لخلود الآثار أسباب وثيقة ، ولتخليدها دواع قوية ، وقد يكون الأثر وسطا أو دونا في حقيقته ، فإذا تهيئأ له سبب من أسباب الخلود ، وداع من دواعي التخليد ، اجتمعت فيه قونان تكفلان له بالعلو والغلو ، فيكون غير نفسه بالأمس ، ويرتفع ثمنه منذ اليوم الجديد علي ثمنه القديم ، وهذا أمر مشهود أبدا ، ملحوظ في أكثر الأشياء ؛ وقديما قال قائلهم : والتبر كالترب ملقي في أما كنفه " ، و اللؤلؤ الرطب في الأعماق في كالحجر " ، و " العود في أرضه نوع من الحطب " هذا في الأشياء المستعملة التي يغنيها الاستعمال أو ينقص قيمتها الإنحلال و أما الآثار المعنوية كالحكم والفلسفة والشعر والنثر الأدبي وفنون الأوب الآخرى ، فهي التي تزكو علي مر الدهور ، وتحلو مع كل العصور ، ولا يخلو خلودها وأزدهارها من فترات بيعها التنازع في الكمال والتفاني في الاستقلال ، فكان سنة بقاء الأصلح ، وطبيعة فوز الأصلح ، باقيه أخري الليالي وأبد الأبيد . والأثر الخالد هو الذي استجمعت فيه أكثر أسباب الكمال النسبي أولا أو آخرا ، وأصلا أو اكتسابا . وموضوعنا في هذه الكلمة المكتوبة " الشعر " فإنه يقل ثمنه وينخفض ويرتفع ، وبضيع ويشيع ، وبنحط ويعلو ، بحسب الأسباب المتاحة له التي تعتمد على الزمان وأهله ، والأهواء الأدبية والأطوار اللغوية . ومن أسباب كمال الشعر التي ذكرها قدماء الأدباء أن تكون " ألفاظه متحيرة ، ومعانيه منتخبة ، وألفاظه عذبة ، ومخارجه سهلة ، وصفاته كريمة ، وطبع ناظمه متمكنا ، ويكون جيدا ، وان يكون له ماء ورونق (1) " ولكن هذا القياس غير مطرد ، وذلك النظر
غير لازم ، فإن للكمال أسبابا لا تغني ، ودواعي لا تحصي ولا يحاط بها ؛ قال الأديب الكاتب أبو الحسن علي بن الحسين الأثير المعروف بأن أخت العصفري من معاصري أبي إسحاق الصابي : " فلو ترك الناس أغراضهم من النظم والنثر ، والجد والهزل ، اعتمادا علي السابقين الأولين كانت (1) الخواطر ، وسقطت الهمم ، ولكن لكل جديد لذة ، ولكل حديث بهجة ، كما أن كل قديم يسأم . . فأنت إذا تأملت شعر امرئء القيس وجدته قد سبق إلي كل معنى نادر ، وذهب بكل فضل باهر ، ولم يترك لذي نيقة مجالا يشقى فيه عباره ، ومقالا يبلغ به شأوه ؛ ولا تري اليوم (2) أكيد من ديوان شعره بالعراق ، وقد صارت الرغبة كلها في ديوان أبي فراس والصنو يري وكشاجم والتنفي وأشباههم من شعراء الوقت (3) فالجدة ، عند الكاتب هذا ، كانت سببا في إقبال الناس على شعراء زمانهم ، فليت شعري هل من الأدباء اليوم من لا يعرف الأبيات الغناء التي أولها " لي لذه في ذاتي وخضوعي "؟ وهل كان سبب معرفة الأدباء لها كونها جديدة ؟ ليس الأمر بذلك ، وإن ادعاء مدع فليس هناك ؛ لأن الذي وقع ثمن هذه الأبيات ، ورجعها إلي الحياة ، وأولع بها الشيوخ والفتيان والفتيات ، هو التغني بصوت مغنية عربية بارعة ماهرة مجيدة قادرة ، فذلك الذي خلد هذه الأبيات الوسط ، ورفعها من هوة الجمود إلي قمة الخلود . ومن سعادة الشعراء أن يغنى بشعرهم ، فإن التغني بالشعر يريد ثمنه الأدبي " عشرين مرة " لا عشر مرات ، ولذلك يكون من الصعب أن يقابس بين شعر غني به وشعر
آخر لم يلبس حملة الغناء ، ولا نفخ فيه روح الغناء . صاحب " لي لذة في ذلتى وخضوعى " من السعداء إذن ، لأن الله قد هيأ له سببا جميلا لتخليد شعره ، ولكن كثيرا من الناس لا يعرفون صاحبه - أعني صاحب الشعر - فمن الواجب الأدبى الذي قبلنا لمثله من العلماء والأدباء أن تذيع ترجمته بين الناس فنقول :
هو شاعر بغدادي اسمه " أبو الحسن سعد الله بن نصر - وقيل نصر الله بن سعد بن علي بن الدجاجي ، ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه (1) ، رجال الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الديني (2) ، وقاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة الكتاني في تعليقة الشعراء التشدين (3) ، وصلاح الدين الصفدي في الوافي بالوفيات (1) وابن شاكر الكتب (5) وغير هؤلاء المؤرخين (6) . ولد ببغداد بالجانب الشرقى منها سنة ٤٨٢ أو سنة ٤٨٠ ، وبها نشأو تأدب ، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، ودرس الوعظ والتذكير ، وقرأ القرآن الكريم بالروايات على مفري " زمانه ببغداد الشيخ أبي منصور محمد بن أحمد الخياط ، وقرأ أيضا على الرئيس أبي الخطاب على بن عبد الرحمن بن الجراح ، وسمع الحديث منهما ومن أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكاواني عليه الحنابلة في عصر ، ومن غيرهم ؛ وروي فيما رواه مسند الإمام ابن حنبل ؛ و وعظ ببغداد سنين كثيرة ، وأقرأ الناس القرآن المجيد ، وحدث بالأحاديث النبوبة . قال جمال الديني في تاريخه : " قرأت على أبي الفضل عد بن أبي نصر القرى ، قلت له : أخبركم
أبو الحسن سعد الله بن الدجاجي - قراءة عليه وأنت تسمع ، فأقر به ( واسند الحديث إلي عبد الله بن مسعود ) قال قال رسول الله ( ص ) : " مررت ليلة أسري في إبراهيم - عليه السلام - فقال : باعد ! أقري أمنك منى السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة الترعة ، عذبة الماء ، وأنها قبعان وأغراضها قول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وكان لطيف الكلام حلو الايري إلا ملازما للمطالعة إلي أخر حياته ، وله شعر جيد بالغ فيه الصفدى فعده من الطبقة الأولى ، ومنه الآبيات التي احتوجبت هذا البحث .
