلو منها بلد من البلاد ، ولكنها في رومانيا ملحوظة بشكل يسترعي النظر ويثير الانتباء ؛ فخدم المقاهي وبدل المطاعم لصوص تقيهم المهنة شر العقاب ، فكثيرا ما يضاعف النادل ثمن الصنف ، فان فطنت إلي ذلك واريته الثبت الذي سبق ان قدمه إليك بأثمان الأصناف أخذ يلتمس لك المعاذير الواهبة وينتحل لك الأسباب المضحكة .
تلك بعض مظاهر الانحلال عند هذا الشعب الذي لا تربط أفراده وحدة من دم أو ثقافة او دين . . إنه اليوم خليط من الرومانيين والهنغاريين والالمان واليهود . . وقد لازمته ظاهرة التفكك منذ الماضي السحيق ، أيام انضوائه تحت راية الدولة الرومانية القديمة . إن المرء ليعجب لأهل هذا البلد ويشفق عليهم من عجزهم المنتظر عن مقاومة هتلر يوم ينزل بهم اطماعه ! إنهم على يقين بأن هذا اليوم ات لاريب فيه . سيدخل رومانيا طمعا في بترولها وبنزينها وسائر مابها ؛ وقد يحتج بحماية الألمان الذين يعيشون في ظلها ، وتتاح له فرصة التنكيل بأعدائه من اليهود . . ! ولهذا فإن اليهود في هذا البلد يلازمهم الجزع ويدفعهم إلى البحث عن ملاذ يلجأون إليه قبل أن يدهمهم هذا الشر الزاحف ؛ فما دخل المصريون متجرا من متاجرهم إلا سألهم صاحبه في لهفة ملحوظة عن موقف مصر من هجرة الأجانب - واليهود
على وجه الخصوص - فإذا أجاب المصريون بأن القوانين عندنا تحرم هذه الهجرة ارتسمت على وجه السائل آيات اليأس الممض والألم الملح ، وفتيات اليهود الجميلات كثيرا ما طلبن من المصريين أن يقبلوا عودتهن إلي مصر زوجات لهم أو خادمات . . !
قلت فيما أسلقت إن أكثر الظواهر التي مرت بنا نوحي بانحلال ينساب في رومانيا طولا وعرضا ؛ ولكن من طريف المفارقات ان تكون ميادين بوخارست حافلة - مع هذا - بالتماثيل التي يجسم الكثير منها ماضي الشعب في حروبه ، وبصور بطولة قادته وجنوده ، ويحدث الرائي عن كثير من القصص التي يرويها التراجمة ولا يعترف بها تاريخ . . !
وفي الشعب عدا هذا ظواهر أخري تشيء بأنه غير أصيل في مدنيته ، فإن المدنية الحديثة قد أقبلت محمل معها الدعوة إلي مساواة المرأة بالرجل ، ولكنها أبت أن تطبق هذا المبدأ تطبيقا دقيقا فتمنح المرأة الحقوق التي يتمتع بها الرجل ، وتفرض عليها من الواجبات ما يعاني الرجل احتماله ، لأن هذا التطبيق الدقيق يحمل من القسوة بالمرأة ما يجعل مساواتها ظلما فادحا وعدوانا اثيما ؛ ولهذا كفلت المدنية للمرأة احترام الرجل وخلعت عليها الكثير من حقوقه ، ثم أعفتها من أداء الكثير من واجباته ، ولكن رومانيا
مقلدة فيما يلوح ، ولهذا بدت المفارقات فيها مثارا للدهشة والعجب ؛ ومن طريف هذه المفارقات أن تري الرجل حريصا على تقبيل يد المرأة كلما تبادلا السلام ، ومع ذلك فإن هذه العادة الملحوظة في كل مكان ، لا تحمل من معاني التقدير والاحترام كثيرا ولا قليلا ، وأعدل شاهد علي صدق هذا الظن قائم في عربات " الأوتوبيس " ، تحمل العربية من الركاب في أكثر الأحيان أضعاف ما تحتمل سعتها - علي نحو ما تري عندنا في عربات ثورنيكروفت أحيانا - وفي زحمة هذه العربات تري الكثرين من الرجال جلوسا والكثيرات من السيدات واقفات ، فإن خلا مكان سارع إليه أحد الرجال واستقر به دون أن يجد في ذلك غضاضة أو ملامة ، وقد تقف العربية فجأة أو تميل بغتة فيصطدم الركاب بعضهم ببعض ولا يفكر رجل في إخلاء مكانه لسيدة ما ، فإن كانت تحمل طفلا تبرع أحد الركاب وأخذ منها الطفل وأقره على رجليه ، وقد يضن الركاب بهذه الكرمة طوال الطريق ، وقد تملي العربية فتاة فتري رجلا يعرفها فيتبادل لان التحية أو السلام ، فإن لم نجد مكانا لها لبثت وافقة وصاحبها يواصل حديثه معها وهو جالس في مكانه لا يريم . . !
