نقرأ كثيراً في هذه الأيام تصحيحات لغوية لبعض الكاتبين في الصحف والمجلات وعلى كثرة هذه التصحيحات لم نجد إلا القليل منها سلم من التصحيح، مما يدلنا على أن الكاتبين لا يتعمقون في البحث والاستقراء. وليست اللغة ضيقة المادة، حتى يتمكن كل من تحدثه نفسه بأن يقول هذا خطأ. وهذا لم يرد عن العرب، بل الواقع أن لهجات العرب كثيرة متشعبة، ولذلك قالوا: عجبت لنحوي يخطئ، ومجال التوسع في الاستعمال فسيح، الاستعارة والمجاز، والاشتقاق، كل ذلك مما يجعل مهمة (المخطئ) شاقة وعسيرة.
وقديماً ألف الحريري كتابه (درة الغواص في أوهام الخواص) وأطال فيما أعتقد أنه من الأوهام ولكن الشهاب الخفاجي تتبعه في (شرح الدرة) ورد أكثر ما كتبه.
وبين أيدينا كتاب (ليس في كلام العرب) لابن خالويه، وهو كتاب مملوء بالفوائد العلمية، وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء مستطاباً، غير أنه جاء ناقص الاستقراء، والقارئ للجزء الموجود بين أيدينا من الكتاب يجد فيه مواضع كثيرة فيها نظر، وقد اعتمد بعض مؤلفينا الكبار على هذا الكتاب فتابعوه في الخطأ، وأريد أن أذكر أمثلة مما قصر فيه ابن خالويه حتى يطيل الناشئون التريث قبل أن يقدموا على الحكم في المواد اللغوية.
١ - يقول: ليس في كلام العرب أسم جمع ست مرات غير الجمل، فقد جمع على جمال وأجمل وجماله وجمالات وجامل وأجمال لأنه أكثر ما يكون الجمع مرتين أو ثلاثاً وهذا ست مرات فهو نادر، يقولون نعم وأنعام وأناعيم وقوم وأقوام وأقاويم لا يجاوزون ذلك. وينقل الرافعي رحمه الله هذا القول بنصه في كتاب (تاريخ آداب العرب) ، ويزيد أنه وجد صاحب القاموس عد للجمل جموعا ثمانية.
وهذا كله غير صحيح؛ فإن هناك أسماء جمعت أكثر من هذا الجمع، ولنذكر على سبيل المثال (الدار) فقد ذكر لها صاحب القاموس أحد عشر جمعا، وكذلك ذكر للفظة (الشيخ) . وذكر لبعض الكلمات جموعا ستة، وعبارة الرافعي الأخيرة غير صحيحة لأن صاحب القاموس ذكر للجمل أثنى عشر جمعا، فإنه قال: وجماله وجمالات مثلثين، ومعنى ذلك أن هذين اللفظين مع الضبط ينتجان جموعاً ستة.
٢ - ويقول: ليس في كلام العرب أفعلت أنا وفعلته لأنه صند كلام العرب غير أكب وأقشع، ولكن في كتب اللغة من ذلك أفعال، وقد أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر فعلا، ومنها أنقض وألام وأظأرت الناقة وأنزفت البئر وأمرت الناقة، وأسبق البعير وقلعه الله فأقلع، وحجمه فأحجم وأنسل ريش الطائر ونسلته.
٣ - ليس في كلام العرب اسم على فعال ليس بمصدر إلا كلمة واحدة وهي قولهم أدخل الفعال في خرق الحدثان فأس له رأس واحد، والفعال خشبة الفأس، فأما المصادر تطرد على الفعال في باب فاعل نحو ضارب مضاربة وضراباً وهو منقوص بنحو زمام الناقة وسوار المرآة وصوان الثوب وملاك الأمر ووجار الضبع. . . الخ.

