الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324 الرجوع إلى "الرسالة"

ليلة على سفح قاسيون !

Share

يا ليلة السفح هلا عدت ثانية ... سقى زمانك هطال من الديم لم أفض منك لبانات ظفرت بها ... فهل لى اليوم إلا زفرة الندم ؟ (الشريف)

يا ليلة ما كان أجملها وأقصرها ... وكذلك تكون ليالى  الأنس فاتنات قصيرات الأعمار ! يا ليلة ستمر الليالى ولا تمحو من نفسى ذكراها ولا أستطيع  أن أنساها ...

يا ليلة ... سكرت فيها بلا كأس ولا قدح ... لقد علمتنى  السكر فسأسكر الليالى الآتيات بذكراك ... ولكن ثمالة السرور  لا يكون فيها إلا رحيق الألم ... صدق دانتى: إن ذكرى اللذائذ الماضية تؤلمنا !

تلك هى ليلتنا على سفح قاسيون، فى قهوة (حسن آغا)  نظم فيها قلادة الأصحاب والأحباب، شفاءُ الطفل المحبوب    (إبراهيم الرواف) فاجتمع الشمل وتم الأنس وألفت الحلقة بين  العلم والأدب والشعر والفن والنكتة والغناء، وجمعت القهوة بين  العراق والشام، ودمشق وبيروت، فكان فى المجلس كرام أهل

كل بلد وكبار أهل كل فن ... وشاركت الطبيعة الناس فى فرحة  الشفاء فتزينت بحلة الأصيل المنسوجة بخيوط الذهب، وماست  أشجار الغوطة دلالاً، وهمست الأوراق بترتيلة المساء، وكان  مشهد لا يفيد فيه الوصف، لأن مثله لا يرى إلا فى دمشق  أو فى جنان الخلد، ودمشق جنة المستعجل ...

وتحدث الأستاذ البيطار، وتطارح الأستاذان الأثرى  والتنوخى الأشعار، ثم تسلم المجلس الأستاذ سعدى ياسين خطيب  بيروت فلم يبق لأحد مجال لمقال، وطفق يلقى النكتة إثر النكتة  والنادرة تلو النادرة، ونحن نمسك بخواصرنا، ونضرب من  الضحك بأرجلنا ونمسح دموعنا، وهو لا يكف ولا يقف، ففكرت  كم يضيع بيننا من الآداب التى لو دوناها كما دون المتقدمون  لكانت لنا ثروة هائلة. وحسبك من هولها أن ما رواه صاحبنا  تلك الليلة وارتجله يملأ كتاباً كبيراً ... حتى إذا انطفأ مصباح  الكون، ولبثت عروس الطبيعة ثوبها الأسود، ووجب حق الله  علينا، قمنا إلى الصلاة، فأذن مؤذن منا، فلم نفرغ من الصلاة  حتى أذن مؤذن آخر أن حى على الطعام ...

ولما فرغنا وامتلأت بطوننا، حسبت المجلس سينفض، وأن  القوم قد طعموا فلابد أن يتسروا، فإذا المجلس يبدأ، وإذا الشيخ  سعدى يقدم المقدمات ... ويتحدث عن الغناء والطرب، فما ظننت  والله إلا أنه سيغنى. ولقد سمعته حين أذن فسمعت صوتاً حلواً  ورنة عذبة، ولكنى وجدته يشير إلى شاب ما فتح منذ الليلة فمه  ولا تكلم بكلمة، فظننته يمزح وقلت إحدى هناته والله؛ غير أنه  بالغ فى إطراء الشاب وشاركه فى ذلك من اعتمد ذوقه واطمأن  إلى حكمه وارتضى فهمه، فشككت ولم أصدق أن يكون فى دمشق  مغن مجود لا أعرفه، على ولعى بأهل هذا الفن، وعلى صلتى بالأديب  الموسيقى الأستاذ حسنى كنعان لولب أهل الموسيقى ... وكان أشد  ما أخشى منه أن يردد علينا اسطوانات عبد الوهاب وأم كلثوم  ويحسبها علينا ليلة طرب، وتمنيت لو ارتجل ارتجالاً ولم يجاوز  أنغامنا العربية إلى أنغام لا نألفها ولا نحبها، ولا يدعى محبتها  إلا قوم يراءون بالطرب منها حتى يقال إنهم متمدنون وأن لهم  بموسيقى أوربة بصراً، ولست بحمد الله من هؤلاء ...

وما لبث الشاب أن غنى، فإذا صوت تمنيت والله أن يكون لى  علم الأستاذ محمد السيد المويلحى لأصفه لقراء الرسالة كما يصف هو،

فأقيسه ب (الكونترالتو) الذى لا أعرف أهو شىء مأكول  أم ملموس، وب (الميزو سبرانو) الذى لا أدرى أهو حيوان  أم نبات أم جماد أم هو شيطان من شياطين الموسيقى؟ ولكنى  واحسرتا جاهل بهذا الفن، وليس عندنا فى دمشق مويلحى آخر  يخلد ذكر هؤلاء النابغين المغمورين المساكين فى الرسالة !

