رأيتُني جالساً في مسرح هزلى بمدينة اسكندرية كما يجلس القاضى فى جريمة يحمل أهلها بين يديه آثامهم وأعمالهم ويحمل هو عقله وحُكمه. وقد ذهبت لأرى كيف يتساخفُ أهلُ هذه الصناعة فكان حكمى أن السخافة عندنا سخيفةٌ جداُ. . . .
رأيتهم هناك ينقدون العيوب بما يُنشئ عيوباً جديدة، ويسبحون بأيديهم سباحة ماهرة ولكن على الأرض لا فى البحر، وتكاد نظرتهم إلى الحقيقة الهزلية تكون عمىً ظاهراً عما هى به حقيقة هزلية؛ ولا غاية لهم من هذا التمثيل إلا الرقاعة والاسفاف والخلط والهذيان، إذ كان هذا هو الأشبه بجمهورهم الذى يحضرهم، وكان هو الأقرب إلى تلك الطباع العامية البليدة التى اعتادت من تكلف الهزل ما جعلها هى فى ذات نفسها هزلاً يسخر منه
ولا أسخف من تكلف النكتة الباردة قد خلت من المعنى، لا تكلفُ الضحك المصنوع يأتي في عقبها كالبرهان على أن فى هذه النكتة معنى
فالفن المضحك عند هؤلاء إنما هو السخفُ الذى يوافقون به الروح العامية الضئيلة الكاذبة المكذوبَ عليها التى يبلغ من
بلاهتها أحياناً أن تضحك للنكتة قبل إلقائها، لفرط خفتها ورعونتها، وطولِ ما تكلفت واعتادت. فما ذلك الفن إلا ما ترى من التخليط فى الألفاظ، والتضريب بين المعانى، وإيقاع الغلط فى المعقولات؛ ثُم لا ثُم بعد هذا فلا دقة فى التأليف، ولا عمق في الفكرة، ولا سياسة في جمع النقائض، ولا نفاذ فى أسرار النفس، ولا جدّ يؤخذ من هزلية الحياة، ولا عظمة تستخرج من صغائرها، ولا فلسفة تعرف من حماقاتها والفرق بعيد بين ضحكٍ هو صناعة ذهنٍ لتحريك النفس وشحذ الطبع وتصوير الحقيقة صورة أخرى، وبين ضحك هو صناعة البلاهة للهو والعبث والمجانة لا غير
وكان معى قريب من أذكياء الطلبة المتخصصين للآداب الانجليزية، فلم نلبث غير قليل حتى جاء ثلاثة من ضباط الأسطول الانجليزى فجلسوا بحذائنا صفاً تلوح عليهم مخايل الظفر، ولهم وقار البطولة، وفيهم أرواح الحرب. وهم يبدون فى ثيابهم البيض المطَرَّاة (1) كأنهم ثلاثة نسور هبطت من الغمام إلى الأرض ،فلأعينها نظرات تدور هنا وهناك تنكر وتعرف وأعجبنى أن أراهم فى هذا المكان الهزلى الممتلىء بالضعفاء ، كأنهم ثلاث حقائق بين الأغلاط ، أو ثلاث أغلاط كبيرة ... وكان أبدع ما أراه على هيئة وجوههم وأسر له تواضع هذا الاستعداد الحربى ومحوله إلى استعداد للسخرية ... ، أو وكان معى قريب من أذكياء الطلبة المتخصصين للآداب الإنجليزية، فلم نلبث غير قليل حتى جاء ثلاثة من ضباط الأسطول الإنجليزي فجلسوا بحذائنا صفاً تلوح هنا وهناك تنكر وتعرف وأعجبني أن أراهم في هذا المكان الهزلي الممتلئ بالضعفاء، ثلاث أغلاط كبيرة. . . وكان أبدع ما أراه على هيئة وجوههم وأسرُّ له تواضع هذا الاستعداد الحربي وتحوله إلى استعداد للسخرية. . .
ثم تأملتهم طويلاً فإذا صرامة وشهامة وسكينة ووداعة وحُسن سَمْتٍ وحلاوة هيئة في جلسة رزينة متوقرّة، لا يشبهها فى حسّ النفس التي تعرف معاني القوة إلا وضع ثلاثة مدافع مصوبة
وجعلت أقلب عيني فى الناس الموجودين وملامحهم وهيئاتهم ثم أرجع البصر إلى هؤلاء الثلاثة، فأرى المصريَّ كالمقتنع بأنه محدودٌ بمدينة أو قرية لا يعرف لنفسه مكاناً فى غيرهما، فهو من ثم لا يرحل ولا يغامر ولا تَتَقاذفه الدنيا؛ وأرى الإنجليز كالمقتنع بأن كل مكان فى العالم ينتظر الإنجليز . . . .