لى لذه في ذلتى وخضوعي
وأحب بين بديك سفك دموعي
وتضرعي في رأي عينك راحة
لي من جوي قد كن بين ضلوع
ما الذل المحبوب في شرع الهوي
عار ولا جور الهوي بديع
عينى أسات فأين عفوك سيدي
عمن رجاك لقلبه الموجوع
جد بالرضا من عطف لطفيك واهنه
بجمال وجهك عن سؤال شفيع
ومن شعره وقد جانس فيه :
سلكتم مهجني بيعا ومقدرة
فأنتم اليوم أغلالى وأغلى لي
علوت فجرا ولكني ضفيت هوي
فحبكم هو إعلالى وأعلى لى
أوصي لي البين أن أشقي بحبكم
فقطع البين أوصالي وأوصي لي
وأين هذه الآبيات التي فبحثها غثائه الجناس وركاكه الاتباس من تلك الآبيات ؟ ! علي علمنا باستحالة القياس .
قال قاضى القضاة عز الدين بن جماعة الكتاني . " وكان من أعيان الفقهاء والفضلاء ، وشيوح الوعظ النبلاء وكان يخالط الصوفية ويحضر معهم سماع الغداء على عادتهم " . وقال ابن الديني : " انتقل إلى الجانب الغربي (من بغداد) قبل وفاته وسكن باب البصرة إلى أن مات " . وقال أبو المحاسن عمر بن على القرشي الدمشقي : " وتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة ودفن قد ذلك اليوم " . وقال أبو الفرج الجوزي : " توفي في شعبان من هذه السنة ( ٥٦٤ ه ) ودفن إلي جانب رباط الزوزني في إرضاء (1) الصوفية ، لأنه أقام عندهم مدة حياته فبقى علي هذا خمسة أيام ، وما زال الحنابلة يلومون ولده هذا ويقولون : مثل هذا الرجل الحنبلي أي شئ يصنع عند الصوفية ؟ فننشه بعد خمسة أيام بالليل وقال : كان قد أوصى أن يدفن عند والديه . ودفنه عندهما . ومن أخباره الطريقة أنه سئل في مجلس وعظه عن أخبار الصفات فنهي عن التعرض لها وأمر بالتسليم ، وأنشد :
أبى الغائب الغضبان يا نفس أن يرضي
وأنت التي صبرت طاعته فرضا
فلا تهجري من لا تطيقين هجره
وإن هم بالهجران خدك والأرضا
وقال : كنت خائفا من الخليفة لحادث نزل ،
فاختفيت فرايت في المنام كاني في غرقة ، فجا ، رجل فوقف
بإزاني وقال اكتب :
إدفع بصبرك حادث الأيام
وترج أطف الواحد العلام
لا تيأسن وإن تضايق كربها
ورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالة بين ذلك فرجة
تخفي علي الأبصار والأوهام
كم من ن نجا من بين أطراف الفنا
وفريسة سلمت من الضرعام ؟
قال مصطفى جواد الكاتب لهذا : وترك أبو الحسن الدجاجي ابنا له ذكر في تاريخ العلماء ، ولعله ترك غيره . وروي عنه جماعة من العلماء ؛ وممن روي عنه مسند الإمام أحمد بن حنبل العلامة عد بن علي بن شهراشوب المازدراني عالم الشيعة في زمانه ، فقد ذكره في أول كتابه " مناقب آل أبي طالب ؟ وأثبت أنه روي الكتاب المذكور مع الفضائل عنه ؛ ولكن اسمه تصحف على طايعى الكتاب وهذا نصه : " إسناد مسند أحمد عن أبي سعد بن عبد الله الدجاجي عن . ." (1) والصحيح " عن أبي الحسن سمد الله الدجاجي " ونقله العلامة المجلسي مصحفا ولم يصلحه ولا اصلحه طابع كتابه (2) ، وقد بين الصبح الذي عينين ، والله الموفق لصواب القول .
(بغداد)