أفيصح أن أصفه كما اعرف؟ بدأ بـ (يا ليل) بصوت ناعم حلو، فأطربنى صوته، وأعجبتنى  نغمته، ولم أعب عليه إلا خفوته ونعومته؛ وصحت وأنا رجل طروب،  وصفقت، فقال لى القوم: انتظر إنك لم تسمع شيئاً. وانتظرت  فإذا هو يدور بالنغمة دورة، فإذا له صوت قوى وضخم ولكنه واطئ  كقرار عبد الوهاب؛ وإن كانت له قوة صوت صالح عبد الحى  أو الشيخ صبحى الإمام فى الشام، ثم يعلو به ويعلو، حتى يرتفع  ارتفاعاً هائلاً، وهو لا يزال على قوته ورجولته، فبالغت فى الإعجاب  وهزنى الطرب، فقالوا انتظر، أن بعد هذا لشيئاً، فسكت أنتظر  وما أظن أن بعد هذا شيئاً يكون، فإذا الشاب (عادل القربى)   يقفز من هذا العلو إلى طبقة أعلى وأرفع، وإذا له صوت صبى برقته  وحدته وصفائه، فاستخفى والله الطرب، حتى هممت لولا الحياء  أن أقوم له فالتزمه وأقبله، وتركنا فى هذا الأفق السامى، وهبط  بآهة من آهاته إلى القرار، ثم تهاوت آهته واختفت حتى لقد  سمعت الهاء الساكنة ينطق بها قلبه ... ثم سكت سكتة، فلا والله  ما ظننا إلا أن الدنيا قد دارت بنا، وثارت فى نفوسنا عواصف  من العواطف الدفينة، والذكر الكامنة لا يعلمها إلا الله، وكانت  لحظة صمت وخشوع، آمنت فيها بما تفعل الموسيقى ... ثم انتبه  القوم فزلزل المكان بالتصفيق والهتاف ...

ثم عاد ينادى هذا الليل الأصم: (يا ليل - يا ليل) والليل  يصغى ويطرب، ولكنه لا ينطق فيجيب. (يا ليل - يا ليل)  كم ذا يهتفون باسمك وأنت صامت! (يا ليل - يا ليل) يا ملجأ  البائسين، يا سمير العاشقين، يا حبيب المتعبد الناسك، يا عدو المريض  المتألم الحزين! (يا ليل) كم يخفى ظلامك من مشاهد البؤس ومظاهر  النعيم! (يا ليل) كم تضم أحشاؤك من الآم وآمال! كم تشهد من  أفراح وأتراح! (يا ليل) كم يتمنى بقاءك سعيد جذلان، وكم يرقب  فجرك ضائق حزنان(1) (يا ليل - يا ليل) كم بين جوانبك من  ساهر يراقب النجم يرقب حبيباً لن يعود أبداً. أو يناجى ميتاً

لا يسمع، أو يحنو على مريض لا يشفى، أو يشكو والحياة  لا تسمع شكاة (يا ليل) يا رمز السرمدية، يا حليف المسرات،  يا قرين الآلام !

امتلأت نفسى شجناً، وأحيت هذه (الليالى) ليالى الخاليات  وملك نفسى شعور أعهده منها كلما سمعت الصبايا لسحر الصبا ...  ومضى الشاب يقلب الأنغام فيتلاعب بالقلوب والمشاعر. ثم كرّ  كرة فجاء بنغمة متقطعة مرقصة ... وأتى بدور يترع النفوس  فرحاً، واضطر القوم كلهم أن يرددوا كلمات منه بصوت منخفض  يخالطه صوته الدقيق العالى فيكون منه اتساق (آرمونى) موسيقى  عجيب، وعاد المرح إلى المجلس، وسقط الوقار عن أوقر أهله  فعلمت أن موسيقانا ليست كلها بكاء وألماً ولكن فيها المرقص  المطرب، وكان الشيخ سعدى لا يذخر سكتة بين نغمتين إلا أحكم  المرمى وقذف بنكتة من نكته التى لا ينفد معينها. وزلزل المجلس  بأهله من الضحك والغناء، حتى لقد حسبت الدنيا ترقص معنا.  ثم حط الغناء على أنشودتنا الشعبية الخالدة (يا ميجنا - يا ميجنا)   تلك التى تصور بمعانيها النفس الشامية، وتمثل بصورها طبيعة  بلادنا وجمال ديارنا، وهى رمز عبقريتنا الشعبية ومجال الابتكار،  ومحك القريحة؛ فهي ترتجل أبداً ارتجالاً وتعقد لها المجالس،  ويقوم الشاعران يتقارضان المدح أو الهجاء، وأهل المجلس  يرددون اللازمة ... (الميجنا) أنشودتنا الأزلية التى لا يعلم أحد  من نظم أول مقطع منها ولا متى ينظم آخر مقطع ... ثم أخذنا  فى الأغانى البلدية (هيهات يابو الزلوف) :

من هُون لَ أرض الدير ... من هُون لَ أرض الدير

والسّر اللي بيننا ... إيشْ وَصَّلُو للغير

وان كان ما فى ورق ... لَ أكتب عَ جناح الطير

وان كان ما فى حبر ... بدموع عينىّ. . . . . . . . . .