وخيل الى والله أن رجلاً من هؤلاء الإنجليز الأقوياء المعتدين بأنفسهم لا يهاجر من بلاده إلا ومعه نفسه واستقلاله وتاريخه وروح دولته وطبيعة أرضه، فهو مستيقن أن الله لا يرزقه رزقاً
أيَّ الرزق كان على ما يتفق، بل رزقاً إنجليزياً: أى فيه كفايته
ورأيت شيئاً عجيباً من الفرق بين طابع السلم على وجوه، وبين طابع الحرب على وجوه أخرى؛ ففى تلك معانى السهولة والملاينة والحرص على مادة الحياة، وفى هذه معانى العزم والمقاومة والحرص على مجد الحياة لا على مادتها
وتبيَّنتُ أسلوبين من الأساليب الاجتماعية: أحدهما فى فرد قد بنى أمرهُ على أن أُمةً تحمله فهو يعيش بأضعف ما فيه، والآخر فى فرد قد وضع الأمر على انه هو يحمل أمةً فلا يدع فى نفسه قوة إلا ضاعفه
وعرفت وجهين من وجوه التربية السياسية: أحدهما بالطنطنة والتهويل والصراخ واستعارة ألفاظ غير الواقع للواقع وتحميل الألفاظ غير ما تحمل، والآخر بالهدوء الذى يقهر الحوادث والصبر الذي يغلب الزمن والعقيدة التى تفرض أعمالها العظيمة على صاحبها وتجعل أعظم أجره عليها أن يقوم بها
وميَّزت بين أثرين من آثار الأرض فى أهلها: أحدهما فى المصرى السَّمحْ الوادع الألوف الحى الذى هو كَرمُ الطبيعة، والآخر فى الإنجليزى العسر المغامر النَّفور الملحّ على الدنيا كأنه تطفّل الطبيعة. . . .
وألقى ابن العم الذى كان معى سَمعه إلى هؤلاء الضباط وهم من فلاسفة الرأى على ما يظهر من حديثهم، ثم نقل إلى عنهم، فقال كبيرهم: لقد فرغت من بحثى الذى وضعته فى فلسفة خمول الشرقيين أفضيتُ منه إلى حقائق عجيبة أظهرها وأخفاها معاً أن أُمةً من هذه الأمم لا يُمكَّن للأجنبى فيها ولا تثقل وطأتهُ عليهم ولا يطول ثواؤهُ فى أرضهم ولا يحتلها من يطمع فيها، ما لم يكن سادتها وأمراؤها وكبراؤها كأنهم فيها دولة محتلة
وهؤلاء الكبراء هم آفة الشرق؛ فمن أعظم واجباتنا أن نزيد فى تعظيمهم، وأن نمد لهم فى المال والجاه، ونبسط لهم اليمين والشمال، ونوهمهم أن عظمتهم هكذا ولدت فيهم وهكذا ولدوا بها من أمهاتهم كما ولدوا بأيديهم وأرجلهم. . . وخاصة عظماء رجال الأديان المفتونين بالدنيا؛ فإننا نصنع بغرور الجميع وسخافاتهم وحرصهم وطمعهم أشياء اجتماعية ذات خطر لا يصنع لنا مثلها إلا الشياطين. ومن لنا بالحكم على الشياطين؟ وهذا ما تنبه له غاندى ذلك المهزول الهندى الذى تُقوَّم دنياه بأربعة شلنات، ولا
يزن أكثر من بضعة أرطال من الجلد والعظم، ولا بطش عنده ولا قوة فيه، وهو مع ذلك جبار سماوى فى يده البرق والرعد يُرى ويُسمع فى أرجاء الدنيا
قال ضابط اليمين: وبصناعة الكبراء هذه الصناعة يكون رجلُ الشعب من هؤلاء الشرقيين رجل تقليد بالطبيعة، ورجل ذل بالحالة، ورجل خضوع بالجملة؛ فليس فى نفسه أنه سيد نفسه ولا سيدُ غيره، بل أكبر معانيه أن غيره سيد عليه فيكون معه دائماً خيال استعباده
وتكلم ضابط اليسار: ولكن المترجم لم يميز أقواله، لأن ثلاث عشر امرأة كنَّ يصرخن في الرواية الهزلية بلحن طويل يقلن فى أوله: "عاوزين رجّالة تدلَّعْنا. . . ." وكانت الموسيقى تصرخ معهن وتولول كأنها هى أيضاً امرأة محرومة. . .
