الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 277الرجوع إلى "الثقافة"

ليلتان من "ألف ليلة وليلة" لم ينشر للآن:، طائر الحب، " مهداة إلي - تيمور!! "، ) الحب كالحظ ، والحظ كالحب : كلاهما أعمي !! (

Share

وفي ليلة ( قالت شهر زاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان ، وسالف العصر والأوان ، ملك جليل الشان ، عظيم الجاه والسلطان ، أجزل الله له في النعم ، من مال وجاه وخدم وحشم ، ولكنه كان كثير الهموم والأنين ، لحرمانه نعمة البنين

واستفاضت شهرته في أقاصي البلدان ، وتحدثت بأمنيته الركبان

وعلم بها منجم له قدم راسخة في الطب والسحر والعرافة ، فقدم علي الملك يعرض عليه خدماته ، فقوبل بحفاوة بالغة ، وأنزل في القصر الملكي منزلا مباركا .

وما هي إلا أيام حتى طلع على الملك بالبشري السعيدة ، وقبل الأرض بين يديه ثم قال : اعلم أيها الملك المجدود ، أن قد أقبل اليمن والسعود ، فستنجب بنتا ساحرة فتانة ، جميلة حسانة ، وسأزرع في روض " القصر " الناضر ، شجرة من الورد النادر ، وستطلع وردة صغيرة ، يوم ميلاد الأميرة ، تنمو بنموها ، وتنضج بنضجها ، وسيتزوج الأميرة الرائعة ، من يحوز هذه الوردة اليانعة . . ثم قدم للملك بعض التمائم ، ومزيجا من الأعشاب النادرة ، لتحمل الملكة الأولى ، وتتناول الأخري .

ثم قبل الأرض بين يديه ، وانصرف متمتما بالتعاويذ والدعوات

ومضت أسابيع ، وتحققت نبوءة ذلك المنجم وسرت البشائر في طول البلاد وعرضها ، وأشرقت الوجوه بالبسمات ، وتبودلت التهنئات . لقد حملت الملكة

وترعرعت شجرة الورد ، وتفتحت براعمها ، وتفرعت أغصانها ، وطالت أفنانها و . .

ومضت شهور. . وإذا البستاني يلمح في ذروة الشجرة العجيبة برعما يتفتح عن وردة صغيرة ملففة في أكمامها . وكان ذلك إيذانا بمولد الأميرة

واهتزت البلاد فرحا ، وجنت سرورا وطربا ، بمولد الأميرة الغالية ؛ ونصبت الزينات ، وأقيمت الحفلات ، ووزعت الصدقات والهبات .

وأمضت الوردة طفولتها مرحة مدللة عابثة ، يداعبها النسيم عليلا رقيقا . ويتساقط عليها الطلل ، قطرات صافية صفاء قلبها البريء ، وتشدو حولها الطيور بأناشيد الطفولة الضاحكة الراقصة اللاهية .

وتتالت السنون ، تتبعها سنون ، وهي تزود الوردة بالسحر والفتون . .

وتخطت عقدها الأول ، فاكتمل سحرها ، وتناهت فتنتها ، وتفتحت أكمامها ، واحمرت وجنتاها . . فبدت تسبي اللب ، وتخطف البصر ، وتأسر الخاطر

وانقلب النسيم الخبيث عاشقا ولهان ، يلاعبها في قسوة ملاعبة المشوق اللهفان ، يهز قدها ، ويداعب خدها ، ويعب بشفتيه من أريجها الفواح .

والطيور ! لقد أضحت تحوم حولها ، وتهزج لها بأهازيج الغرام ، وتصب في مسمعيها ترتيلات الحب والهيام

والقمر . . والشمس !! . .