فقدت المرأة قيمتها عند الرجل ، ولكن هذا لم يمنعها من التمتع بحرية كانت في عين المصري ادلي إلي الإباحة منها إلي الحرية . ولقد كانت زيارة المصري لصديقاته من
الرومانيات في بيوتهن واستقبال آبائهن وأمهاتن له وترحيبهم به مثار الدهشة عند المصريين وحدهم .
ولعل من مظاهر هذه الحرية ذلك الشاطئ الذي رأيناه في كارمن سيلفا - إحدي ضواحي كونستانزا - خاصا بالعراة من المستحمين والمستحمات ، وهو شطران احدهما للرجال والأخر للسيدات ، يفصل احدهما عن الآخر حاجز ضئيل من الخشب ، والمكان المعدل للرجال مباح للسيدات والعكس غير صحيح ، كما هو الحال في كل ما هو مخصص لكل الجنسين ، ومن الميسور للمارين بالشاطئ أن يروا كلا الفريقين عاريا من قمة الراس إلي اخمص القدم ، وقد نري العراة من الرجال وقوفا او منطرحين على ظهورهم وحولهم السيدات والفتيات عاريات او بملابس البحر ، وقد نري السيدات في المكان المهيأ لهن مستلقيات على بطونهن او منطرحات على ظهورهن او واقفات عاريات لا يستر أجسامهن حجاب ، والنظر في جملته لا يروق الشرقي كثير ولكنه يروعه إلي غير حد .
ولكن هذا الشذوذ الذي يبدو في بعض مظاهره ادني إلي الانحلال منه إلي رحابة التقاليد ، لا يمنع من الاعتراف بأن هذا البلد حبيب إلي نفوس زواره حتى ليحملهم على الاسف على فراقه يوم تحين ساعة الرحيل إلي الوطن . وقد أسلفت القول بأبي لم اهتد إلي معرفة السبب الصحيح الذي يبرر هذه الظاهرة ، وإن كان في بعض ما شاهدناه عند أهله ما يساعد على وجودها ، فالرومانيون - فما يلوح -
شعب وديع ودود لطيف العشرة ، يأخذ الحياة برفق ويمضي في زحمها بلين ودعة ؛ وقد كان أحد أصدقائنا في الرحلة يتمني إلا يعود إلي مصر قبل أن يري في رومانيا معركه يثير وعثيرها او يشترك فيها بعض أهلها ، ولكنه عاد إلى وطنه قبل أن يري هذه الظاهرة المألوفة في بلادنا . . ! وهو شعب بسيط غير معقد حتى في لغته . . فقد دخلت اللغة
الرومانية بلاده يوم غزاها تراجان أمبراطور الروم في القرن الثاني للميلاد ، ثم انفصلت رومانيا عن روما منذ سبعة عشر قرنا من الزمان ، ولا يزال الرومانيون يحتفظون بهذه اللغة ويعتزون بها اعترازا يبدو في اقتصارهم عليها في إعلاناتهم وشتي معاملاتهم الرسمية ، رغم أنها لا تمثل دينا ولا تغذيهم بثقافة ، وربما كان هذا وجه العجب في امرها ؛ فإن مصر مثلا قد احتفظت بالعربية هذا الزمن الطويل لأنها تحمل لأهلها دينا وتمدهم بثقافة ادبية لا تزال إلى اليوم موضع إعجاب منهم ؛ ولكن السبب في احتفاظ الرومانيين بلغتهم مرده - فيما يرجح على الظن - إلي سهولتها وبساطة تعبيراتها ؛ وليس أدل على ذلك من أن تعرف أن المصريين قد استطاعوا التفاهم بها بعد بضعة ايام من اختلاطهم بأهل البلاد ..! ولعل بساطة اللغة مظهر من مظاهر البساطة عند أصحابها . وهم بعد هذا شعب لطيف العشرة سباق إلى المودة والآلفة ؛ وفيما مر بأعضاء الرحلة من الأحداث ما يشهد