ثم أرهف المترجم أذنه فقال كبيرهم: إن لهؤلاء الشرقيين ست حواس: الخمس المعروفة وحاسة الخمول الذى خدعتهم عنه الطبيعة البليدة فسموه الترف والهزل واللهو، والأمة الأوروبية التى تحتل بلاداً شرقية تجد فيها لصغائر الحياة جيشاً أقوى من جيشها. فعشرة آلاف جندى بعتادهم وآلاتهم لا يصنعون شيئاً إلا الاستفزاز والتحدى وإثبات أنهم غاصبون، ولكن ما أنت قائل فى عشرة آلاف مكان كهذا المسرح براقصاته ومومساته وخموره ورواياته وبهؤلاء الرجال المخنثين الهزليين الرقعاء الذين هم وحدهم معاهدة سياسية ناجحة بيننا وبين شباب الأمة. . .؟
قال ضابط اليمين: نعم إن فن الاحتلال فن عسكري فى الأول ولكنه فن أخلاقى فى الآخر؛ ولهذا يجب تعيين نقطة اتجاه للشباب تكون مضيئة لامعة جذابة مغرية ولكنها فى ذات الوقت محرقة أيضاً، وهذه هى صناعة إهلاك الشباب بالضوء الجميل، وما على السياسى الحاذق فى الشرق إلا أن يحمى الرذيلة، فإن الرذيلة ستعرف له صنيعه وتحميه. . . فتكلم ضابط اليسار، ولكن صوته ذهب فى عشرين صوتاً من رجال المسرح ونسائه يصيحون جميعاً: "يا حِلوة يا خفَّافى يا مجننَّة الشبان. . ."
ولما ألممت بحوار الضباط الثلاثة قلت لصاحبى: أستأذن لى عليهم أكلمهم. ففعل وعرفنى إليهم وترجم لهم مقالة (يا شباب العرب) وكان يحملها. فكأنما رماهم منها بالجيش والأسطول .
ثم قلت لكبيرهم: لست أنكر أن الإنجليزى لو دخل جهنم لدخلها انجليزيا. . ولا أجحد أن له فى الحياة مثل هداية الحيوان لأنه رجل عملى دليل منفعته أنها منفعته وحَسْبُ، ثم لا دليل غير هذا ولا يقبل إلا هذا. فإذا قال الشرقى (حقَى) وقال الإنجليزى (منفعتى) بطلت كل الأدلة، ورأى الشرقى أنه مع الإنجليزى كالذى يحاول أن يقنع الذئب بقانون الفضيلة والرحمة
وقد عرفنا أن فى السياسة عجائب ، منها ما يشبه أن يلقى إنسان انسانا فيقول له: يا سيدى العزيز، بكل احترام أرجو أن تتلقى منى هذه الصفعة. . . . وفى السياسة مواعيد عجيبة: منها ما يشبه غرس شجرة للفقراء والمساكين والتوكيد لهم بالإيمان أنها ستثمر رُغفاناً مخبوزة. . . . ثم بعد ذلك تطعَّم فتثمر الرغفان المخبوزة حشوُها اللحم والاِدام
معنى الشعب لا معنى نفسه ! ولو رجع الدين الاسلامى كما هو فى طبيعته ألة حربية تصنع من الشباب رجال القوة ! ولو علم الشباب أن روح هذا الدين ليست : اعتقد ولا تعتقد ، ولكن افعلْ ولا تفعل! ولو أيقن الشباب أن فرائض هذا الدين ليست إلا وسائل عملية لامتلاء النفس بمعاني التقديس! ولو فهم الشباب أن ليس فى الكون إلا هذه المعانى تجعل النفس فوق المادة وفوق الخوف وفوق الذل وفوق الموت نفسه! ولو بحث الشباب النفس الإنجليزية القوية ليعرف بالبرهان أنها نصفُ مسلمة فكيف بها لو كانت مسلمة؟. . . .
وكان المترجم ينقل إليهم كلامى فما بلغت الى حيث بلغت حتى شدَّ الضابط على يدى وهزّها؛ فنظرت فإذا أنا قد كنت نائماً بعد سهرة طويلة فى ذلك المسرح، وإذا يد المترجم نفسه هى التى تهزنى لأنتبه
(طنطا)
