الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 270الرجوع إلى "الثقافة"

لندن فى الليل ( ١ )

Share

ولماذا اخترت هذا العنوان : " لندن في الليل " ؟ أفيكون الإنجليز في الليل غيرهم في النهار ؟ قد يكون شئ من هذا ما أغرب الإنجليزا ما أغرب طبائعهم واذواقهم! إن هذا الطفل الذي كان يلاعب الفئران والأرانب والجرابيع في ظلال تمثال الشباب الخالد في " هايد بارك " يمثل الإنجليز في ذوقه وفي طبعه

لقد رأيت الإنجليز في النهار ، فرأيت فيهم الجد والنشاط والهدوء والنظام والرزانة والبساطة ، ورأيتهم  في الليل . رأيتهم في ملاهيهم ، في هذه الأماكن التي ينسي فيها الإنسان نفسه ، فيظهر في حقائق مظاهره . رأيتهم  في هذه الأماكن التي يطرح فيها الإنسان ظاهره ويلقي على العيون باطنه ، فمن رأيت ! وما رأيت!

إن ما لقيته في النهار من جد وهدوء ، ووقار وبساطة قد انقلب في الليل إلي أضداده ، فالجد أصبح عبثا ، والهدوء ضوضاء ، والوقار خفة ، والبساطة غرابة . هذا هو الإنجليزي بحقيقته الناطقة ، إنه ابن الطبيعة ، ومثله في الحياة مثلها ؛ فهي تجد وقت الجد ، وتعبث وقت العبث ، وتهدأ حين الهدوء ، وتضج حين الضجيج ، وتخف زمن الخفة ، وتوزن زمن الرزانة !

قال لي مستشرق انجليزي في " لندن " وهو الأستاذ "جيب ": تجمع " لندن " التناقضات . قلت له : أفلا تذكر يا أستاذ واحدة من هذه المتناقضات : قال : انظر إلي مباني " لندن " إنك تجد في بعض الشوارع مباني عظيمة بنت هذا العصر وحضارته ثم تجد وراءها او علي

صفها او إلى جنبها مباني حقيرة من ميراث العصور القديمة ، اقلا تري في هذا كله شيئا من المتناقضات ؟ أجل ! إني رأيت هذه المتناقضات ، رأيتها في المباني ، ورأيتها في الطبائع

سهرة من السهرات في ملهي من ملاهي لندن وهو : " بالاديوم " صورت لي هذه المتناقضات بمجامعها . قلت لرجل فرنسي مقيم في الفندق الذي أقمت به ، وهو يسكن " لندن " من زمن بعيد : أفلا تدلني على ملهي أقضي فيه ليلتي ، قال : إذهب إلي بالاديوم .

ذهبت إلي هذا الملهي ، وطلبت الدخول ، فقالوا لي : الآماكن محجوزة من يومين ومن ثلاثة أيام ، وقد سمعت وأنا أطلب الدخول رجلا من بلجيكة يقول لصاحب الملهي : إني جئت من " أنفرس " خاصة لأشهد هذا المسرح ، فكيف تقول لي : لا محل لك . وبعد يسير من الجهد دخل هذا البلجيكي ، ثم بعد ربع ساعة أذن لي في الدخول ، وقد حثك القوم في المسرح فليس فيه مكان خلاء !

أنوار ضئيلة كأنك في غرفة من فرف لويس الخامس عشر ، ليس في غرف المسرح شئ زاء ، ولكن فيها أشياء تدخل عليك الدهشة . ماذا علي المسرح ؟ من كل فاكهة زوجان . إنها لمناظر مختلفة لا يجد فيها شيئا من الوحدة ، لا في فنون الرقص واللعب ، ولا في اجناس الستائر ، ولا في ضروب التمثيل ، وقد كان عدد المناظر خمسة عشر منظرا

للانجليز علي المسرح أدق الحركات في المشي والركض والإشارة والضرب على الآلات ، فأين الجد الذي شاهدته في النهار اين الهدوء ، أم اين الرزانة ؟ قليلا ما نري الفرنسي يضحك وهو يشاهد مسارح الليل ، ويتأمل معارضها . إنه لا يضحك هذه الضحكات التي يضحكها الانجلزي وهو بشاهد مسارحه في " لندن " . فالانجليز أصحاب طرب ،

