الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 348الرجوع إلى "الثقافة"

لويز، قصة لسومرست موم

Share

عرفت لوزير قبل زواجها ، وكانت حينئذ فتاة هزيلة ، نحيلة ، ذات عينين واسعتين حزينتين. وكان والداها يحبانها حبا هو العبادة ، فقد اصيبت بالحمى القرمزية وتركها المرض ضعيفة القلب ، وكان عليها ان تأخذ منتهي الحيطة والحذر نحو نفسها . ولما تقدم توم ميتلند لخطبتها لم يرق ذلك والديها ، فهما يعتقدان دائما ان ابنتهما لن تساعدها صحتها الضعيفة على ممارسة حياة الزوجية . إلا أن توم كان ثريا ولم تكن حالهما هما على ما يرام ، وقد وعدهما أن يقوم بكل الواجبات المطلوبة منه نحو زوجه الضعيفة ، فقبلا أخيرا وقدماها له وديعة مقدسة

وكان توم ميتلند رياضيا ، قوي البنية ، جذاب المنظر : وقد شغف بلويز كل الشغف ، وكان يعتقد دائما انها لن تعيش طويلا  نظرا لضعف قلبها ، فعمل ما في وسعه حتى يفعم ما تبقى لها من سنوات قليلة بالهناء والسعادة . ولقد هجر هوايته الرياضية ، لا لأنها منعته عن ذلك ، إذ كان يسعدها ان تراه يلعب الجولف أو يذهب إلى الصيد ، ولكن السبب كان تلك الأزمة القلبية التي تعتريها كلما حاول ان يتركها يوما لبعض شئونه الرياضية . كما انه إذا ما قامت بينهما مناقشة كانت تسلم برأيه مسرعة حتى لا تغضب فتعاودها أزماتها القلبية وتضطر إلى ملازمة الفراش لمدة أسبوع على الأقل ، ولم يكن هو جبانا ليتسبب في المها أو غضبها .

ولكني لا حظت مرة أنها سارت على قدميها مسافة ثمانية أميال في رحلة قامت بها . فلفت نظر زوجها إلى أنها أقوى مما كنا نعتقد . . ولكنه هز رأسه قائلا :

- كلا . كلا . إنها في غاية من الضعف ، ولقد

عرضت نفسها على اشهر الإخصائيين في أمراض القلب ، وقرروا جميعا ان حياتها معلقة بخيط . . ولكن روحها لا تقهر . .

وحدثها زوجها عن ملاحظتي التي ابديتها بشأن قوتها فإذا بها تقول لي :

- سأدفع ثمن ذلك غدا . . وسأطرق باب الموت . .

ولكني همست إليها : أنا أعتقد أحيانا أنك تقوين على عمل أي شئ يروقك ؟

فلقد لا حظت أنها إذا كانت في حفل وأعجبها فهي ترقص حتى الساعة الخامسة صباحا ، أما إذا لم يرقها فهي حزينة متألمة ، وعلى زوجها ان يعود بها في وقت مبكر . ولذلك لم ترحب بملاحظتى السابقة ، فنظرت إلي في ابتسامة حلوة ولو أن عينيها كانتا جامدتين وأجابتني قائلة :

- لعلك لا تتمني أن أخر صريعة حتى تستريح انت !

ومع ذلك فان لويز قد عمرت اكثر من زوجها ، إذ أصابته نزلة شعبية حادة في إحدي رحلاتهما البحرية ، وكانت هي في احتياج إلى كل الغطاء الموجود لتدفئتها . . ومات هو فترك لها ثروة طيبة وابنة صغيرة .

والعجيب في الأمر أنها كانت تحاول أن تقاوم تلك الصدمة لتعيش ، بينما اصدقاؤها كانوا يعتقدون تماما انها سرعان ما ستتبع زوجها إلى القبر ، وكانوا يبدون الاسف دائما نحو إبريس ابنتها الصغيرة التي ستغدو يتيمة يوما ما . وضاعفوا من عنايتهم بلويز وأصروا على أن يؤدوا كل مطالبها لأنهم كانوا يعتقدون ان قيامها بأي عمل متعب سيعيد إليها أزماتها القلبية التي ستلقي بها إلى حافة القبر . وكانت هي تقول إنها تشعر انها تائهة في هذا العالم بدون رجل يأخذ بيدها ويعنى بشئونها ، ولا تدري كيف ستقوم بتربية ابنتها إبريس وهي على هذه الحال الضعيفة .

