١ - تمهيد :
يطلق لفظ الحرية على معان مختلفة : فمنها " الحرية الفيزيقية " أو " البدنية " وهي قدرة الانسان على تحريك أعضاء البدن ؛ و " الحرية السيكولوجية " ، وهي قدرة على أن يختار فعلا ما من بين افعال كثيرة متساوية من حيث الإمكان ؛ و الحرية المدنية ، وهي ما يخول المجتمع أفراد ، من حق في عمل كل ما لا يلحق بالغير ضررا ؛ و " الحرية السياسية ، وهي عبارة عن حق الانسان في المساهمة والاضطلاع بشئون الدولة ؛ أما " الحرية الدينية " فما هي إلا صورة من صور " الحرية المدنية " ؛ و " الحرية الأخلاقية ، عبارة عن استقلال النفس عن طغيان الشهوات .
على أن الحرية التي نود أن نتحدث عنها هنا هي " الحرية السيكولوجية ، ولقد شغلت في مذاهب الفلسفة مكانا لا يستهان به : نجدها أحيانا مجاورة للحرية الأخلاقية ، كما هو الشأن في فلسفة ديكارت ونجدها احيانا اخري بعيدة عنها ، كما هو الحال عند سبينوزا ، الذي ينكر " الحرية السيكولوجية " ولكنه يضع " الحرية الأخلاقية " فوق كل شئ
والآن ما موقف الشيخ محمد عبده من تلك المشكلة ! وماذا يري من حل لها ؟
- موقف محمد عبده في مشكلة الحرية:
أول ما يلاحظ أن الفيلسوف المصري قد أقبل علي تلك المسألة بروح نفيض بنفحات من " البراجمانزم " ذلك المذهب الفلسفي الذي يقدم العمل على النظر ، والذي ازدهر أوائل هذا القرن بجهود " وليم جيمس " الأمريكاني و " فرديناند كانتنج شلر " الإنجليزي . ولقد يخيل إلي القارئ لمؤلفات الأستاذ الامام ومحضراته أنه يقرأ صفحات من قلم الفيلسوف " وليم جيمس " . كتب الشيخ محمد عبده عن المسألة التي نحن بصددها تلك العبارات الموجزة التي تدل بوضوح على ما ذهبنا إليه من طابع تفكيره " البرجماطيقي " : " لقد خاض فيه ) أي الجبر والاختيار ( الضالون من كل ملة ، خصوصا من المسيحيين والمسلمين ، ثم لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفا حيث ابتدأوا . وغاية ما فعلوا أن فرقوا وشتتوا : فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق ؛ وهو غرور ظاهر . ومنهم من قال بالجبر وصرح به . ومنهم من قال به وتبرأ من اسمه ؛ وهو هدم للشريعة ، ومحو للتكاليف ، وإبطال لحكم العقل البديهي ، وهو عماد الايمان " ) ٢ (
وهذه الجملة تبين بجلاء موقف الفيلسوف المصري في المرحلة الثانية من مراحل نشاطه الفكري ؛ وهي مرحلة كان معنيا فيها بمسائل الأخلاق أكثر من عنايته بمسائل الميتافيزيقا . ومن أجل ذلك نراه يمر مسرعا على المناقشات القديمة التي كان المتكلمون المسلمون قد اثاروها حول
الكسب والجبر والاختيار ، واختلافهم في أن الأفعال هل هي لله خاصة أو هي بقدرة الانسان ، تلك المنازعات التى كان من شأنها في تاريخ الاسلام أن شطرت أهل الاعتقاد فرقتين : هما " القدرية و " الجبرية " .
إن مذهب المتكلمين من الأشعرية قائم في صميمه على فكرة الضرورة في الكون . فاذا سلمنا بتلك الضرورة - ونحن مضطرون من حيث الميتافيزيقا إلى التسليم بها لم يمكن بعد ذلك أن تقوم لمذهب الأخلاق قائمة . قال الفيلسوف " كانت " : لا أخلاقية من غير حرية . وهنا أيضا تبدو أمام نظر " الشيخ محمد عبده " تلك الهوة العميقة التي تفصل بين الأخلاق والميتافيزيقا . ولكنه - ككل فيلسوف برجماطيقي منسق الفكر قد اختار الأمر الأول ، فانضوي تحت علم الأخلاق والعمل . مصرحا بأن مسائل علم الله وقضائه السابق ، من حيث يتعلقان بأفعال العباد ، هي من " سر القدر " الذي لاتكاد العقول أن تصل إليه .
