- ٣ -
. . . في صباح يوم السبت توجهت إلى بهو أمانة العاصمة لأؤدي واجب التحية، تحية العيد إلى وزراء الدولة. وقد ظنني فخامة الرئيس عراقياً، لأني كنت بالسدارة، فسرني ذلك. وكانت فرصة طيبة عيدت فيها على رجال كنت أحب أن أذهب إليهم في منازلهم؛ وراقني أن يعرف العراقيون مكاناً عاماً يلتقون فيه يوم العيد، وهي عادة حسنة كنت دعوت إليها في الرسالة التي قدمتها للمباراة الأدبية الرسمية: رسالة (اللغة والدين والتقاليد)
وتلفتّ فرأيت الدكتور حسين كامل يشير اليّ، وما هي إلا لحظة حتى كانت يد كريمة تصافحني وتقول: أنا الدكتور شوكة الزهاوي رئيس الجمعية الطبية العراقية، وقد سألت عنك مرات لأن أسمك يرد كثيراً في المخابرات التي تجري بيننا وبين الجمعية الطبية المصرية. والحمد لله على أن اهتديت إليك بعد التشوف والاشتياق
ثم أستطرد فقال: إيش لون ليلى؟ (واللون في عرف العراقيين هو الحال في عرف المصريين) فقلت وأنا أبتسم: ستعرف ذلك يوم ألقي بحثي في المؤتمر الطبي عن ليلى المريضة بالعراق
فقال: عجل بدفع الاشتراك ليحفظ لك مكانك بين الخطباء. فأخرجت ديناراً لم يكن معي سواه وقلت: إليك الدينار في سبيل ليلى! والله المستعان
والظاهر أنه لم يعرف شيئاً عن الرسالة التي كلفت الأستاذ الزيات تبليغها إلى الجمعية الطبية المصرية (ولا تغضب يا صديقي الزيات من كلمة تكليف، فكذلك قلت، وما أكذب عليك)
وفي المساء ذهبت إلى نادي المعارف واشتركت في استقبال الكشافة السورية، وألقيت خطبة تناسب المقام. وما كادت تنقضي الحفلة حتى عدوت إلى منزلي لأنتظر وصيفة ليلى
وجاءت الساعة العاشرة ولم يحضر أحد، فقلت في نفسي: هذا جزاء الفضول!
ثم تذكرت أني أؤدي خدمة وجدانية سيذكرها التاريخ فأنشرح صدري بعض الانشراح وهدأت، ثم أخذت أقلب أوراقي في سكون واطمئنان
وبعد نصف ساعة أحسست يداً رفيقة تطرق الباب، فخففت إليه في وقار مصنوع وفتحته بدون أن أسأل عن أسماء الزائرين. وما الحاجة إلى ذلك وأنا أعرف جوهر الزيارة في نصف الليل؟ وليتها كانت زيارة تذكر بالأيام الخوالي حين كنت أدرس الطب في باريس، وحين كنت أترك الباب بلا رتاج لتدخل الصغيرة المحبوبة حين تشاء
إنها زيارة جرداء ستنقضي في السؤال والجواب، وأنا اليوم طبيب مسؤول عن رعاية الحرمات
دخلت جميلة أولاً، وتبعتها ليلى. دخلتا ملفوفتين، مع أن المرأة جميلة جاوزت الستين؛ وشعرت بشيء من الخجل للفقر البادي في غرفة الاستقبال، ثم تماسكت حين تذكرت أن هاتين المرأتين تفهمان بلا ريب أني طبيب غريب وأن الوقت لم يتسع لتأثيث العيادة والبيت
- يا جميلة، ما أسم هذه الوصيفة؟ - اسمها ظمياء، ولكن ما ذنبي عندك يا دكتور حتى تغير اسمي؟ فقلت: لن أذكر أسمك الصحيح في علاج ليلى، لأني لا أريد
أن تغتنمي الفرصة فتصبحي علماً على حسابها يا حيزبون! وأخذت المرأة في اللجاجة ولكني انصرفت والتفت إلى ظمياء - إيش لون ليلى؟ - بخير، يا دكتور، وقد سرت في روحها البشاشة منذ الوقت الذي رأتك فيه، ولكن في نفسها منك شيء
فقلت وأنا منزعج: وما هو ذلك الشيء؟ أعوذ بالله من كيد الشياطين!
فأجابت: كتب إليها كثير من أدباء مصر يؤكدون أنك أديب ولست بطبيب
فقلت: هؤلاء دساسون، وقد آذوني قبل ذلك أبلغ إيذاء، فقد كنت خطبت فتاة في باريس وطاب لي معها العيش، إلى أن تدخل المفسدون وحدثوها أني متأهل، وأن لي خمسة أبناء. وأنا يا آنستي رجل محسود لا أخطو خطوة إلا وحولي رقباء لا ضمائر لهم ولا قلوب
فقالت: ولكن ليلى رأت في صدور كتبك أنك دكتور في الآداب
فقلت: هذا تواضع مني، لأن الطبيب الحق لا يقول إنه طبيب، ومع ذلك فلا بأس من إخبارك بكل الحقيقة لتبلغي ليلى فتطمئن. عندي يا آنستي ثلاث دكتوراهات: الأولى في الآداب، والثانية في الطب، والثالثة في القانون
فتهلل وجه ظمياء وقالت: الآن فهمت ما ينشر في الجرائد من أنك تلقي محاضرات في كلية الحقوق
فقلت: هو ذلك يا آنستي. وستقرئين في الجرائد بعد حين أني ألقي محاضرات في كلية الطب!
والآن ندخل في صحيح الغرض من هذه الزيارة الليلية، ولندرس الموضوع من جميع الأطراف، لأني لا أستريح إلى دعوتكما لزيارتي مرة ثانية، فإن العيون تترصدني من كل جانب، وسمعة الطبيب هي كل ما يملك، وأنت في الحق فتاة حسناء وأخشى أن تحيط بي من أجلك الظنون
فتنهدت وقالت: العفو يا دكتور! إن مرض ليلى هدني ولم يبق مني على شيء
فقلت وقد غاظني أن تحسبني أتغزل: أسمعي، ليس الوقت
وقت دلال، أنت هنا في خدمة الواجب، أجيبي على الأسئلة بصدق وصراحة، واحذري عواقب المداورة في الجواب
- هل ترين ليلى امرأة مصونة؟ هل يحيط بسمعتها قليل من الشبهات؟
- ليلى مصونة كل الصيانة يا دكتور، بالرغم من كثرة الحواسد لم تستطع امرأة أثيمة أن تقول في حقها كلمة سوء، فهي مثال الطهر في بغداد، وحديثها كالعطر في جميع أرجاء العراق
- وكم سن ليلى الآن؟ وكيف كان ماضيها في الحياة الزوجية؟
- هي في حدود الأربعين، ولا تزال عذراء (وعندئذ دونت في مذكرتي أن المرأة التي تصل إلى سن الأربعين وليس لها زوج ولا أطفال معرضة لكثير من الأمراض، وهذه أهم نقطة أعرضها للدرس في المؤتمر الطبي)
ثم رفعت بصري إلى ظمياء وقلت: ولكن كيف أتفق أن تعيش ليلى كل هذا العمر عذراء؟
فتلجلجت الفتاة ثم لاذت بالصمت، فنهرتها بعنف، فأجابت وما تكاد تبين: - كانت تحب الضابط عبد الحسيب - ومن هو الضابط عبد الحسيب؟ - فتى كان في الجيش العراقي وأبوه من مصر وأمه من لبنان
(للحديث بقية)