وأصحاب إفراط في هذا الطرب ، إنهم يميلون إلي الفكاهة اكثر من ميل أي شعب إليها . ولكن فلنجمل فرقا بين نوادر الفرنسيين وبين نوادر الانجليز فالإنجليزي يضحك من ملابس صاحب النادرة على المسرح ، ومن هيأته الغريبة ، أما الفرنسي فانه يضحك من النادرة نفسها ، فإن نوادره بسيطة لا تحتاج إلى غرابة في اللباس أو في الهيأة أو في اللون ؛ فنوادر الانجليز على المسرح محاسبها في تأليف المتناقضات . فنادرة الانجليز مركبة ونادرة الفرنسيين بسيطة .

صاحب النادرة الفرنسية علي مسرحه مقتصد في إشارته ولباسه وهيأته وألفاظه أما صاحب النادرة الانجليزية فإنه مسرف في هذا كله : في الإشارة وفي الكلام وفي اللباس . فالنادرة الانجليزية لها ضجة اما النادرة الفرنسية فحلاوتها في بساطتها

يميل الانجليز وهم في المسارح إلى الضحك وإلى الاستغراق في هذا الضحك ، فيبنا نجدهم وهم يشاهدون في المسرح منظرا هادئا من مناظر الرقص التي لبس فيها شئ من الهزل وكأن الطير على رؤوسهم ، إذ ينقلب هدؤهم فجأة في مشاهدتهم الهزل إلى جلبة وضوضاء حتى يدوي المسرح كله بضحكهم ، نسائهم ورجالهم ، شيوخهم وفتيانهم ، فإذا وقع نظرهم في المسرح على صاحب نادرة متلفف في برميل من " الكاوتشوك " يعبث به رفقاؤه فيضربونه على بطنه وعلي ظهره ويرفعونه ثم يخفضونه ، ثم يمشون عليه وهو يشبه الإعلانات التي نراها في الطريق من نوع " ميشلان " إذا وقع نظرهم على هذا كله وعلي اشباهه ضحكوا وضحكوا وصاحوا وصفقوا وخفوا وخبطوا الأرض واستعانوا بكل الحركات وبكل الأصوات على الإفصاح عن طربهم وعن إفراطهم في هذا الطرب .

فالأنجليزي بسيط ومركب في وقت معا ، إنه يجد ويهزل ، وإنه يعبس ويضحك ، وإنه ينقبض وبنبسط ،

ثم يطرب ثم يبالغ في طربه ، فلا تستطيع أن تدرك روح الانجليز حق الإدراك إلا في بلادهم !

هل يدري القارئ الكريم كيف انتهت الفصول التي أشرت إليها ، إنها انتهت بفصل من فصول " كره كوز " إنها انتهت بألاعيب " الكره كوزاني " نفسه ، بصوته ويخبطه وبحركاته ولم ينقصها إلا السراج والفتيلة بدلا من الكهرباء .

على أني قبل أن أفرغ من تدوين هذا الخاطر أريد أن أرجع إلى الكلام علي نوادر الانجليز ، فأجعل فرقا بين نوادرهم على المسرح وبين نوادرهم في كتب أدبهم . لقد عرفنا فكاهتهم على المسرح فهي مركبة غريبة ، أما فكاهتهم في كتب أدبهم فانها بسيطة دقيقة . إن حكاياتهم المشتملة على روح الفكاهة قد طبعت بطابع انجلزي خاص ، فمعظمها يغلب عليه هذا الطراز من القصص الذي يضحك صاحبه ولكنك لا نراه يضحك ، والمهارة فيها لا تظهر إلا في نهايتها ، في هذه العبارة الأخيرة التي لا تخلو من خبث إلا أن هذا الحكم لا يجوز إطلاقه . ولا بأس بأن أذكر نمطا من قصص الانجليز أختم به هذا الفصل وقد انتخبته من حكايات الكاتب " كستلس" قال هذا الكاتب :