٣ - تفسير " القضاء والقدر " :
لكن ما معنى " القضاء " الذي طالما تحدث المسلمون عنه ؟ أمعناه الجبر والقهر كما يؤكد لنا البعض ؟
لا . إن " الشيخ محمد عبده بري يقينا خلاف ما يذهبون إليه . وهو في رأيه متفق مع غير واحد من أقطاب المفكرين في الاسلام : نراه يفسر " القضاء " بمعنى سبق العلم الإلهي ، ويقول : " إن علم الواجب محيط مما يقع من الإنسان بإرادته ، وبأن عمل كذا يصدر في وقت كذا ، وهو خير يثاب عليه ، وإن عملا آخر شر يعاقب عليه عقاب الشر " ) ١ ( ثم هو يري فوق ذلك أن العلم السابق لا يحول دون أن يكون الانسان حرا في أعماله بوجه ما . قال : " لاشئ من علم الله السابق بمانع للانسان من أن يعمل ، وان يختار مقتضى ذلك . وإذا
كان ما هو في علم الله السابق يتحقق ضرورة ، فذلك لأنه مادام قد أحاط الله به فلابد ان يكون متفقا مع الواقع ، والواقع لا يتبدل " . ) ١ ( وإذا فمن ناحية العقل لا نكون الاحاطة مما سيقع مانعة من الفعل ولا باعثة إليه ) ٢ ( هكذا حاول " الشيخ محمد عبده أن يوفق بين ما هو صعب التوفيق في الظاهر . ولقد أراد من هذا كله ان يثبت أن الانسان حر الإرادة ، وان له كسبا وقدرة على أفعاله .
أما حرية الارادة فدلل عليها بشهادة الوجدان فقال : " كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه انه موجود ، ولا يحتاج في ذلك إلي دليل مهديه ولا معلم يرشده ، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية ، يزن نتائجها بعقله وبقدرها بأرادته ؛ ثم يصدرها بقدرة ما فيه " ) ٣ ( ولو لم يكن الأمر كذلك افكان إجماع الناس ينعقد على نسبة الأفعال إلي أصحابها ؟ " الوجدان يشهد والحس يشاهد ان الذي يرفع يده بالسيف ويضرب آخر فيقتله ، هو الذي ضربه . ويقول الرائي والمخير إن فلانا قتل فلانا أو ضربه أو اعتدي عليه فنسبة الأفعال إلي من صدرت عنه من العباد مما لا يحتاج إلى بحث ولا نظر " ) ٤ (
والذين ينكرون أن يكون للانسان حرية ما عليهم إلا أن يفكروا في معنى الأوامر الإلهية : أفيعقل ان يكون لهذه الأوامر قيمة ما ، إذا لم يكن للانسان الاختيار في أن يطبعها أو أن يعصها ؟ بل لقد قامت أحكام الشريعة جميعا على هذا الأصل : وهو أن الانسان مسئول عما يفعل : " ولو كان فعل العبد ليس له لبطل تكليفه به . إذ لا يعقل
أن يطالب شخصي بما لا يقدر عليه وأن يكلف بما لا أثر لإرادته فيه " ) ١ ( ، وإذا فالوجدان والإجماع والعقل والشرع كلها متفقة على نسبة أفعال الانسان إليه
ولكن ليس قصد الشيخ من هذا أن يذهب إلي القول بأن للإنسان حرية مطلقة ، كما قد توهم البعض : فحرية الاختيار لا متناهية عند الله ، ولكنها متناهية عند الانسان . وليرجع كل إنسان إلي تجاربه ، وما قد يقع له من خطوب وأحداث ، عندئذ يتبين أن في الكون قوة أسمى من أن يحيط بها قدرته ، وأن وراء تدبيره سلطانا لا تصل إليه سلطته ) ٢ ( : ومما قام عليه الدليل ، بل كاد يصل إلي البداهة أن " جميع الأشياء راجعة إلي الله ، ووجود المكنات إنما هو نسبتها إليه ، ولا يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه . . ومثل هذا يقال في عظم قدرة الله ، وانه إن شاء سلبنا من القدرة والاختيار ما وهبنا ، فهو أمر نشاهده كل يوم :تدبر شيئا ، ثم يأتي من الموانع من تحقيقه ما لم يكن في الحسبان . ونتناول عملا ، ثم تنقطع قدرتنا عن تتميمه . كل ذلك لا نزاع فيه . وشمول علم الله لما كان ، ولما يكون قام عليه الدليل ، ولا شبهة فيه عند الملبين " ) ٣ ( . وإذا فالإنسان مضطر من جهة " أن يعتقد بأن الله خالي كل شئ على النحو الذي يعلمه وهذا هو معني القضاء ؛ ثم لا بد له من جهة أخري " أن يقر بنسبة عمله إليه " كما هو بديهي عند أهل النظر السليم .
والحق أننا إذا نظرنا إلي القضاء " من وجه ما تبدي لنا ذلك اللفظ اصطلاحا عربيا خاصا يدل على ما يسعي في الفلسفة الحديثة " مبدأ العلية " . ولقد كتب الشيخ محمد عبده من مقال في " العروة الوثقى " منذا كثر من نصف قرن ما نصه : " كل حادث له سبب يقاربه في الزمان .
) والإنسان ( لا يري من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه ، ولا يعلم ماضها إلا مبدع نظامها ، وإن لكل منها مدخلا ظاهرا فيما بعده . فيتضح إذا ان كل ظاهرة من ظواهر الكون سببتها العلة السابقة عليها " وإرادة الانسان إما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة . وليست الارادة إلا أثرا من آثار الادراك . والادراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس ، وشعورها مما اودع في الفطرة من الحاجات . فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره ابله فضلا عن عاقل ،وإن مبدأ هذه الأسباب التي تري في الظاهر مؤثرة ، إنما هي بيد مدبر الكون الأعظم الذي ابدع الأشياء على وفق حكمته ، وجعل كل حادث تابعا لشبهه كأنه جزاء له "
وبعد هذه المحاولة الطريفة لتخطيط " مبدأ العلية " آراد الشيخ محمد عبده ان يبين في المقال نفسه ان ارتباط العلل ذلك الارتباط الذي يطلق الفلاسفة عليه اسم " التحديد " أو " التعين " Demnrsment ( هو مبدأ علمى تقوم عليه العلوم الانسانية المختلفة ، كالتاريخ والاجتماع والسياسة وعلم النفس - فضلا عن العلوم الطبيعية
على أن هذه ليست أول مرة في اللغة العربية يستعمل فيها لفظ " القضاء " مرادفا - فيما يبدو - للفظ " التعين الفلسفي ، ومخالفا بهذا الاعتبار لمعنى " الجبر " الذي يدل على الالتزام والقهر وسلب كل حرية . فلقد استعمل الفيلسوف " ابن رشد " ) ٣ ( من قبل لفظ " القضاء " بالمعنى الذي أراده هنا " الشيخ محمد عبده
ولكن الأمر الذي حرص الشيخ المصري علي
إظهاره في هذه المسألة كلها هو أن الاسلام ليس - كما زعم الكثيرون - دين الجبر وإنكار الحرية فمذهب أهل الحق من المسلمين هو ان الله تعالى ، وإن كان يعلم ما سيحدث من الانسان ، يترك له مع ذلك حرية افعاله الخاصة . وليس في ذلك اي تناقض ؛ بل بالعكس إن انسجاما عميقا يتم بين فعل الانسان وفعل الله : " ولا يخالف بينهما في الحقيقة . فالله فاعل من حيث العبد فاعل ، والعبد فاعل من حيث الرب فاعل . والوجود في جميع مراتبه مختار " ) ١ (
نتبين من هذا أن نظرية " محمد عبده " في حرية الأفعال الانسانية تتجاوز نظرية ، الكسب " التي قال بها بعض علماء الاسلام ، خصوصا الاشعري و " الجويني " و " إمام الحرمين " : ذلك ان " الشيخ عبده لا يلتمس الحرية - كما يريد جمهور الأشاعرة - في ذلك الفعل الوهمي ، فعل القدرة الحادثة التي لا أثر لها ، وهي ما يسمونه " كسبا " . . ثم هو لا يلتمس حرية الفعل في عدم التعيسن الناشئ عن غياب العلل الطبيعية . بل بالعكس نجد الحرية عند الفيلسوف المصري عبارة عن تعين الإرادة التي ترعي إلي غاية وتختار خير الوسائل لبلوغها
وبناء على ذلك صرح الأستاذ الإمام بأن واجب كل مسلم هو أن يعتقد بأن الله خالف كل شئ على النحو الذي يعلمه ، وبأنه يجب عليه مع ذلك ان يقر بأن أعماله منسوبة إليه ، وان يعمل بما أمره به ويتجنب مانهاه عنه ، باستعمال تلك الحرية التي يجدها من نفسه . وليس على المسلم بعد هذا ان يبحث فيما وراء ذلك ؛ وقد نهي القرآن والحديث عن الخوض والنزاع في " القدر ، لما فيه من جسيم الخطر . على أن الايمان ليس بحاجة إلي بحث هذه المشكلة الغامضة وإنما التطلع إلي حلها هو " من شره العقول في طلب
رفع الأستار عن الأسرار " . وليس في مقدور العامة أن تنفذ بصائرها إلى اسرار الحرية والقدر : فذلك شأن من شئون القليلين من أهل الولاية والصفاء
ما أحكم هذه الدعوة التي يوجهها الأستاذ الإمام إلي علماء المسلمين ليكفوا عن ذلك المراء الباطل والجدل العقيم الذي استمرت ناره زمانا حول تلك المسألة ! إن مما يستحق التنويه به في هذا المقام هو ان " الشيخ عبده قد استطاع موقفه الحازم ان يخلص هذه المسألة كلها من المناقشات الطويلة القديمة التى آثارها المتكلمون عن أفعال الرب وأفعال العباد . وهنا ، مرة اخرى ، قد انبثقت من تعاليم الفيلسوف المصري تلك الروح البرجماطيقية التي أنقذت فكره وعمله من النزعات " المدرسية " الخائبة التي كانت وما فتئت إلي عهده ذات سلطان كبير على النفوس .
) للبحث بقية (

