تحت هذا العنوان قرأت مقالا في مجلة انجليزية (١). كتبه كاتبه بمناسبة انتصار " فرنكو " في اسبانيا بمعاونة المراكشيين المسلمين ، فأوحت إليه هذه الحادثة أن يرجع بذهنه إلي ما وقع بين المسلمين والمسيحيين في موقعة " نور " في فرنسا سنة ٧٣٢ م فقال : " إن أوربا كلها كانت تسقط في يد المسلمين لو انتصروا في هذه الموقعة ، وما كانت انجلترا تستطيع صدهم ايضا لأنها لم تكن في حالة حربية تسمح لها بصد قوي العرب ، والتاريخ لم يحفظ لنا كثيرا من الأمثلة التي تم فيها من الانقلاب ما تم على يد المسلمين ، فان عددا قليلا من العرب المملوئين حماسة دينية ، متأثرين بنبيهم " محمد " استطاعوا بقوة إيمانهم ، وبالسيف والنار ان يسيطروا في مدى قرنين على جزء ضخم من العالم يمتد من شاطئ المحيط الأطلنطي إلي نهر السند ، وكان غرضهم الأعظم أن يحولوا العالم إلى دينهم
بالدعوة أو بالقوة - عبروا مضيق جبل طارق ، وتدفقوا كالسيل الجارف إلي اسبانيا وجنوبي فرنسا . وفي سنة ٧٣١ م كان عبد الرحمن يسيطر على كل الجانب الغربي الجنوبي لأوربا ، ويهدد سائر فرنسا وما وراءها ، ويقود جيشه في ظفر يتلوه ظفر ، هازما ما يقابله من جيوش في سهولة ويسر ، فاتحا ما يلاقيه من المدن ، محولا ما يجده من كنائس ، لا يقف أمامه شئ ، ناشرا تعاليم " محمد " حتى وصل إلي أبواب " تور " على بعد مائة وثلاثين ميلا فقط من باريس .
لولا ان لقيه " شارل مارتل " بجيش قليل من محاربين جرمانين جبابرة ، فتقاتل الجيشان لا ساعة من نهار ولا نهارا كاملا ، ولكن ستة ايام قتالا شديدا مستعرا ، كان يبدو فيها عبد الرحمن منتصرا ، وفي اليوم السابع حولت دفة الحرب في صالح " شارل " ، وقتل عبد الرحمن وهزم جيشه ، وكر راجعا إلي الأندلس .
فلو أن " عبد الرحمن " انتصر - كما كانت تدل عليه كل الظواهر ، ولم يوفق " شارل مارتل " إلي صده ، لتم فتح العرب فرنسا ، وأوغلوا بعدها في المانيا وإيطاليا ، وما كان يقف في سبيلهم شئ ، ولا انجلترا وايرلندا . وماذا - إذن - لو تم ذلك ؟
لو تم ذلك لكانت اوربا اليوم كلها مسلمة ، تدوي اصوات المؤذنين فوق مآذنها ، وتحرم الخمر والميسر والخنزير ، وتسودها كل شعائر الإسلام ثم يتساءل الكاتب في مكر ودهاء ؛ " هل كانت اوربا الآن تصبح متأخرة في مدينتها ، وتقف فيها موقف العالم العربي الآن ؟ "
يجيب عن ذلك بأنه من المرجح الا يكون ذلك ، فقد بلغت الأندلس في عهد المسلمين منزلة رفيعة من الثقافة ، ولئن كان المسيحيون يصبحون مسلمين إذا انتصر " عبد الرحمن " فان العلم - إذ ذاك - لم يكن يذبل ، لأنه أزهر في الأندلس المسلمة ، وكان العقل الغربي والنبوغ الأري يشق طريقه في مناحي العلم المختلفة ، ولكن كان التفكير الغربي يضعفه التأمل الشرقي ، وما كان يوجد المفكر الحر ، لفقدان التسامح عند المسلمين ، وما كان يرقي التصوير ولا الحفر لأن القرآن بعدهما من ضروب الوثنية . وكانت المرأة الغربية تصبح كالمرأة الشرقية . وما كانت تستكشف امريكا لعدة قرون ، وإن استكشفت بالمصادفة أو بالبحث لكان مصيرها مصير أوربا "