فسألها أصدقاؤها : لماذا لا تتزوج ثانية ؟ ولكنها كانت تزفر وهي تقول : كيف يتأتي لها ذلك وهي امرأة

ضعيفة القلب ؟ ولكنها تعتقد ان توم سيستريح في قبره لو أقدمت على هذا الأمر ، ولعله في صالح إيريس ايضا . ولكن من من الرجال يرضي لنفسه بالمتاعب ليتزوج امرأة مريضة مثلها ؟

ومن الغريب جدا انه تقدم إليها أكثر من شاب وتعهد بأن يقوم بهذه المهمة ! وبعد عام واحد من وفاة توم سمحت لجورج هنيهوس ان يتزوجها . وهو شاب طيب ، وكبت الاحظ سعادته الدائمة لهذه الميزة التي اختصته بها ليعني بشئونها . وقالت له :

- لن أعيش طويلا حتى أتعبك

ومع أنه رجل عسكري ذو طموح إلا أنه اضطر للاستقالة من الخدمة ، إذ ان صحة لويز كانت ترغمها على قضاء فصل الشتاء في مونت كارلو وفصل الصيف في دوفيل ولقد تردد في بادىء الامر  نحو تركه  وظيفته . وعارضت لويز أولا . . ولكنها استسلمت أخيرا لهذه الفكرة كما تستسلم دائما . وبدأ هو يستعد لأن يجعل السنوات الباقية من حياتها أسعد أيامها ، بينما هي تكرر قولها :

- لن يطول الأمر . ولن أكون سبب متاعب لك . وخلال السنتين او ثلاث السنوات التالية كانت لويز تهتم دائما بالرغم من ضعف قلبها بالذهاب إلى الحفلات والولائم في ابهي ملابسها ، وان تقامر بكل ما معها ، وتراقص الشبان بل وتغازلهم . ولم يوهب جورح القوة كزوجها الأول ، فكان يلجأ دائما إلى الخمر ليعب منها حتى يستريح ، وكانت لويز تكره هذا منه لولا ان قامت الحرب لحسن حظها فالتحق بفرقته وقتل بعد ثلاثة أشهر .

وكانت صدمة كبيرة للويز ، واعتقدت بينها وبين نفسها انها لو اطالت التفكير في هذه الصدمة فان ازمتها ستعاودها ولن يشعر بها أحد ، ولكي تشغل نفسها عن ذلك حولت بيتها في مونت كارلو إلى مستشفى للضباط الناقهين .

وقد نصحها أصدقاؤها لأنها لن تقوي علي هذا

الجهد ، فكانت تقول :

- طبعا . إن هذا سيقتلني . أنا أعرف ذلك ، ولكن على أن أقوم بواجبي مهما كان الأمر . .

ولكن هذا لم يهلكها كما كانت تقول ، فهي تملك الوقت الكافي ، وكان بيتها او مصحتها من اشهر البيوت في فرنسا . وقابلتها يوما بطريق المصادفة في باريس . كانت تتناول غذاءها في ) الريتز ( مع شاب فرنسي طويل ، حلو الملامح ، فأخبرتني انها ماجاءت إلي باريس إلا لشئون تتعلق بالصحة وان الضباط يلاطفونها ولا يتركون لها الفرصة لأن تقوم بأي عمل ، ويعنون بها كأنهم ازواجها جميعا . وأرسلت زفرة حارة وهي تقول :

- المسكين جورج . . من كان يعتقد انه يموت وابقى أنا المريضة ؟

فقلت : والمسكين توم ؟

ولا أدري لماذا لم ترقها كلماتي تلك ، فإذا بها تبتسم وقد امتلأت عيناها الجميلتان بالدموع وقالت :

- أنت تتكلم دائما وكانك تحسدني على تلك السنوات القليلة التي أرجو أن أعيشها

فقلت : إن حالة قلبك الآن متحسنة عن قبل أليس كذلك ؟

فقالت : لن يتحسن مطلقا . لقد كنت في زيارة إخصائي هذا الصباح وأخبرني انه على أن أستعد دائما لأسوا الأحوال ، فقلت : لقد تأهبت لذلك حوالى العشرين عاما حتى الآن . . أليس كذلك ؟

ولما انتهت الحرب اقامت لويز في لندن بعد أن تعدت الأربعين من عمرها واصبحت هزيلة ذات عينين واسعتين ووجنتين باهتتين ، ولكنها مع ذلك تبدو كانها فتاة في الخامسة والعشرين اما ايريس ابنتها فقد التحقت بالمدرسة وحضرت إلي لندن هي الأخرى لتقيم معها . وقالت لويز :

- إنها ستعنى بي . نعم إنه من العسير عليها أن تقيم مع مريضة مثلى ، ولكن هذا لن يطول . . واعتقد أنها لن تهتم بذلك .

وكانت إيريس فتاة لطيفة ، ولقد أنشئت على الاعتقاد ان صحة امها خطرة ، وحينما كانت طفلة لم يكن يسمح لها بأن تحدث أي ضوضاء ، وكان عليها ان تعرف ان امها ستتألم إذا ما اتت ذلك ومع هذا لم تكن تصغي إلي والدتها التى كانت تقول دائما إنها غير راضية عن فتاتها التى ستضحي بأوقاتها السعيدة في سبيل امها المريضة ، فكانت تقول إن ذلك لا يعتبر تضحية من جانبها ، فالسعادة تغمرها لانها تقوم بكل ما يمكنها نحو امها العزيزة المسكينة . وتزفر امها وهي تقول :

إن ابنتي ليسرها أن تشعر أنها ذات نفع لي

وسألتها يوما : ألا تعتقدي أنه يجب على إبريس أن تخرج للتنزه بين وقت وآخر أكثر منها الآن ؟

فقالت : طالما قلت لها ذلك . . أنا لا أرضي أن كون سببا في أية متاعب لها أو لأي شخص آخر .

