الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370 الرجوع إلى "الثقافة"

لوح الحياة

Share

كل شئ مسطر مكتوب

وهو لوح عن الوري محجوب

فيه هذي المني وهدى الخطوب

خطً ما خطً من سطور القضاء

لا تحاول إبدال ياء بباء

فالأواني مقدرات تصير

والمواضي والحادثات سطور

ضقت ذرعا يا مرء لا حو -

ل ، لا طول لردها ، لا احتيالا

كذلك راح عمر بن الخيام ، الشاعري الفلكي الفارسي يطلق لتأملاته العنان ، وهو بطل من ثغرة خيمته المصنوعة من وبر الإبل ، وكذلك حاول أن يصور في القرن الحادي عشر ، أواني الحياة ومواضى الأيام ، فرفع بصره إلي العلاء ، وأجال طرفه في النجوم والأقمار ، من " كل سار وغار " وتتبعهن هائمات في " الفلك الدوار " " فاعتراء الدوار " أمام تلك القدرة الفائقة ، التى جعلت " هذي الحياة كالجوكان (١) ونحن فيها :

تلك الكرات والخيال هو رب الفضا وهذا المجال

فتخشعت نفسه أمام ذلك " الخيال " الذي لا تدرك مدى قدرته أبصار الخلائق ، ولم يسعه إلا أن يقول :

فلنسلم لربه تسليما

فهو من كان بالمصير عليما

منذ كانت هذي البرايا سديما

وأدرك أن ذاك الذي كان بالمصير عليها ، يعرف أننا لا نستطيع علم الأشياء الغائبة إلا بما نشاهده من الأشياء الحاضرة ، ولذلك لا يمكن أن تكون يده التي أعدت لنا لوح الحياة ، بدأ مستبدة عانية ، فإنها لا تسطر خطوط ذلك اللوح ، قبل أن تحيا هذه الحياة ، وكذلك يجب أن نوقن بأن الحظوظ وطوالع النحس ، لا تتصرف فينا ، إلا بقدر انقيادنا الأعمى لها ، واثمارنا بما ترسمه لنا ، وأن الذي نشكوه من نكود الحظ العائر ، أو تحوس الطالع ، دليل جحودناً قدرة " رب القضاء " ولا ينبغي أن نعزوه إلي " النجوم والأقمار " . وينصحنا الخيام بأن " تعده أمثالا " وبأن نعلم أن الصنع متصل بالصانع أبدا ، وأن كينونة العوالم غير المنظورة توجهنا وتسدد خطواتنا ، وتسهر على حركاننا وسكناتنا ، ولا تأخذنا بالجبرية فالإساءة والإحسان ، وكل ما يختلف علينا من النقم والنعم ، من فعلنا ، بل إن جميع ما يعرض لنا في الدنيا من إبلاء وبلوي عمد أو اتفاق ! أو ليس الخيام هو القائل : " لقد بعثت إلي روحي في العالم غير المنظور ، رسالة عن الحياة المقبلة لكي نقرأها فعادت إلي روحي بعد قليل وقالت : إنني أنا نفسي الجنة ، وأنا النار "

حقا أن كل يوم من أيام حياتنا هو وحدة كاملة نحياها حياة مستقلة تامة ، ومتى انقضي ذلك اليوم سجلت سطوره في لوح القاضي الأبدي ، الذي لا يمكن ان تتمحي منه كلمة أو حرف واحد . وها هي سنة جديدة ، قد سطحت علينا بإشراقها مند أيام لتضاف إلى لوح وجودنا ، فهل يستطيع كل منا ان يقطع على نفسه العهود في غضونها فيقول :

" إني سأبدأ من جديد في هذا الصباح ، فاصطنع لحياتي دستورا أسمي وأنقي من ذاك الذي اتبعته في سالف أيامي .

وسأثني عزمي عن الوقوف ، لتعقب سقطات جاري ، وتتبع عفواته ، وترصد عثراته وإعلانها للملأ بالصوت الجهير .

وسأحبس عناني وأقل خطاي عن الجلوس ، للانصراف إلى التبرم والتذمر ، وسد اذني عن الاستجابة للصوت الذي يدعوني إلي واجبي في صراحة ولين وحسم . ولن أضيع لحظة في الرثاء والعويل ، ولن يعرف قلبي الوجل والتهيب .

وسأجبل الطرف حولي في حابين ، منقبا عن المآثر المحمودة ، والمناقب المشكورة التي بشيع بالثناء خيرها ، ويحمل في الصحائف ذكرها ، وسأبحث عن الروائع التي تغيب عن بصر كل متأفف متسخط !

وسألتمس أسباب الرضى في المسالك المحتومة التي لا تنطلق نفسي لاجتيازها ، وتحتوى مشارفها .

وسأتجنب الإحساس بالامتعاض والخنق حين أري ان الآخرين قد سبقوني في العلم والفضل ، وأبروا علي .

ولن أدب لمنافسي في قلبي عقارب الحسد ، وأبرز لهم صفحة المباراة ، لأنهم قد بلغوا المنزلة التى اشرأبت إليها أعناق الآماني ، بل سأصفهم أجمل وصف ، وأذيع مفاخرهم ، واطنب في ممادحهم وفضائلهم ، واقضيهم حق اللهج بها وأؤديهم مفترض إذاعتها ، وسأجاهد لكى أجري معهم حقا في عنان ، وأثبت أني من أكفائهم وعدلائهم . وسأحاول ان أبصر على الدوام الجمال المسائل أمامي في الصحو والغيم .

وسأكف عن تفريع الغير والإقبال عليه باللوم ، والإلحاح في مناداته إلى واجبه وإظهاره عليه ، لآزداد عناية بمعرفة واجي ، مذكرة نفسى بقول الشاعر :

يا أيها الرجل المعلم غيره     هلا لنفسك كان ذا التعليم

نصف الدواء لذي السقام وذي العنا

                             كى ما تصح   به   وانت  سقيم

ولقد قال الخيام الذي انصرفت في هذا الصباح الغامي إلي تلاوة سيرته

فاغتنم فرصة البقاء فإن ال

                             موت ما عود الفتي إمهالا

فما أحرانا بأن نغتنم فرصة هذا البقاء لكي يحيا حياة نافعة

ما أحرانا بأن تمد يد العون إلي مجاهد نبيل أدركه في كفاحه المثار والحوار في تمكنه من استرداد اداة دفاعه ليستأنف اجتهاده المقدس !

ما أحرانا بأن نستعير من الشمس شعاريرها كي تنفذ إلي بعض النواحي المظلمة في وجودنا قبل ان يخط ما يخط من سطور القضاء في الملوح المحجوب ولا تملك حولا ولا طولا لمحاولة إيدال الياء فيه بيباء

قال تعالى : " وان ليس للانسان إلا ما سعى ، وان سعيه سوف يري ، ثم يجزاه الجزاء الأوفي ، وان إلي

ربك المنتهي ،

اشترك في نشرتنا البريدية