. . في سكون الليل ، وفي ضوء القمر ، وفي غبشة السحر ، حين تغفو العيون ، وتلقي النفوس زمامها إلي ملك الرقاد الهنيء ، ويحدوها حادي الأحلام بحداء شجى أخاذ

في هدوء الليل . كان طائر الحب - وهو طائر جميل جميل ، رائع رائع ، ذو منقار ذهبي ، وريش مرقش موشي ، وجناحين- يعتلي ذروة شجرة الورد- حيث وردتنا -الفاتنة ويرسل من فمه ذي المنقار الذهبي ألحانه الشجية ، وأنغامه الساحرة ، ويسكب في مسمع الوردة أغاريد الهوي ، وترانيم الصبابة ، فتفتح قلبها للحب ، وانعقد الخجل في وجنتيها حمرة ناصعة . ونبت دلال الأنوثة وكبرياؤها شوكا قويا حادا يحمي غصنها اللدن الرطيب من عبث العابثين

وتغيرت المسكينة ، فأصبحت ترسل بين الفينة والفينة آهاتها ، وتنفث آمالها وأحلامها في أنفاسها ، فتعطر الجو بأريجها المتضوع العطر

وكان القمر يحنو عليها ، ويغمرها بفيض من أشعته الفضية ، لتغتسل فيها من أوضار النهار

وكانت الشمس ترثي لحالها فترسل من قرصها الذهبي أشعتها العسجدية ، لتكفكف ما سكبته من الدموع ، وتجفف ما تساقط من مآقيها علي خدودها

ياللوردة ! لقد تفتح قلبها للحب ! وحان قطافها ! . .

وأتمت الأميرة الحسناء خمسة عشر ربيعا من عمرها السعيد ، وكانت كأختها الوردة جمالا وفتنة . . وتفتح قلبها للحب ! . وحان قطافها !

وأعلن الملك في أرجاء البلاد - اتباعا لمشورة منجم القصر - أن طائر الحب سيقطف وردة الأميرة ، وستكون الأميرة زوجا لمن يقدم هذه الوردة ، بعد أن يؤثره بها طائر الحب

ولا يفوتني - أيها الملك السعيد - أن أذكر لك أن من المستحيل أن يجرؤ شخص على قطف هذه الوردة بنفسه ، فالحديقة لا يدخلها غير الملك والملكة والأميرة ،

فضلا عما أحاطها المنجم من سحر رهيب ، يصعق كل من تحدثه نفسه الأثيمة بالإقدام على هذا العمل الأهوج .

وفاتني أن أذكر لك أنه كان لوزير الملك ابن في جن شبابه ، وفورة فتوته ، قد بلغ الكمال من الرجولة . وتشرب فنون الفروسية وضروبها ، وهو مع ذلك ممشوق القوام ، جميل الطلعة ، قسيم وسيم ، ينبعث من عينيه جاذبية آسرة .

فلما أعلن الملك هذا الإعلان الغريب ، تطلع الجميع إلي ابن الوزير ، واعتقد الكل أن الأميرة من نصيبه ، فهو غرة جبين المملكة كلها ، وقمرها الساطع ، وشمسها المتألقة

ولقد كان هو نفسه مطمئنا واثقا ، معتقدا كل الاعتقاد أن طائر الحب لن يخطئه فهو أولى الناس بها لمكانته وقدره فضلا عما يكنه لها من حب جارف عارم

وكان له تابع ، يتبعه كظله في الحل والترحال ، وكثيرا ما حظى برؤية الأميرة الجميلة ، وهو في صحبة سيده ، فكان يهفو نحوها قلبه ، ولكنه يرجع إلي نفسه ، فيخزي ويبتئس

وكان ينام هذا التابع في غرفة تجاور مخدع ابن الوزير وتلاصقها .

وفي ليلة من الليالي داعبته الأحلام ، وظنها هازئة به ساخرة ، فلقد رأي الأميرة أصبحت ملكا له ، يرضب ريقها ، ويلثم خدها ، ويهصر قدها ، وأنه أصبح أقرب المقربين إلي الملك . . أصبح زوجا للأميرة !

إنه لحلم رائع جميل!! استيقظ على أثره ، ففرك عينيه ، وتمطى وتثاءب ، ولكنه نشق رائحة قوية حادة تعطر أرجاء الغرفة ، وتعبق في جوها رائحة مسكرة .