ولما نبهت إبريس لذلك قالت : يا لأمي المسكينة ؟

إنها تود أن أخرج دائما مع أصدقائي وأذهب إلي الحفلات ، ولكن في اللحظة التي اتأهب فيها للخروج تعتريها أزمة من أزمات قلبها . فأفضل البقاء بجانبها .

ولكن سرعان ما وقعت إبريس في أسر الحب ، وكان رجلها صديقا لي ، وهو شاب صغير طيب القلب . تقدم إليها وطلب زواجها فوافقت . وكنت أحب الفتاة ، فشعرت بمزيد السرور إذ سنحت لها الفرصة أخيرا لأن تحيا حياتها الخاصة التي تطمح إليها كل فتاة . ولكن جاءني ذلك الشاب يوما عابسا وأخبرني أن زواجهما قد أجل . إذ أن إبريس تقول إنه لا يمكنها أن تهجر امها وهي على تلك الحال . ومع أن ذلك لم يكن من شئوني إلا أني انتهزت الفرصة وذهبت للقاء لويز وقلت لها :

- لقد سمعت أن إبريس لن تتزوج الآن .

فقالت : أنا لا أدري شيئا عن ذلك ، فهي لن تتزوج في وقت قريب كما كنت اود ، ولقد جثوت على ركبتي وانا ارجو منها ألا أقف عقبة في سبيل هنائها . . ولكنها رفضت أن تتركني .

فقلت : الا تظني أن ذلك من الصعوبة عليها بمكان ؟

فقالت : إنه صعب جدا . ومع أن هذا لن يدوم سوي بضعة اشهر فقط إلا اني امقت ان يضحي احد بنفسه من أجلي .

فقلت : يا عزيزتي لويز . لقد دفنت زوجين . وأري أنه يمكنك أن تدفني اثنين غيرهما

فسألتني وهي تبدي الغضب : أتعتقد أنك ظريف ؟

فقلت : أرجو الا تعجبي حين أخبرك انك من القوة لكى تقومي بأي عمل يروق لك . . أما قلبك الضعيف فهو يمنعك عن الأشياء التي تكرهينها .

فقالت : آه . أنا اعرف رأيك عني دائما . . انت لن تصدقني أبدا . . أليس كذلك ؟

فنظرت إليها طويلا وانا اقول : أبدا لن أصدقك فأنت امرأة أنانية . . متوحشة . . لقد حطمت حياة رجلين ، والآن تودين تحطيم حياة ابنتك .

وكنت انتظر ان تعتريها ازمة من ازماتها بعد هذه الكلمات . ولكنها نظرت إلي في ابتسامة حلوة وهي تقول : يا صديقي المسكين . . ستأسف يوما ما أسفا شديدا على كل ما قلته لي الآن .

فقلت : هل عزمت عزما أكيدا على الا تتروج ابريس من ذلك الشاب ؟

فقالت : لقد رجوتها مرارا أن تتزوجه . . أنا أعرف أن ذلك سيهلكني ولكني لن اهتم بالأمر . إن أحدا لن يعتني بي ، وإني أشعر دائما اني حمل ثقيل علي كل إنسان .

- هل أخبرتها بأن ذلك سيكون سببا في موتك ؟

- لقد جعلتني هي أقول ذلك . . ومع هذا يمكنها أن تتزوجه غدا إذا أرادت . . ولن أهتم إذا ما تسبب ذلك في هلاكي

- حسنا . فلتخاطر هذه المخاطرة . . أرجو أن -توافقى

- ألا تشعر نحوي بشيء من الشفقة ؟

- وكيف يتسني لي أن أشفق علي مثلك ؟

فتلون خدها الباهت قليلا ، ومع أنها كانت تبتسم إلا أن عينيها كانتا متحجرتين وهي تقول :

- ستتزوج إيريس بعد شهر . . وإذا ما حدث لي شئ ، فارجو ان يكون في طو قكما انت وهي ان تستغفرا لنفسيكما

وبرت لويز بوعدها ، فحدد التاريخ ، وجهزت العروس  وأرسلت الدعوة ، وكانت إيريس وخطيبها مبتهجين وفي يوم الاحتفال بالزفاف. . وفي الساعة العاشرة صباحا . . أصابت لويز - تلك المرأة الشيطانة - إحدي ازماتها القلبية فخرت صريعة ، بعد أن غفرت لابريس التى كانت سببا في موتها " .

اشترك في نشرتنا البريدية