حرك هذا المقال عقلي ، واثار شجوني ، وأطار خيالي . ماذا كان يكون شأن العالم الآن لو انتصر المسلمون في وقعة " نور " وتحقق ما توقعه الكاتب من فتح المسلمين أوربا كلها وتدينها بالدين الإسلامي ، وماذا كان يكون
موقف المدينة الحديثة الآن ؟ الحكم علي ذلك في منتهي الصعوبة ، لأن أحداث التاريخ وتقلبات الأوضاع الاجتماعية تخضع لآلاف الآلاف من المؤثرات ، وبعض هذه المؤثرات في غاية الخفاء وغاية التعقيد . هذا إذا كانت الأحداث بين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا ، فكيف إذا فرضناها فرضا وتخيلناها خيالا ؟ اعتبر في ذلك بما هو حادث اليوم في العالم ، فكل المقدمات مائلة أمامنا ، ومع هذا يختلف رجال التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع العالمون ببواطن الأمور ، هل تؤذن هذه المقدمات بحرب شعواء عاجلة تأكل الأخضر واليابس ، أو لا تؤذن بحرب وستنفرج الآزمات ويسود السلام على الأقل عهدا طويلا ؟ إن كان ذلك كذلك والشواهد مائلة والأدلة حاضرة ، فكيف بشؤون عالم سحيق في القدم ، غير معروفة جميع ظروفه وأحواله ، نفرض فيها النتائج كما تفرض المقدمات ، ونتخيل ما يحدث قبل أن يحدث ، ومع هذا فلنحاول الإجابة ، ولنقس ما لم يكن على ما كان
لقد جري المسلمون والمسيحيون شوطا في السباق ، والتقيا في اثناء الطريق ، وإن لم يلتقيا في البدء . فقد بدا المسيحيون شوطهم قبل المسلمين بأكثر من ستة قرون حتى جاء الإسلام ، فبدا سيره وجري طلقا يفتح ويدعو ويؤسس مدنية ويعدل مدنية حتى حاذي النصرانية وجري بجانبها ، فماذا كان بعد ثلاثة قرون من الاسلام وتسعة من النصرانية ؟ راينا حضارة بغداد في عهد العباسيين ، وحضارة القاهرة في عهد الفاطميين ، وحضارة قريبة في عهد الامويين ، لايدانيها في ذلك حضارة في العالم ، سواء في ذلك العلم والفن ، وآلات القتال ومظاهر الهو والترف ، ومظاهر الجد والعمل
لقد ذابت مدنية اليونان ومدنية الرومان في أوربا ، ولم يكن لهما نظير في الشرق ، ومع ذلك لم يسبق الغرب الوارث الشرق المبتكر.
وظل الغرب بتتلمذ للشرق قرونا طويلة ، يجلس رجاله إلى ابن رشد ياخذون فلسفته ، وينقلون إلي لغاتهم كتبه ، ويدرسون كتب ابن سينا في الطب في جامعاتهم ، ويأخذون من رياضي الشرق وفلكييهم إلي عهد قريب ، ويطيرون في مدنيتهم الحديثة من على اكتاف الشرقيين ؛ فماذا كان يمنع المسلمين ان يصلوا إلى مدنية مثل المدنيه الحديثة او خير منها إذا استمروا في طريقهم ولم تعقهم عوائق خارجة عن دينهم ، وخارجة عن عقليتهم ؟ .