تلك الأغانى التى ولدت فى أودية الشام المختبئة فى سر الغيب  لا يعلم بها إلا أهلوها والله العالم بكل شىء، وذراه التى لا يسكنها  إلا أهلوها والنور

... فيا أيها المصطافون بالله عليكم، لا تقفوا عند صوفر  وبحمدون وبلودان، بل تغلغلوا إذا أردتم أن تشاهدوا الجمال جمال  الفطرة، واهبطوا أودية، وارتقوا ذرى، واركبوا الدواب،  وسيروا على الأقدام، ولكن لا... لا يا أيها المصطافون بالله عليكم،

انسوا ما قلت لكم، ودعوا الجبل على فطرته، اتركوه يعيش  على جهله الفاضل، وفقره السعيد. لا تحملوا إليه الحضارة التى  أفسدت بلودان وصوفر وبحمدون ...

هذه الحضارة، ويل لنا من هذه الحضارة ! لقد سلبتنا كل شىء ! فهل تسلبنا موسيقانا ؟ إنا لا نجد  ساعة الضيق إلا أغانينا وأنغامنا، نصب فيها آلامنا ونستوحيها  الأمل ونمسح بها دموعنا. أفتريدون ألا يبقى لنا وزر نلجأ إليه  ساعة الصبق ؟

إن الموسيقى غذاء الروح، فشأنكم، قلدوا أوربة فى كل شىء  لكن دعوا لنا غذاء أرواحنا. أفتحبون ألا نجد لأرواحنا غذاء  فنتركها تذوى وتموت ؟

هذه صرخة قلوبنا، فهل يصغى إليها هؤلاء الذين وهبهم الله  نعمة الفن ليحفظوا علينا فننا، فذهبوا يضيعون بهذه النعمة  فننا؟ هل يصغى عبد الوهاب نابغة العصر؟

إنى والله لأسمع فى السينما أغانى القوم من أهل أوربة، فلا أحس  طرباً ولا أرى فيها إلا اختلاطاً فى الأنغام من باب ...

سقياً ورعياً وزيتوناً ومغفرة ... قتلتم الشيخ عثمان بن عفانا وليقل عنى من شاء ما شاء، ثم أسمع عبد الوهاب فأعجب،  ولكنى لا أطرب، فإذا سمعت علياً الكردى فى الشام أو القبانجى  فى بغداد عرفت ما هو الطرب. هكذا أنا، وهكذا الناس، فدعوا لنا أغانينا ... وضرب الشاب فى كل فن من الغناء، ثم غنّى فى أبيات  أبى صخر الهذلى:

عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

فيا حبها زدنى جوىً كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

ويا هجر ليلى قد بلغت بى المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر

وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر

أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر

لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ...

                                       أليفين منها لا يروعهما الذعر

فنقلنى إلى مجالس الخلفاء التى صورها أبو الفرج، ونال  منى الطرب؛ فعرفت أن لقد كان حقاً ما ذكر الأصبهانى وأن المرء  قد يمزق ثوبه من الطرب، أو يحرق لحيته بالسراج وينادى النار

يا أولاد ال ... ومن يضع الوسادة على رأسه ويصيح (زلابية  بعسل) ...

ولكن ماذا ينفع الشاب إعجابى، وماذا تفيده هذه العبقرية  وهو مضطر إلى العمل فى سوق الحميدية ليعيش ؟ أفليس حراماً  أن يدفن هذا النبوغ فى دكان؟ أليس حراماً أن صبحى الحموى  يعيش متنقلاً بين القرى يراقب إصلاح لطرق المخربة وهو من  أقدر من أمسك بمضراب العود؟ أليس حراماً أن يكون  عليّ الكردى شيخ الفن القديم فى الشام دلال بيوت؟ أليس  حراماً أن يشتغل تحسين بك سيد أهل الناى فى البلاد كلها  بإصلاح أنابيب المياه فى البيوت وهو فى الثمانين من عمره؟

وفى بغداد، أليس الشيخ حيدر الجوادي عاملاً فى دار لتجليد  الكتب؟ وفى مصر، أما فيها كثير من أهل الفن لا يعبأ بهم أحد؟ ولكن لا بأس

لقد عهدتك بعد الموت تندبنى ... وفى حياتى ما زودتنى زادى

لا بأس أن يموت الفنان جوعاً، فسينصب له بثمن خبزه  تمثال، ورحمك الله يا سيد درويش ... (دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية