الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 697الرجوع إلى "الثقافة"

لمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لوفاة محمد اقبال :, جوانب إنسانية من فلسفة إقبال، (١٨٧٦-١٩٣٨ )

Share

الدكتور محمد إقبال فيلسوف الباكستان ، علم من أعلام الإسلام ، وقائد من قادة الفكر فى الشرق ، ورائد من رواد الإصلاح فى هذا العصر . وإلى جانب شخصية جمال الدين الأفغانى ، ومحمد عبده المصرى ، وعبد الرحمن الكواكبى السورى ، وسيد أمير على الهندى ، ستظل شخصية محمد إقبال من أبرز شخصيات التاريخ الإسلامى الحديث .

كان إقبال من أكثر مفكرى المسلمين إحاطة ، ومن أشدهم ابتكاراً فى الوقت نفسه : كان واسع المعرفة بمذاهب الفلسفة الإسلامية ، والفلسفة الغربية ، كما كان على دراية بالمبادئ الأساسية فى العلوم الطبيعية والبيولوجية والاجتماعية . فأمدته هذه المعرفة بمادة خصبة صاغتها عبقريته مذهباً ضافياً طريفاً فيه نفحات من الفلسفة والعلم والفن والدين . وفيه قبسات من مذهب الفيلسوف الألمانى " كانت " وفيه أيضا نزوع إلى العمل ، وتغليب له على جوانب النظر الخالص .

ويبدو لى أن ما حاوله إقبال فى تاريخ الفكر الإسلامى شبيه من بعض الوجوه بما حاوله " كانت " فى الفكر الغربى . وقد عبر إقبال عن آرائه الفلسفية فى طائفة من القصائد كتبها باللغة الفارسية واللغة الأوردية ، فاستجابت لها الشبيبة المسلمة الهندية ؛ ثم نظمها بعد ذلك فى سلسلة من المحاضرات ألقاها باللغة الإجليزية سنة ١٩٢٨ . ونشرها سنة ١٩٣٤ بعنوان : " تجديد بناء الفكر الدينى فى الإسلام " .

إن فلسفة إقبال ذات طابع دينى عميق ، وهى فى جوهرها تمجيد للإسلام ، وبعث الحياة والقوة فى المسلمين وتبشير لهم بمستقبل مجد وفخار إذا ساروا فى حياتهم على

هدى دينهم : " لقد ولدنا ونشأنا فى ظل السيف ، وسرنا وعلى رأس قافلتنا سيد الحجاز ، وإن فى اسمه لعزاء لأنفسنا وازدهاراً لأمالنا " . ولا ينفك إقبال متغنياً بمآثر الإسلام ، وفى غنائه دعوة إلى النهوض والتشمير ، وحث للخطى على منابعة السير مع القافلة ، ولنستمع إليه يقول : " الغاية القصوى للنشاط الإنسانى هى الحياة مجيدة ، فنية ، مبتهجة . وكل فن إنسانى يجب أن يخضع لتلك الغاية . وقيمة كل شئ يجب أن تحدد بالقياس إلى تلك القوة على إيجاد الحياة وازدهارها . وأعلى فن هو ذلك الذى يوقظ قوة الإرادة النائمة فينا ، ويستحثنا على مواجهة محن الحياة فى رجولة . وكل ما يجلب إلينا النعاس ويجعلنا نغمض عيوننا عن الحقيقة الواقعة فيما حولنا. . .  ، إنما هو رسالة انحلال وموت " . وهذه النغمة تذكرنا بنغمات " نتشه " صاحب كتاب : " إرادة القوة " .

غير أن محمد إقبال لم يكن من ذوى الآراء الجامدة ، ولا من أصحاب الآفاق الضيقة ، ولا من المتزمتين الذين يتشبثون بوجهات نظرهم ، ولا يطيقون إلا أن يفرضوها على الناس فرضاً ، بل كان على استعداد دائم لتجديد نظراته تمشياً مع تقدم الفكر الانسانى . ففلسفته لا يقف تطورها عند حد ، بل هى تترك المجال فسيحاً لأبعد إمكانيات المستقبل .

اشتهر عن إقبال أنه : " شاعر الباكستان " و " فيلسوف الاسلام " ؛ وهذا حق لا ريب فيه : فقد كان الرجل من أشد الناس وطنية وأرهفهم إحساساً بآلام قومه ، وقد عمل جاهداً على تحرير وطنه من نير الأجنبى . ثم إنه كان شديد الحساسية والألم لما آلت إليه حال المسلمين ، وكان دائم التفكير فيما يعلى شأنهم ويجعلهم

أمة حية قوية ، ويعيد إليهم سابق مجدهم فى ميادين الفكر والعمل .

إلا أن نظرة إقبال ثم تقف عند حدود القومية الضيقة ؛ وقد كان له من الفطنة وبعد النظر ما يميز بهما بين "الوطنية" الصحيحة - التى هى حب كل ما هو عظيم وجميل وكريم فى التراث الروحى للأمة - وبين " القومية " المتعصبة التى تصبح بتعبيرها السياسى المتطرف عاملاً ملوثاً للسلام والحرية والعدالة فى العالم . وإقبال فى تفكيره " عقلى" و " إنسانى " .

وقد استمد وحيه هذا من تعاليم الإسلام ونبيه الكريم الذى أعلن وحدة النوع الإنسانى ، وحطم أصنام الأجناس والألوان والأوطان . ويتفق محمد إقبال فى هذا مع الكثيرين من المفكرين الإنسانيين من شرقيين وغربيين أمثال الفيلسوف الألمانى : " كانت " والفيلسوف المصرى : محمد عبده ،فنظرته الإنسانية لا تقوم على أساس مادى أو اقتصادى ، كما هو الحال عند بعض مفكرى الغربيين المحدثين ، بل نظرته فى جوهرها قائمة على أساس دينى اخلاقى روحى إنسانى ، فهو يرى أن كل مذهب يقوم على الاستغلال والبغضاء فيما يتعلق بالأفراد أو الأمم ، مذهب غير مقبول : لأنه يتجاهل جوهر الفطرة الإنسانية . وهو يقول فى بعض شعره :

" ما مقصود الفطرة وكنه الإسلام ؛ شيوع الأخوة وفيض المحبة . حطم أصنام الدم واللون والجنس ، وافن ذلك فى الله . انس الفروق بين التورانى والإيرانى والأفغانى وهو يقول فى موضع آخر : " لقد قسم الجشع بنى آدم شعوباً متعادية فتحدث بلغة الحب وعلم الناس دروس الأخوة . ما الفرق بين هندى وأفغانى وتورانى وخراسانى ؟ إنك مقيد مشدود إلى الساحل ، فانطلق إلى فضاء الحرية التى لا حد لها .

إن أجنحتك مثقلة بغبار اللون والجنس؛  يا طائر الحرم ، انفض هذه الأجنحة قبل أن ترتفع وتحلق " .

وقد بين إقبال كيف أن عبادة آلهة الزور ، آلهة القومية والرأسمالية والاستعمار ، قد استعبدت أوربا وآذنت بغروب شمس مدنيتها ، وهو يقول فى إحدى قصائده :

" إلى اليوم لا يزال الإنسان ضحية الاستغلال والاستعمار . وإنه لبلاء عظيم أن ينقى الإنسان فريسة الإنسان ! إن بريق المدنية الحاضرة يبهر الأنظار ، ولكنه بريق صناعى لأهداف مزيفة . وما العلم الذى يفاخر به رجال الغرب إلا سيف معركة فى قبضة جشع مخضبة بالدماء"

ويرى إقبال أخيراً أنه لا أمل للإنسانية فى تحقيق السلام إلا بأن تعمل على التوفيق بين " عقل " الغرب و " قلب " الشرق ، والنهوض لإقامة دعائم عالم جديد تسوده معانى الحب والعدالة والأخوة والإنسانية . وتلك لعمرى رسالة حق وخير وجمال .

اشترك في نشرتنا البريدية