الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 394الرجوع إلى "الثقافة"

لمناسبة الاحتفال بمرور ٣٥٠ سنة على ميلاد ديكارت :, ديكارت والمجتمع

Share

الإنسان كائن اجتماعي ، تأبى طبيعته حياة العزلة ، لأنه جزء من كل ، ولابد أن يعيش في جماعة من الجماعات وقد كتب ديكارت إلى الأميرة " إليزابث " في ١٥ سبتمبر سنة ١٦٤٥ فقال : " ينبغي أي يعلم كل واحد منا أنه وإن كان شخصا منفصلا عن غيره . . . لا يستطيع أن يعيش وحده ، وأنه في الواقع جزء من أجزاء الكون ، وهو على الخصوص جزء من أجزاء أرض بعينها ، وجزء من أجزاء دولة بعينها ، وجزء من أجزاء أسرة بعينها ، قد اتصل بها بمسكنه وبعهده ومولده " .

ذلك إحصاء للوحدات الاجتماعية عند الفيلسوف الفرنسي ديكارت ، وفيه إقرار يحال الفرد في المجتمع . وبمصيره باعتباره جزءا من كل .

ولكن ديكارت يبدو قريبا جدا من نظرتنا الحديثة حين يرى أن حياة الناس في المجتمع ليست أمرا طبيعيا فحسب ، بل هي قائمة على أفعال متبادلة وعلاقات اجتماعية خاصة بالإنسان من حيث هو إنسان . ذلك أن الناس مرتبطون بعضهم ببعض ، لا باليمين والقسم فحسب ، بل بالصداقة والأخوة أيضا . ونقوم الجماعة عند ديكارت على صداقة شعورية أكمل وأكثر تحققا مما نجد في أخلاقيات أرسطو . وقد كتب ديكارت إلى " قوتيوس " مصرحا بأنه ليس في الحياة الاجتماعية خير أعظم من الصداقة " . وكتب في رسالة إلى الأميرة إليزابث : " ولكني أستثني نوعا من المخادعة يتعارض مع مصلحة الجماعة تعارضا مباشرا يجعلني أعتقد أنه لا يسوغ استعماله ، وهو تظاهر المرء بمصادقة من يريد هلا كهم ، ليتيسر له أن يباغتهم فيصيب منهم مقتلا " .

ولكن الصداقة باعتبارها شعورا اجتماعيا عميقا

ورابطة إنسانية مقدسة ، ليست مع ذلك هى المظهر الوحيد الذي يميز الحياة الاجتماعية ويطبعها بالطابع الإنساني : فهنالك أيضا " الكرم النفسي " ( generosite ) الذي يتحدث الفيلسوف عنه في " رسالة الانفعالات " فيقول : إن كرام النفوس قوم يقدرون أنفسهم إلى أعلى درجة يسوغ لهم أن يبلغوها في تقدير النفس . وكما أنهم يعرفون قدر أنفسهم كذلك يمعرفون أقدار غيرهم ، فلا يضمون أنفسهم دون من يفوقونهم مقاما ومجدا ومعرفة ، ولا يتعالون على من هم دونهم ، لأنهم يرون أن جميع هذه الأمور ضئيلة القيمة بالقياس إلى " الإرادة الطيبة " bonne volonte ) ) التي هى وحدها ميزان تقديرهم لأنفسهم ، والتي يفترضون أيضا وجودها أو إمكان وجودها عند غيرهم من الناس . ولذلك تجدهم لا يحتقرون أحدا ، ويميلون إلى العفو عن الإساءات والتغاضي عن الهفوات وكرام النفوس مطبوعون على القيام بجلائل الأعمال ، وإن كانوا لا يقدمون على شئ ما لم يشعروا بأنهم اكفاء له وهم ، على قلة مبالاتهم بمصالحهم الشخصية ، لا يرون أعظم من أن يعملوا خيرا ، وأن يسدوا إلى الناس إحسانا . لهذا تراهم دائما كاملي الأدب والبشاشة والدمائة ، وعلى أتم استعداد لخدمة كل واحد من الناس . ومع هذا تجدهم سادة لعواطفهم ، مسيطرين على رغباتهم ، منزهين عن نوازع الحسد والحقد والخوف والغضب في معاملاتهم مع الناس .

هذه صورة ديكارتية لكريم النفس ، أو " الرجل الفاضل " وهي تشبه في كثير من الوجوه صورة " الحكيم الرواقي " ورجل المجتمع المثالي الذي يطلق الإنجليز عليه اسم " جنتلمان "( gentleman ) . ويحس القارئ فيما يكتبه ديكارت تصويرا للرجل الكريم ، أنه يعبر عما يراه الإنجليز اليوم مثلا أعلى للرجل " الجنتلمان " ، سواء في الحياة الخاصة أو في الحياة العامة . نجد ديكارت مثلا يناقش آراء " مكيافلي " في السياسة ، فلا يقبل أن تكون الغاية مبررة

للوسيلة؛ ويري أننا لا نستطيع أن نكون فضلاء حقا إلا إذا اتجهنا إلى الخير بوسائل لائقة شريفة، وأن الخير المكتسب بالقوة والطغيان أمر شائن غير فاضل ويحمل ديكارت بهذا الصدد علي الساسة والأمراء الذين يستعملون في سبيل الوصول إلى الحكم مختلف أساليب البغي والمخادعة ونقض مبادئ الشرف ونكث العهود.

على أن الحياة الاجتماعية تعرف أيضا ما يخالف الصداقة والمحبة من تضارب الرغبات وتنازع الأهواء. ولكن هنالك طريقا لتلطيف حدة الخلاف في حياة المجتمعات وإقامة الاتفاق والوئام بين الناس: وهو أن تجعل العقل حكما في جميع الخصومات والمنازعات، وأن تزيد عدد الحقائق العلمية اليقينية، وأن نعمل على إذاعتها في العالم على أوسع مدي. فمن المحقق أن الإحتكام إلي العقل يجعل الحياة الاجتماعية أسمى منزلة وأرفع قدرا.

وللعقل وظيفة أخري: فهو الذي يقرر في حال التصادم بين الفرد والجماعة، أيهما على حق وأيهما ينبغي أن يضحي بنفسه من أجل الآخر. لم يرد ديكارت أن يخضع الفرد للدولة، كما فعل "هجل" وغيره من الفلاسفة ممن جاءوا بعد ديكارت، وإنما ذهب فيلسوفنا في "المقال في المنهج" إلى أن المفكر يستطيع، لو نظر في نفسه واستعمل عقله، أن يهتدي إلي السبل التي ينبغي أن يسلكها، خيرا مما يجد من ملاحظة أخلاق الناس في المجتمع؛ وذهب في رسالته إلى الأميرة إليزابث، في ١٥ سبتمبر ستة ١٦٤٥ ، إلى أن من الخطأ أن نعرض أنفسنا لشر عظيم، لا لشئ إلا لكى نحصل خيرا قليلا لوالدينا ولبلدنا. و "لو أن شخصا واحدا أربي في قيمته على سائر أهل مدينته لكان من الخطأ أن يورد نفسه موارد الهلاك لإنقاذهم".

وتجد الفيلسوف، في رسالة إلى الأميرة إليزابث في أغسطس سنة ١٦٤٥، يعود إلى المبادئ الأخلاقية التى صاغها مذهبا في "الأخلاق المؤقتة" سنة ١٦٣٧،

ولكنه يضع في المنزلة الأولى القاعدة الرابعة وهي استخدامه حياته كلها في تثقيف العقل والتقدم في معرفة الحقيقة.

وإذا فالإنسان الذي يهب نفسه للحقيقة يزيد قدره على سائر أهل مدينته ولكن الأمر على خلاف ذلك إذا كانت الجماعة التى ينتسب الفرد إليها جماعة تتعهد الحكمة وتوليها كبير عناية. وقد كتب ديكارت في ذلك: "يزيد حظ الأمة من التمدن والتهذيب بمقدار حظ أهلها من حسن التفلسف. وأعظم خير تظفر به دولة من الدول أن يكون فيها فلاسفة.

فليس الفرد بحاجة إلي شئ آخر غير التأمل لكي يجد في نفسه المقياس الذي يقيس به خدمته للمجتمع يقول ديكارت في رسالة إلي الأميرة إليزابث: "أعترف أن من العسير أن نقدر، على وجه الدقة، إلى أي مدى يأمرنا العقل بأن نعني بمصالح الجمهور. ولكن ليس هذا من الأمور التي يلزم فيها تحري الدقة الشديدة، بل حسب المرء أن يرضي ضميره، ويحل له أن يجاري في هذا ميوله. فالفيلسوف يقيم هنا وزنا كبيرا للوجدان الانساني وذلك الهاتف الداخلي الذي كان سقراط ينصت إليه في الساعات العصبية، ولكن المنهج الأعلى عند ديكارت يبقي دائما ممثلا في الإعتماد علي العقل، كما أن القصد الأخير هو تحقيق الخير الأسمي.

ولما كان دريكارت محبا للقيم الروحية مؤثرا جانب الإتزان والاعتدال في الامور، فقد كان طبيعيا أن يقصر تقديره على المجتمعات التى تسودها الحكمة، وكان طبيعيا أيضا أن يستهجن الأفعال الخرقاء والتصرفات الحمقاء أو التي لا مبرر لها ومن أجل هذا بدا طابع الحكمة والرزانة والارستقراطية على مذهبه في الأخلاق الاجتماعية، تلك الأخلاق التي تجعل المنزلة الأولى لتفاضل القيم وتقديس الكفايات وإيثار الأفعال الرشيدة.

ولما كان العقل عند ديكارت صفة إنسانية عامة، لا فرق فيها بين طبقة وطبقة أو جنس وجنس،

ولما كان الفيلسوف يحب الحكم الفطري السليم، ولا يترفع عن الاتصال بالشعب، ولا يزدري أن يتكلم لغة الشعب، فمن الطبيعي أن تكون أصول الأخلاق الاجتماعية الديكارتية أصولا ديمقراطية، بإعتبار أن الغرض الأقصي للديقراطية هو التكافؤ في الأحوال الاجتماعية، بحيث يتهيأ لذوي الفطر الموهوبة أن يبلغوا في المجتمع ماهم أهل له من مراتب. لكن تنظيم المجتمع الديكارتي ينحو أيضا نحو الأرستقراطية الفكرية، أرستقراطية الفرد الذي يزكو بالحكمة، ويكتمل وجوده بالعقل، ويتعهد الحقائق الروحية بمزيد العناية.

ويبدو من هذا الوجه أن المجتمع الفاضل الذي يطمح ديكارت إليه مجتمع تشرف عليه أرستقراطية فكرية وقد يرأسه حاكم فيلسوف يكون في الوقت نفسه هو الشرع الوحيد الحصيف. ألم يصرح ديكارت بأن الشعوب التي تحترم من أول الأمر قوانين مشروع حكيم أكثر

تمدننا من الشعوب التي لم تضع قوانينها إلا كلما تألمت من جراء قلة تبصرها؟ ثم ألم ير أن ازدهار أسبرطة لم يكن راجعا إلى صلاحية قوانينها واحدا واحدا علي انفراد، إذ أن الكثير منها بلغ الغاية في الشذوذ ومخالفة الأخلاق الكريمة، وإنما مرجعه إلى أنها كانت تنحو نحو غاية واحدة لأن واضعها رجل واحد؟

آمن ديكارت بمشرع واحد حصيف، وآمن ببعض القوانين الأساسية أكثر مما آمن بالناس وبالتجربة الاجتماعية. ولم ير للسياسة معني سوي احترام بعض المبادىء العقلية التي يضعها ذلك المشرع الوحيد البصير الذي خول له حق التصرف في الشئون الإنسانية.

ذلك هو الأفق الاجتماعي الأخلاقي لفلسفة ديكارت وربما أمكن تلخيص المثل الأعلى الديكارتي في جملة العمل على توحيد المجتمع وجمع كلمته بالعقل، وبتشريع واحد، وبزعامة الصفوة المفكرين

اشترك في نشرتنا البريدية