بصحة ذلك . وقد يعجب القارئ إذا عرف أن محطة بوخارست قد حفلت عند سفر المصريين بالمودعات من صديقاتهم ، يحملن الهدايا آسفات على فراقهم ، فإذا تحرك القطار بالمصريين ارتفعت بالمناديل أيديهن ، وانهمرت الدموع من مآفيهن في منظر يثير في النفس تأثرا عميقا ، وإن كان يبدو الآن أمام القارئ مثارا للضحك . . ورجال الشرطة في هذه البلاد لا يحمل مظهرهم على احترامهم وتقدير حرصهم علي اداء واجبهم - كما ذكرت من قبل - ولكنهم مع هذا موفورو الحظ من الأدب الجم مع الغرباء - والمواطنين فيما يلوح - فلماذا تكره مثل هؤلاء القوم ..! قد لا تحترمهم حين تلحظ الكثير من مظاهر الإنحلال عندهم ، ولكنك لا تملك إلا العطف عليهم والثناء على ظرفهم والأسف لفرراقهم ؛ وليس في ذلك ما يدعو إلي العجب ، فإن المحبة في الكثير من حالاتها لا تتناسب طرديا مع الاحترام ، عكسيا مع الاحتقار . . !
بقيت ظاهرة اخرى لا ينبغي أن تفرغ من الحديث عن هذا الشعب دون أن نسجلها في هذا المقال : تلك هي وجود المساجد في رومانيا ، أقيمت يوم كانت رومانيا خاضعة لحكم الأتراك ، فلما استقلت رومانيا أبقت على المساجد وتولت بعضها بالرعاية ، وقامت بالإنفاق عليها إلي يومنا الحاضر . . وربما كان السبب في هذا نظرتها إلي هذه المساجد على اعتبار امها متاحف تغري بزيارة الأجانب! ولهذا فإنها تفتح وتغلق في مواعيد محددة كما هو الحال في عيادات الأطباء عندنا ، وبعضها يغلق طوال الأسبوع ولا يفتح إلا أيام الجمع .
ومن أهم هذه المساجد " مسجد كارول " أنشئ في عهد سلاطين الأتراك وجدده كارول ، وتنفق عليه الحكومة الرومانية فتعطي إمامه ومؤذنه وخادمه من الجنيهات المصرية نحو ثلاثة جنيهات ونصف جنيه كل شهر ، وقد اغتبط بعض زملائنا لان يشاد مسجد في بلاد أجنبية ويطلق عليه اسم ملك مسيحي ، واعتبر هذا أروع مظهر للتسامح
الديني في عصرنا الحاضر ، وقد يكون هذا صحيحا ، ولكن أكبر الظن أن الحكومة الرومانية لا تتفق على المسجد باعتباره مقرا لعبادة المسلمين ، بل باعتباره متحفا لزيارة الأجانب ، ولهذا اهتمت بالإسراف في زخرفته ، وعنيت باعداد المقاعد في داخله لمن أراد أن يستريح من زواره ، وعملت إمامه مسلما لا يحسن قراءة العربية ولا يجيد فهمها ، ولا يعرف من تفسير الآيات والأحاديث إلا تكرار ألفاظها - كما اتضح لنا من محاولته تفسير آية منقوشة على أحد حوائط المسجد .