لم يمنعهم الاسلام أن يطلبوا العلم في شتى ألوانه ، ولا ان يعكفوا على فلسفة ارسطو وأفلاطون وغيرهما ، ولا علي رياضة اقليدس وفيثاغورس واضرابهما . ولم تستعبدهم هذه الاسماء الرنانة كما استعبدت عقول اوربا في القرون الوسطى، فنقدوا أرسطو وأفلاطون وأقليدس وبطليموس ، وعدلوا بعض نظرياتهم ، وابطلوا بعضها ، وغزا عقلهم نواحي العلم ، كما غزا جيشهم نواحي العالم ، وكان كثير من المسلمين إذا قالوا : " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " فعقولهم بعد حرة في كل تفكير ، طليقة من كل قيد .
لقد نسي الغرب تاريخه إزاء الشرق ، ونسي الشرق تاريخية إزاء الغرب ، ولم ينظر كلاهما إلا إلى حاضره، فز هي الأول وتعاظم ، وذل الآخر واستكان ، وجهل كل ان الشرق كان يتقدم الغرب في السباق ، إلي القرن الخامس عشر ؟ ولولا نكبة العنصر المغولي والعصر الأرمي الذي يفخر به الكاتب لظل الشرق في طريقه وفي تقدمه ، لولا مصيبة التتار التي اتت على كل خير للمسلمين واضعفت قوتهم واذلت نفوستهم ، ولولا حكم الاتراك للشرق وما جر من فساد وفوضي واضطراب ، ولولا جناية الغرب على
الشرق بما جرعته من غصص وما سلكت معه من منهج يتلخص في إضعافه عقليا وروحيا ، واستغلاله ماديا ، لولا ذلك كله لتقدم الشرق بخطواته الواسعة ، ولكان ذلك من خيره وخير العالم . إذن ، لكان للعالم مدنيتان تتسابقان في البناء : مدنية اساسها الاسلام والروحية الشرقية والعقلية الشرقية ، ومدنية اساسها المسيحية والعقلية الغربية ، ولا تعدم الاحتكار وما يجر من اضرار ، وما يفقد من تنافس.
بل يخيل إلي أنه لو انتصر المسلمون لكانوا أسرع خطي إلي المدنية ، فقد عاقت نهضة اوربا عوائق ليست عند المسلمين ، لقد عاقها قرونا طويلة سلطة الكنيسة وحجرها على العقول والأراء ، وتدخلها في كل شان من شئون الحياة بقوة وعنف ، والإسلام لا يعرف سلطة لرجال الدين ، ولا يقر بوساطة بين العبد وربه . وعاق اوربا نظام الطبقات وسلطة الأشراف والنبلاء ، والإسلام لا يعرف هذا النظام ، ويقرر أن المسلمين سواء " تتكافا دماؤهم ، ويسعى بذمتهم ادناهم " ، ولم تتخلص اوربا من هذه العوائق وامثالها إلا بعد جهد جهيد ، وانهار من دماء وجسور من رءوس .
