الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لوحات من المدينة, بين المزابل

Share

ارخي الليل سدوله على المدينة واختفى جيش العاملين في النهار وراء ابواب منازلهم وانطوى عالم كامل على نفسه بما يكتنفه من آمال وآلام وقفرت الشوارع وسكنتها الرياح فانبعث عندئذ عالم آخر اشخاصه أقرب الى الأطياف والخيالات منهم الى العباد وهي اطياف وخيالات تصبغ علم ذلك العالم الصامت شاعرية فريدة وجوا من الغرابة والسحر

ولعل اغرب الاطياف فيها طيف باحث المزابل .. انك تراه يغادر كوخه فى " الجبل الاحمر " او في " الملاسين " او في " السبخة " او فى احدى مدن الصفيح او القصدير التى تحيط بالمدينة مرتديا اسمالا لا تبدو في الظلام انها بالية رغم انها شهدت عصورا وعصورا ، ويحمل بيده او على ظهره قفة قديمة تزينها رقاع من القماش فقدت الوانها الاولى واصبحت تقارب جميعها اللون الرمادى أو اللون الاسود ويربط بين مقبضيها حبل يتيح لحاملها مسكها بيد واحدة بينما تمسك اليد الاخرى بقضيب حديدي طويل معقوف في احدى طرفيه .

ثم تراه يمشي الهوينا ! لا يسرع في خطوته لان الليل طويل ولا داعي للسرعة ما دامت النتيجة في الآخر هي .!

انه لا ينظر للسماء سواء أكانت صافية ام تغشيها بعض السحب ولا ينظر الى امامه لان كل همه فى الارض . . الارض التى يقف عليها ويمشي فوقها . . الارض مصدر الثروة من كل صنف .

وقد يحمل معه ان كان من ذوى الثراء والسعة من بين اهل فنه وصناعته مصباحا يساعده على البحث ويجعله اقرب الى ذلك الرجل اليوناني الشهير صاحب المصباح والملعقة " ديوجين " منه الى اى صنف آخر من البشر . . مع فارق واحد ، وهو ان

ديوجين كان يبحث عن انسان ، اما هو فانه يبحث عن كدس من الزبالة ، عن كوم من بقايا الاطعمة ، فاذا ما ظفر بضالته المنشودة وقف امامها وازاح قفته عن كتفه وراح يعالج الكوم بقضيبه المعقوف وشرع يبحث ..

انه لا يبحث عن اكل فهو يعرف ان ذوي السعة لا يلقون بما يمكن ان يؤكل فى المزابل ، ولا يبحث عن بقايا المأكولات فهي لا تجديه نفعا وان كانت تجدي الخنازير ولكنه يبحث عن اشياء قد تكون ذات قيمة في عالمه هو وليست ذات قيمة في عالم اصحاب المنازل الذين القوا تلك الزبالة امام منازلهم ..

يبحث عن قوارير فارغة او علب من الصفيح او خرق من القماش او رقاع من الورق او صحون واطباق قديمة او سدادات من الفلين او مفاتيح علب مستعملة ... اى يبحث عن كل تلك الادوات او المراد التى يسميها العامة " الخردة " دون حصر او تحديد . ويبيت الرجل يحرك اكداس الزبالة بيد ويلتقط بالاخرى مكتشفاته ليضعها فى القفة الى ان يتأكد من " فراغ " الكدس من كل ما هو " صالح " او " نافع " .

ويبيت ينتقل من كدس الى كدس ومن زقاق الى زقاق ومن شارع الى شارع الى ان تمتلىء قفته ، وقد يمضي الليل دون ان يبارح حيا واحدا ، وقد يضطر الى زيارة احياء عديدة قبل ان يحصل على " زاده " ويدركه الصباح احيانا وقفته لم تمتلئ بعد ويسعفه الحظ احيانا اخرى فيمتلىء له الوطاب بسرعة . ولو شاهدته مرة عند عثوره على"كنز" مثل قفل او زر ثوب او سكين او شوكة . . لرأيت اساريره تتفتح والبشر يعلو وجهه وبريقا يلمع في عينيه في الظلام ، ولرأيته بعد ذلك يقلب كنزه على ضوء المصباح ويقومه حتى يدرك الثمن الذي يمكن ان يحصل عليه ببيعه غدا في سوق الخردة .

وهكذا يمضي الليل منكبا على الارض ينشد منها رزقه حتى اذا ما وجد الكفاية قفل الى كوخه متعبا ومكدودا يدفع برجليه ، او تدفع به رجلاه الى الامام ، وظهره يرزح تحت ثقل القفة ، ويبلغ كوخه فيلقي بيضاعته في ركن ويلقي بنفسه في ركن آخر لينعم بشئ من الراحة الى ان تطلع الشمس على الدنيا .

اشترك في نشرتنا البريدية