ها هو الليل يقبل رويدا رويدا ، يا سيدي ، مسدلا نقابه على الوجود ، ناثرا ظلامه على معالم الاشياء ، نافثا بسحره العجيب في ارواح الكائنات ، باسطا اجنحة السكون ، سائقا برفق زمر الاجلام .
وكنت قد فرغت من كتابة رسالة وفتحت متمهلا ديوان شاعر عظيم بل فنان ملهم طالما استبته هذه المباهج الكونية الرائعة وتيمت فؤاده مناظر الطبيعة بحسنها وفعلت بلبه ما تفعل الصهباء وملأت اضلعه حنينا وهياما وتمثلت في شعره ايات بينات من آيات الفن الخالص القشيب وعرائس موائس في حلل الالهام . كانت النافذة مفتوحة على مصراعيها والشرفة مشرفة على الحديقة يمتد منها النظر الى الاقاصي فيداعب الضياء المتلاشي الهزيم وينعم بحمرة الاصيل ويتبع خطى الغزالة ممعنة في سيرها الى المغيب وكأنما قد ارسلت بشجوها الى الغمام المتلاشي في طيات الجو ولذلك تلون بذلك اللون الذهبي الفاتر المشير في لطافة منظره ورقة ابتسامه الى كآبة الوداع ومرارة الفراق ودنو الاجل المحتوم .
ولكن هل للموت المطلق وجود ؟ ان مصرع الغزالة ومهلك النهار انما هو في الحقيقة مولد عجيب للدحى ومبعث لسلطان الليل وياله من سلطان .
او ليس الليل يا سيدي قرين الفكر ونجي الشعر ومنضد الاحلام ومروق الالهام . لئن طال في ظلمته الداكنة سهاد العاشق الولهان المرهق بوحشة النوى وحرقة البعاد - ولئن تقلب اثناءه اخو الهموم والمخاوف على مهاد القلق ، وبات حلف الويل والثبور على حد قول الشنفرى المأثور
وحلف هموم ما تزال تعوده عيادا كحمى الربع او هي اثقل
اذا وردت اصدرتها ثم انها تثوب ، فتأتي من تحيت ومن عل
او كما قال امرؤ القيس الكندي ، وقد خبر احوال الدهر وتعاورته نوب الزمان وطوارق الحدثان ، ولقي ما لقي من عنت الاقدار .
وليل كموج البحر ارخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه واردف اعجازا وناء بكلكل
" الا ايها الليل الطويل الا آنجلي بصبح - وما الاصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه بأمراس كتان الى صم جندل "
يقول الملك الضليل في وصفه الجميل " لقد عاد الليل يغمرني بظلامه الداكن في شبه الستر ويرسل علي من دجاه لججا متعاقبة وامواجا متوالية تحمل الي في طياتها اشتات الفكر وصنوفا من هواجس تنتابني بلا انقطاع كأنما مراده بذلك ان يبلو عزيمتي وجلدي على احتمال الهول . والليل في كرته علي انما هو دابة هائلة جعلت تتمطى وتتمدد كأنما ظهرها يتزايد في الطول . ثم تتبع صدرها عجزها وهو مؤخرها وقد بعد عنه الصدر وهو الكلكل وترامت المسافة بينهما . وثقلت خطى الليل الى اقصى حد وتباعد ما بين العجز والصدر وبين الاول والآخر . وذلك منتهى الطول المضجر الممل . "
ما اروع هذا الخيال الشعري المبدع الذي كم يمر الى جانبه رواد الجمال الفني غافلين متهمين شعراء العرب بقصر النفس وضعف الآلة وقلة الجدوى . ولو انهم امعنوا البحث وتعمقوا في النظر وصبروا على الدرس لبانت لأعينهم تلك المحاسن الخالدة في ثوبها القشيب ولذلك يوانع القطوف وشنفت آذانهم لوامع الشنوف . ولكن حب السرعة الخاطفة قد غلب على ابناء الجيل فصدهم عن التأمل النزيه واقصاهم عن مناهل الجمال الصرف ومشارف الموعظة والاعتبار ...