يا الله ! إنه لحلم آخر ، ولكنه من أحلام اليقظة واستجمع إرادته وعزمه ، وانتشل نفسه من هذا الحلم أيضا ولكن ليغرق في حلم أعمق من هذين وأغرب ! لقد وجد على فرشه ... وردة !! ، ويالها وردة !! إنها ليست من

رياض الدنيا . إنها من الجنة!! ألونها !! رائحتها . جمالها ... سحرها ... أيكون هذا تفسير للحلم ؟ ! أتكون وردة الأميرة ؟! أتكون ؟ حقا إن الدهر بهذا لضنين

وأدرك شهر زاد الصباح ، فسكتت عن الكلام المباح

وفي ليلة ) ( قالت : اعلم أيها الملك السعيد أن التابع لما عثر على الوردة ، جبن أن يظهرها فضلا عن أن  يتقدم بها ، فخبأها في أعز مكان وأمنعه ، وفي اليوم نفسه أخبر البستاني الملك ، وردة الأميرة قد قطفت ! !

هنالك كانت النفوس مسرحا لمزيج من الأحاسيس المتضاربة ، والمشاعر المتنافرة : من فرح وحيرة ، ورهبة وخوف... واستسلموا لما يأتي به القدر ، وأيديهم  على قلوبهم

وانتظروا ، ولكن لم يتقدم أحد ، وطال الانتظار أياما ، وبرح بالأميرة الصغيرة الحب والجوي ، وكانت تهذي بالنهار ، وتحلم بالليل ، وأورثها الهوي السهد والسقام ، وبانت حالها تنذر بالخطر

واستشير منجم القصر ، فأخبر أن وردة الأميرة قد قطفها طائر الحب ، وهي الآن في حوزة شخص يهيم بالأميرة ، وتهيم الأميرة به ، ولكنه في خشية ورهبة من التقدم . .

وأعلن الملك مرة أخري أن الأميرة من نصيب من يتقدم بوردتها ولو كان

وفي الوقت نفسه أوعد كل من يحتازها ولا يتقدم بها ، وجعل الصلب عقابا له .

هنا لم يجد التابع بدا من الظهور ، واعتقد أن الدهر قد بسم له ، وحقق أحلامه ، فتقدم إلي الملك ، وقبل الأرض بين يديه ، ثم قدم إليه الوردة العجيبة - وكانت ناضرة زاهية كأنها قطفت لساعتها

ولم تتمالك الأميرة - وكانت حاضرة - أن ترتمي

بين أحضانه ، وتشبعه ضما وعناقا ، وكان لذلك فعل السحر في نفسها وجسمها ، فارتدت إليها نضارتها .

ودهش الملك ، وسقط في يده ، ووجد نفسه أمام الأمر الواقع ، فلم يجد مناصا من إتمام الزواج بعد أن خلع على التابع الخلع السنية ، ونصبه أمينا للقصر

على أن الحكاية لم تنته بعد - أيها الملك السعيد فلقد غيظ الملك غيظا شديدا ، كادت تنفطر منه نفسه ، فأمر حراسه بأن يبذلوا غاية جهدهم لصيد هذا الطائر الملعون - طائر الحب- والإتيان به حيا ، حتى يشفي منه غليله

وترصد له هؤلاء الحراس ليالي متواليات ، وتمكنوا من اقتناصه ، وأتوا به إلي الملك

وقبض عليه الملك - في غيظ وحنق - ولم يرعه منقاره الذهي ، ولا ريشه المبرقش ، ولا

وضغط على أضلاعه ضغطة كانت فيها روحه ، وقذف به إلي أرض الحجرة ، فارتطم بها جثة هامدة

وزفر الملك زفرة ، أزاح بها هموما ثقالا كانت جاثمة على صدره ، وأخذ ينظر إلي الطائر الصريع نظرات التشفي والشماتة .

ولكنه رجع فالتقط الطائر مرة أخري وأخذ يتفحصه ، ويقلبه بين يديه ، ويطيل النظر إليه ، ولم يصدق عينيه !

واغرورقت عيناه بالدموع ، وحرك رأسه ، وأرسل آهة عميقة ، وأخذ يقلب كفيه ، ويقول : لقد ظلمتك ! لقد ظلمتك أيها الطائر المسكين

وبدا نادما سادما ، حزينا أسفا . لقد وجد الطائر ! وجده أعمى .

وأدرك شهر زاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

) القنايات - شرقية (

اشترك في نشرتنا البريدية