اختلف المفكرون فيما بينهم عن حقيقة رسالة الجامعة في الحياة الحديثة ، ولكن اختلافهم هذا لم يمنعهم من الانفاق على أن الطالب يبتغي في الجامعة إعدادا مهنيا ، وتعليما فنيا ، يؤهله للعمل بعد تخرجه واكتساب الرزق . والإعداد المهني وحده لا يكفي لتكوين شخصية الطالب ، وجعله مواطنا صالحا قادرا على إفادة نفسه ووطنه في مستقبل حياته على الوجه الأكمل ، بل يلزم أن تزداد ثقافة الطالب الجامعي زيادة عامة في نواح شتى ، عدا دراساته الفنية ، وتلزم ان تربي الجامعة في طلبتها روح تقدير العوامل المختلفة ، وتعودهم حل مشكلاتهم وتمرنهم على النظرة السائبة للأمور الخاصة والعامة على السواء . والسنوات التي يقضيها الطلبة في الجامعة سنوات هامة في حياتهم وحياة بلادهم ومستقبلهم ، لأنها قنطرة فاصلة بين من مرحلة الثقافة العامة حيث لا يتحمل الطالب مسئولية كبيرة ، وبين مرحلة العمل في خضم الحياة المتلاطمة الأمواج ، مما فيها من مسئوليات وتبعات .
هذا ما يبتغيه الطالب من الجامعة ، وما ينبغي أن تؤديه هي له من حق كامل غير منقوص . ولكن رسالة الجامعة أوسع من ان تقاس بما بينها وبين طلبتها من حقوق وواجبات ، إذ أن الجامعة تضطلع بمهمة أخرى قبل العلم والعرفان . لأنها تضم نخبة من الإخصائيين في مختلف العلوم والفنون ، الذين يقومون بواجبات التدريس في جزء من وقتهم ، وينصرفون في الجزء الباقي إلى الدرس والتقيب والبحث ، وزيادة حدود المعرفة الإنسانية في شتى نواحيها ومختلف فروعها . فإذا اصبحت الجامعة مكانا للخلق العلمي والمعرفة المتزايدة ، أمكن لها أن تشع نورها الوضاء في جميع مناشط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، فالعلم قوة والمعرفة نور . وبالقوة والنور يهتدي الناس سواء السبيل .
وقد نشأت التقاليد الجامعية في الأزهر وفي الجامعات الأوربية العريقة على عدة مبادئ أساسية ، أهمها الربط القوي بين حياة الطالب وحياة أستاذه ، حتى يمكن للأول أن يقتبس من الثاني القدوة ، وحتى يمكن للثاني أن يرشد الشخصية السامية التي بين يديه ويتعهدها ، ودليل
على ذلك نشأة الأروقة ومساكن الطلاب حول الجامعات ، وهو نظام ما زال متبعا بنجاح في بلاد كثيرة . ومبدأ آخر هو تكوين هيئة من الأساتذة أنفسهم تتولى شئون الإدارة الجامعية بنفسها دون تدخل من حاكم أو وال في حدود الميزاية المتوافرة للجامعة . والأمثلة كثيرة على مدى اعتزاز رجال الأزهر القدماء بعملهم . وثمة أمثلة كثيرة من تاريخ الجامعات الأجنبية تبين مراحل الصراع بين أهل العلم وأمل السلطة ، وكيف أن الغلبة في النهاية كانت للعلم وآله . ويخطئ من يظن أن الدعوة إلي الاستقلال الجامعي مبعثها الأثرة وحب الذات ، لأن سببها الحقيقي هو أن التدخل الخارجي لا يؤدي في النهاية إلا إلي انهيار البناء الجامعي ، وتحول الكليات إلي مدارس ثانوية راقية أو غير راقية . وهذا هو ما حدث في مصر الآن .