ونستانف حديثنا عن وصف الشاعر ليلته الطويلة المضجرة المفعمة اشجانا وهموما فنقول : " لقد ضاق ابن حجر ذرعا بما انتابه من ارق وعمه من قلق وحفه من الهواجس المضنية فاخذ يناجي ليله مستثقلا خطاه متبرما ببطء سيره الوثيد - متوسلا اليه ان ينجلي بظلماته القاتمة وان ينصرف عن الوجود كي يسوده الضياء ويأتلق الاصباح في ارجائه الفساح . فما يدريك لعل الصبح المتنفس يداوي النفس من همومها ويمسح بنوره اوصابها . وما يدريك لعل ابتسامة الفجر تفعم الجوانح انشراحا وتبدد مرارة الاسى وتبرد حرارة الاشجان . ما يدريك لعل انفراج الازمة النفسية مقترن بمطلع النهار . . . ولكن الشاعر المسهد المعنى انما
يروم المستحيل . انه لاعلم الناس باستعصاء دائه عن كل طب . انه لموقن بان الهم متمكن من نفسه لن يبرحها على مدى الايام . فما الاصباح وتدفق انوار " بكاشف على الحقيقة بلواه . وانما يمر الزمن لديه في تعاقب نهاره وليله على وتيرة واحدة من الفضاعة والقسوة والبؤس والشقاء . فسواء عنده اخيم الظلام ام تنفس الاصباح . وتلك هي التجربة النفسية الوجودية الانسانية العميقة التي يزفها الشاعر الجاهلي الينا ، ابناء القرن العشرين . تجربة انسانية ثرية بعيدة المدى في قصر الفاظها اذ تكشف لنا النقاب عن ماساة هذا الغل التي ما انفكت الانسانية الواعية تئن تحت وقره وتبتغي التخلص من شره القديم . وذلك الغل انما هو اسر الزمن المهيمن على انقاس البشر المسيطر على عواطفهم ونزعاتهم وافكارهم - غول الزمن الشنيع الفاتك بروعة الاحلام الذاهب ببهجة الشباب . . لا ، ليس بالممكن ان يكون الصح افضل من الليل وانما هو قرينه واليفه ونجيه وحليفه ومعينه بفضل ذلك التعاقب المسترسل المنتظم على اغتيال البشر بلا انقطاع وتتبع إمالهم بالصفع والتحطيم وتناول آثارهم بالمحو والتخريب .
ولا يلبث العصران -يوم وليلة- إذا طلبا ان يدركا ما تيمما
وذلك الغل المرهق والاسر الزمني المتحكم هو الذي عناه فيلسوف الشعراء اذ يقول - رحمه الله
تداولني صبح ومسي وحندس ومر علي اليوم والغد والامس
يضئ نهار ثم يخدر مظلم ويطلع بدر ثم تعقبه شمش
... اسير عن الدنيا وما انا ذاكر لها بسلام - ان احداثها حمس
لعمري لقد جاوزت خمسين حجة وحسبي عشر في الشدائد او خمس
بدار ، بدار الخير يا قلب طائعا الست بدار ان منزلي الرمس
وهى ابيات اثنتا عشرة وآية من آيات الفن العلائي وانموذج من تجربته النفسية الوجودية بودي لو تناولتها بالشرح والايضاح وعمدت في حقارة بضاعتي وضعف مادتي الى اماطة اللثام عن لؤلئها المكنون وجمالها المصون . ولكن ما العمل وانا ايضا في موقفي هذا لديكم اسير الزمن بافصح اشارة واصدق تعبير وكيف وقد ضبطت علي لحظاتي ادق الضبط بل احصيت انفاسي اضيق احصاء
بواسطة جهاز زمني آلي قاهر لا يعرف التريث في خطوة ولا يميز بين شاعر او نائر ولا يفرق بين واعظ او فاتك ولا بين مضجر ومطرب ما دام كل هؤلاء قد دخل تحت حكم الآلة الرهيبة ودان لاحكام ذلك الجهاز القاهر العتيد .
ونستانف حديثنا عن الليل فنقول وقد تركنا شرطنا بلا منة جواب " لئن كان الليل مسرح الهموم ومهاد الفكر الاليمة المضنية لدى الكثير فكم يكون لظلامه من منن جسيمة ومن يد بيضاء ان صح هذا التعبير بالنظر الى الليل الحالك البهيم . لقد اشاد بمحاسن الدحبى الكثير من حملة الاقلام واقطاب الفكر وافاض في اطراء الليل جمع من عبدة الاحلام وهواة الشعر .
وكيف لا يحب والليل هو موطن السكون الشامل ومسرح الاحلام النورانية والموحي في جلالة سكونه بما يروق النفس من روائع الانغام ويغذي العقل من ضروب الحكمة والابتكار . فضلا عن اسعافه ذوي الصبابة والشوق باطياف من يهوون وتمهيده السبيل للتزاور في مامن من عين واش او رقيب وفي ذلك يقول ابو الطيب :
ازورهم وسواد الليل يشفع لي وانثني وبياض الصبح يغري بي
وبعد ، فكم اشاد رواد الحب العذري بليالي الوصل وتانقوا في وصف حسنها . وما اشتكوا من امرها شيئا الا قصر المدى وسرعة المرور على حد قول العباس بن الاحنف احد اقطاب هذا المذهب في الحب والعفاف
زائر نم عليه حسنه كيف يخفى الليل بدرا طلعا
رصد الغفلة حتى امكنت ورعى السامر حتى هجعا
ركب الاهوال في زورته ثم ما سلم حتى ودعا
فما اقسى الزمن على الحالين من هجران ووصال . ما اثقل خطاه ههنا واسرع مروره هناك ولحديثنا عن الدجى بقية نرجو ان لا تضجر بطولها .