فلما خلصت أوربا من هذه العوائق أو كادت ، اخترعت " الوطنية " فكانت مصيبتها الكبرى وعلتها العظمي ، أشعلت نار القومية ، وجعلتها أساس التربية واساس الاقتصاد ، وتسابقت الامم في الوطنية فتسابقت في التسلح ، فما تنقضي حرب حتى يبدأ الاستعداد لحرب شر من الأولى . وهكذا ظلت المدنية الأوربية التي يغار عليها الكاتب بين حرب واستعداد للحرب ، وافراد من كل امة تتحكم في مصير الشعوب ، وتطيح برءوسها ، وتفرض الضرائب الفادحة لتنشئ بها أساطيل وقنابل
وغارات وغواصات لتتعاون كلها على حصد الأرواح حصدا ، وتحرم الأب من أبنائه ، والأبناء من آبائهم ، ومن نجا من القتل وقع في اسر البؤس والحزن والهم . والعلم الذي اخترع لخدمة الانسانية ، استخدم لافناء الإنسانية . وهذه خلاصة المدنية ، وهذا ما جلبته الدعوة إلي الوطنية
لقد فتح المسلمون الأولون فارس والشام ومصر والأندلس وغيرها ، فلم يفقدوها شخصيتها ، ولا حرموها علما ولا ثقافة ، ولا سلبوها حريتها ؛ ومن أسلم فالعالم الإسلامي كله له ، ومن لم يسلم ودفع الجزية فله ما المسلمين وعليه ما عليهم ، وظلت هذه البلاد المفتوحة كلها مثقفة تشترك في بناء المدنية الاسلامية علي قدم المساواة ؛ فعلماء فرس وعلماء شاميون وعلماء مصريون وفنانون من كل صنف وممسكون بزمام الحكم من كل قطر ؛ ولكن لما فتح الغرب الشرق ، حرمه العلم إلا بحساب وفي حدود معينة ، ومنعوهم حرية القول والتفكير وحمل السلاح إلا بمعيار ضيق ، وأخصبوا أرضهم وأجدبوا عقولهم ، لأن أرض الشرق للغرب وعقل الشرق على الغرب ؛ فلو فتح المسلمون أوربا - كما توقع الكاتب - لحفظوا لأوربا شخصيتها ، وأوسعوا لها في علمها وثقافتها ، وتركوا لها حريتها في أكثر شؤونها ، ولم يمنعوا نبوغ من استعد للنبوغ ، ولا حجروا علي عقل ولا تفكير ، ولا كانوا يستغلون أرض أوربا للشرق ، إنما كانوا يستغلون الشرق والغرب للشرق والغرب . ودليلنا علي ذلك أن جميع البلاد التي فتحها المسلمون الأولون ظلت زاهية مزدهرة بعد فتحهم بأحسن مما كانت قبل فتحهم ، وأن الشرق كاد يموت بعد أن فتحه الغرب لولا لطف الله وبقية من مناعة الفتح الأول .
وأهم فرق بين الفتحين ان مدنية الاسلام كانت تنظر إلي العالم الاسلامي كله كوحدة ، خير الجزء خير الكل وشر الجزء شر الكل ، والمدنية الحديثة تنظر إلي العالم من خلال القومية ؛ فخير تونس والجزائر ومراكش وسوريا لفرنسا لا لهذه البلاد ، وخير طرابلس لايطاليا لا لطرابلس ، وخير الهند لانجلترا لا للهند ، وهكذا جريا على الأسلوب الحديث في النزعة الوطنية ، ولهذا نعم الشرق في حكم العرب ، ولم ينعم الشرق في حكم أوربا ، ولا يمكن أن ينعم هؤلاء ، ولا هؤلاء إلا باحلال الانسانية محل الوطنية ، ودون ذلك أهوال .
ثم ما الذي كان يمنع العرب من استكشاف امريكا ، ورحالوهم كابن جبير وابن بطوطة لم يكن يدانيهم احد من رجالى الغرب في عصرهم ؟ على ان فكرة استكشاف امريكا إنما دعا إليها ، وحث على تحقيقها نظرية كروية الأرض التي اثبتها جغرافيو العرب ، وبرهن عليها فلكيو العرب .
أخشى أن يكون " الكاتب الفاضل " قد استحضر في ذهنه عند كتابة المقال صورة العالم الاسلامي الحاضر ، ولم يستحضر العالم الإسلامي الغابر ، فرأي ما عليه المسلمون اليوم من فقر عقلي ، وفقر مالي . فأشفق على أوربا إن يحكمها هؤلاء فيقلبوا غناها فقرا وعلمها جهلا وقوتها ضعفا ، وفانه انه يتكلم عن " عبد الرحمن " وعن جنود " عبد الرحمن " وهؤلاء ، كانوا اقوياء في غير ضعف اغنياء في غير فقر علماء في غير جهل ، قد مرت عقولهم في غير جمود ، وطلبوا الخير للعالم من غير قيود ، فهل يعيد التاريخ نفسه ؟