ونحن إذا نظرنا إلي التعليم الجامعي في مصر اليوم ، لا نجد فرقا محسوسا بينه وبين التعليم الثانوي أو الابتدائي من حيث الأغراض والأهداف . فالبرنامج محدد ، والمدرسون يقومون بإلقاء الدروس أو المحاضرات ، وفي آخر العام يتم الامتحان حيث يكرم المرء أو يهان . وصلة الطلبة بالمدرس لا تزيد في التعليم الجامعي المصري عنها في التعليم الابتدائي أو الثانوي ، لأنها صلة تبدأ بدقة ناقوس الحصة ، وتنتهي بالدقة التالية . والعيوب التي نشكو منها في التعليم العام من حيث المناهج وازدحامها ، وكثرة الدروس او قلتها ، وسوء المحافظة على النظام ، والتدخل الإداري المستمر وغير ذلك ، هذه ال البييوب توجد بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة في التعليم الجامعي .
وليس ثمة فرق جوهري اليوم بين الدارس المصربية وبين الجامعات سوي بحوث أمضاء هيئة التدريس . إذ لا يوجد مقابل لها في المدارس ، ولكننا لو أمعنا النظر
فيها نجد أنها ناشئة عن نفس الداء المتفشي في المدارس . وتفسير ذلك أن الجامعة في مبدأ نشأتها استعانت بالعلماء الأجانب ، وأرسلت البعوث الفنية إلي الخارج ، ليحلوا محل الأجانب شيئا فشيئا ، ولكن المبعوثين لم يكتب لهم عادة النفوق في الإنتاج العلمي والبحوث بعد رجوعهم ، مثلما كتب لهم أثناء إقامتهم في الخارج ، ولذلك رغبت الجامعة في رفع مستواهم العلمي ، فخرصت على أن تحثهم على ذلك ، بأن تعد المنتج منهم بالدرجات والترقيات العالية ، وتهدد غير المنتج منهم أو غير الموفق بعدم الترقية وعدم تطبيق مزايا الكادرات الخاصة ، وما إليها ، وغير ذلك من وسائل الوعد والوعيد ، وكذلك وجدت حركة البحث العلمي القائمة الآن في الجامعات المصرية . وشبيه بها حركة الاستغناء عن المدرسين ذوي الخبرة والكفاءة وإحلال حاملي الشهادات العالية محلهم في المدارس الابتدائية والثانوية ، وشبيه بها أيضا نظم الدراسات التكميلية والعليا التي أقبل عليها الكثيرون ابتغاء الميزة وتلمسا للترقية . فالدوافع واحدة وإن اختلفت الوسائل .
فلا غرو إذا أن تجد الجامعة مكتظة بآلاف الطلاب ، ومقرراتها مليئة بآلأف الموضوعات ، ودرجاتها مشغولة بمئات الأساتذة من ذوي الالقاب والمؤهلات ، وميزانياتها تزيد على المليونين من الجنيهات ، لا غرو أن تجد هذا كله ، وتجد أيضا كاتب هذا المقال وأمثاله يطالبون بوضع سياسة جامعية ، كأن ليس كل شئ على ما يرام .
وأمامنا بعض موضوعات ينبغي أن نجد لها ردا مدعما من الهيئات المسئولة في الجامعة وخارجها .
أولا : هل يجوز أن تكون الأمة في حاجة إلي أطباء ويصرف الطلبة عن أبواب كلية الطب بأي حجة من الحجح المالية أو الإدارية ؟ .
ثانيا : هل يجوز أن يزداد عدد الطلبة في الكليات
ازديادا لا يتناسب مع ما يعد لهم من أدوات ومعامل ، وهل يؤدى هذا إلى انحطاط مستوى التعليم الجامعى ؟ .
ثالثا : هل الأفضل أن ينخفض مستوى التعليم الجامعى فى مصر . أم أن يحد عدد طلابه مع المحافظة على مستواه ؟ .
رابعا : هل ثمة هيئة جامعية أو غير جامعية ، تنسق بين العرض والطلب على مختلف المعاهد والكليات ما أمكن ذلك ، وخاصة أن اختلال التوازن بين العرض والطلب فى هذا الموضوع ، يؤدى إلى غرم فاحش يدفعه الطالب بكل حياته ، والأمة بزهرة شبابها .
خامسا : هل تعنى الجامعات بترقية البحوث العلمية بين موظفيها ، وكيف تظهر هذه العناية فى الميزانيات السنوية على شكل أدوات معامل وكتب ومجلات دورية ومواد . وما نسبة ذلك إلى الميزانية الكلية ؟ .
سادسا : هل تعنى الجامعات بوضع سياسة إنشائية لإصلاح عيوبها وتدعيم أسسها ، وخدمة طلابها خاصة ، والأمة عامة .
سابعا : هل صحيح ما يقال إن التعليم الجامعى عندنا متضخم فى الكم وناقص فى الكيف ، وأن الأولى بنا العناية بالتعليم المتوسط الفنى .
ثامنا : كيف تساعد الجامعة على تكوين شخصية الطالب فيها وإعداده ليكون مواطنا صالحا.
والردود الرسمية على كثير من هذه الأسئلة معروفة ومعلومة ، إذ يمكن أن تسمع بلاغات رسمية عن الخدمات الصحية والاجتماعية واتحادات الكليات ومختلف مظاهر الرقى الجامعى . ولكن القائمين بالأمر يعلمون حق العلم أن الواقع يختلف عن المكتوب ، وأن ثمة إصلاحات كثيرة واجبة فى التعليم العالى فى مصر .
وقد اهتمت الجامعات الراقية فى مختلف أنحاء العالم
بمواجهة ظروف ما بعد الحرب ، فتألفت لجان عديدة لبحث أمورها ، وتحسين شئونها ، وتنسيق أعمالها واهتمت الحكومات بمعاونة الجامعات ماليا وأدبيا معاونة فعالة ، فقدمت الحكومة البريطانية مشروعا للبرلمان يعرف باسم تقرير لجنة بارلو ، كان من شأنه أن زيدت إعانة الحكومة للجامعات من ٢/١ ٣ مليون جنيه قبل الحرب إلى ١٢ مليون جنيه هذا العام ، واعتمدت الحكومة مبالغ لتوسع المعامل والمبانى الجامعية فى السنوات العشر المقبلة ، بلغ مجموعها ٥٠ مليون جنيه . وطالبت الحكومة بأن يزداد عدد الطلبة من ٥٠٠٠٠ قبل الحرب إلى مائة ألف مع الاهتمام بزيادة عدد طلاب الكليات العلمية . وقد رفضت جامعتا كمبريدج وأكسفورد أن يزداد عدد الطلبة فيهما ، بينما قبل ذلك جامعات أخرى . وتألفت لجنة من مديرى الجامعات البريطانية لبحث المسائل المشتركة بينهم . وعقدت هذه اللجنة مؤتمرين عامين ، آخرهما في الصيف الماضى ، نوقشت فيهما جميع الأمور التى تتصل برسالة الجامعة فى المجتمع الحديث . وألفت لجنة لدرس حالة البحوث العلمية فى جامعات اتحاد أفريقية الجنوبية . ووضع تقرير عن أعمالها نشر فى جامعة ناتال ، ويشير هذا التقرير إلى مسائل كثيرة تشبه ما نحن فيه من تخبط وقصور.
وعندنا والحمدلله لجنة برئاسة معالى وزير المعارف العمومية تبحث أمر الاحتفال بمرور ٢٥ عاما على إنشاء جامعة فؤاد الأول ، وذلك فى سنة ١٩٥٠ ، وكل ما نطمع فيه ألا يحل موعد هذا الاحتفال القومى العظيم دون أن تتكون هيئة عليا تتولى درس مشكلات الجامعة ، وتجيب الأمة إجابة شافية عن السؤالين التاليين : هل أدت الجامعة رسالتها كاملة ؟ وما هى الوسائل اللازمة لتمكينها من أداء تلك الرسالة .