" كان التاجر " لو ونج " مقيما بولاية من ولايات الصين ، فلما عجلت عليه الثروة فأصبح من المياسير أحب أن ينتخب مؤدبا لولده ، فبحث في الولاية كل مبحث من مؤدب من أهل البلد ذي سمة في العلم ، فأعياء الأمر إذا لم يجدوا له في كل الولاية مؤدبا جديرا بهذا الاسم . كان أكثر المؤدبين غشاشين ، فمعظمهم قد رشوا الذين امتحنوهم او لم يصلحوا إلا للخدمة في مأوي الأطفال .

فلما انقطع أمله من الظفر بحاجته ، زار أحد أصدقائه في ولاية قريبة وهو "سين لون " واستعان به على التفتيش عن مؤدب ، فشرع " سين لون "، في العمل

ما كاد ينقضي يومان أو ثلاثة ابلغ على هذه الزيارة حتى قوجي ، رجال الولاية الدين يحملون شيئا من العلم بدعونهم إلي دار " سين لون " .

وبينا الضيوف يجولون في الدار بين أعشاش الطير ، ومسابح السمك إذ عجبوا من ظهور رجل علي مقربة من الباب يحمل ولا ريب نبأ عظيما

صاح هذا الرجل : أيها السادة الشرفاء ) ها هو الممتحن الأدبي علي الطريق ، متوجه نحو الدار ليشرع في امتحان المؤديين الذين تجمعهم هذه الدار !

أما السادة الشرفاء فقد قام الدليل علي قلة أدبهم إذ أجمعوا علي النهوض وفروا مسرعين ، وقد كان "سين لون " و لو ونج " جالسين عند رأس المنضد فنظر الواحد إلي الآخر نظرة حزينة ، وقال الثاني للأول :

هذا ما كنت اخشاء إنهم كلهم غشاشون ! قال له الأول : إنك مخطئ  انظر إلي الشيخ " شين لو " فإنه جالس علي الطرف الآخر من المنضد ! فأسرع " لو ونج " من فوره إلي المؤدب العجوز وقال له : أيها السيد الشريف :  أتريد أن تكون مؤدبا لطيفا لولدي الأخبل ! وقد كان كلامه فيه شيء من التقعر الذي تقتضيه آداب الصين

صب هذا الرجاء في أذن المؤدب ثلاث مرات قبل أن يثبت الحادث الفظيع في ذهنه وذهن صديقه ، ما هو الحادث  ؟ مات " شين لو " بمرض القلب !

لقد كان الرجل الميت من بيت أرفع من بيت الصديقين فما الحيلة ؟ لا شك أن أهله سينتقمون انتقاما رهيبا ، إلا انه خطر ببال  " سين لون " خاطر فقال : للكاهن الكبير

في المعبد البوذي قوة عجيبة في السحر ، فلتذهب إليه ، ولنستعن به !

فذهبا إليه فوجدا الكاهن مشغولا بمسح تمثال  " بوذا " الذي كان يبتسم ابتساما رقيقا للناس عامة ، ولكل واحد من الناس خاصة ، وقد كان أجر الكاهن في السحر باهظا جدا ، فدهش الصديقان منه ، ولكنهما ما أرادا المساومة ، نظرا إلي الحاجة الماسة .

جمع الكاهن أعوانه ، ومشوا في موكب يضربون بأصناجهم وانطلقوا إلي دار " سين لون " ، ولما وصلوا إلي الغرفة التى كان الضيوف فيها محتفلين دنوا علي مهل من جثمان " شين لو " متحلقين حلقات كانت تضيق كلما قربوا من الجثمان ، ثم وقف الكاهن ذو الهيأة الجليلة في ثيابه المتموجة على مقربة من رجل الميت ، وانخني عليه ووشوشه قائلا :

شين لو ! إن الرجل الموكول إليه أمر الامتحان الأدنى قد ذهب إلي بلد الموتي في امتحان المؤدبين الوجودين بين الموتي .

فما كاد " شين لو " يسمع هذا الكلام حتي انتفض وعادت إليه حياته !

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية