زعم الأديب ( سعد محمد حسن ) فى الثقافة العدد ( ١٠١ ) أن رواية المتنبى شعر ابن الرومى إسطارة من الأساطير ظانا أن رواية الشعر لا تكون إلا بالمشافهة والمقابلة . ولكن الرواية هنا ليس المقصود منها ما ظن ؛ بل هى على معنى القراءة والتأثر ، والدرس والحفظ . .
ومما لاشك فيه أن المتنبى تأثر بشعر ابن الرومى أيما تأثر ، وآثره عن شعر غيره بعنايته ورعايته ؛ و لحظه باهتمامه . وذلك لما بينهما من توافق فى صور الحياة ، ولوقوفهما مواقف إن لم تكن متحدة فهى متشابهة .
فابن الرومى كان فى نسبه دخل ، فكانت أمه فارسية . والمتنبى كان من والدين وإن كانا عربيين إلا أنهما كانا محتقرين ! وابن الرومى كان غريبا فى قومه ومعارفه ، والمتنبى ظل كذلك طيلة حياته . وابن الرومى كان متشككا فى دينه ، متشيعا لآل على ، والمتنبي اعتقد القرمطة حينا ، ثم تشيع حينا آخر . وابن الرومى كان يطمع فى ولاية ، ويأمل فى إمارة « وتوسل إلى الرؤساء أن يجربوه فى ولاية أو جبابة ، أو يتخذوه بعمل فى الديوان يريحه من ذل السؤال وعذاب القلق والانتظار » ، هكذا قال العقاد ص ١٧٣ . والمتنبى هام بالولاية ، وعبدها حق العبادة . وما حديثه مع كافور عنا ببعيد .
فلذا كان لزاما على المتنبى أن يعرف أقوال سابقيه فى مثل هذه المواقف ، وأن يتزود مما قالوه ليكون عدة له إن دعى إلى النزال وليحذر الخطأ الذى ارتكبوه فى حياتهم ويتقى العثرات التى صادفتهم . وذلك ما تفعله قادة الجيوش الآن .
ولا غرابة بعد ذلك أن يكون ابن الرومى خير إمام
المتنبى فى ذلك ، وأكبر مؤثر فى شعره وآرائه ، ولذا تظهر فى الشاعرين خصائص متحدة تمام الاتحاد :
فالمتنبى كان طويل النفس مسترسلا وابن الرومى كذلك . والمتنبى كان شديد الاستقصاء للمعانى الدقيقة ، وابن الرومى كان كذلك . والمتنبى هام بتوليد المعانى وخلق الأفكار ، ولقد سبقه إلى ذلك ابن الرومى ، حتى إنه بز البحترى من هذه الناحية . والمتنبى كان يدخل إلى شعره معانى فلسفية ، وألفاظا غريبة عن العربية ، وكذلك كان ابن الرومى .
ولا ننسى أن ابن الرومى كان فحلا فى اللغة ، محيطا بمفرداتها وتراكيبها ؛ وشاعر كهذا ثمين بأن يأخذ المتنبى عنه ، ويروى له . زد على ذلك أن الرومى شاعر بغدادى - وبغداد فى ذلك العصر هى بغداد - والمتنبى نشأ بالكوفة ، وكانت الكوفة إذاك مصرا من الأمصار . وشعراء الأمصار أشد افتنانا بشعراء العواصم والحواضر ، وأكثر استماعا لهم .
وبعد : فلنفرض أن كل ذلك لم يكن ، وأن المتنبى لم يرحل إلى بغداد - مع أنه رحل وطال مكثه هناك ، وتردد على أندية الأدب ، ومجالس العلم والشعر ، كما يقول الأستاذ ( بلاشير ) - ولنفرض أن ابن الرومى كان ضعيفا ، ألا يجدر بشاعر العربية ( غير منازع ! ) أن يقرأ شعره ، ولو للنقد والمقارنة . وقديما قيل « وبضدها تتميز الأشياء » ؟
كما لا يفوتنى أن أنبه الأديب إلى أن كتاب « الوسيط » من خير ما ألف فى الأدب العربى للطلاب ، ولا يمكن أن تعرف قيمته إلا إذا قورن إلى سواه . ويكفى أن يكون الاسكندرى أحد مؤلفيه .
( الزقازيق - شرقية )
