كان شكسبير في شبابه يستوحي كتب التاريخ ، يخرج من بطونها مادة يبني عليها مسرحياته ، وكان في ايامه الأولى مرحا طروبا تتوفر فيه صفات الشباب ، لا يشعر بعبء الحياة ثقيلا على كاهله كما يحس به الشيوخ المسنون . كان خالي البال ، لا يبيت على هم ، فأنشأ " ملاهيه " الشهيرة ، التي ستبقى على وجه الدهر ما بقي الزمان
وما إن تقدمت به السن قليلا ، حتى تأججت في نفسه ثورة عنيفة على الحياة ، وتملكة روح النشاؤم ، وأصبح ينظر إلى الحياة نظرة قائمة معتمة ، فقد خانه الحبيب ، وغدر به الصديق ، ومات أبوه فامتلأت نفسه عليه هما وحزنا . او لعلها سحابة سوداء خيمت على ذهنه ،
ورانت على صدره ، لأن الشاعر - كغيره من الناس ، بل واكثر من غيره من الناس - قد يستولي عليه اليأس والقنوط لداع أو لغير داع ، فينضب معين المرح في نفسه ، وينظر إلى العالم بمنظار قاتم اسود ، لا يري فيما حوله بهجة ولا يري سرورا ، وإنما الدنيا كلها أمام ناظرية شر وبؤس وموت وفناء
في هذه الفترة القاسية من حياته أخذ شكسبير يخرج المأساة تلو المأساة ، فكانت مسرحياته : بوليس قيصر ، وهاملت ، وعطيل ، والملك لير ، وما كبث ، وانطوني وكليوبتره ، وليدات هذه النفس الثائرة ، وذلك الحزن العميق .
وفي " المأساة " يعرض لك شكسبير كثيرا من الشخصيات ، ولكنه لا يقصد في الواقع إلا إلى شخصية واحدة فذة ، وتلك هي شخصية البطل . فهي شخصية بارزة لاتدانيها في المأساة غيرها . ولا يشترك في هذا المقام الرفيع - مقام البطل - اثنان ، اللهم إلا في قصة ) أنطوني وكليوباتره ( حيث تكاد كليوباتره أن تنافس أنطوني في مكانته .
والمأساة في جملتها مجموعة من الحوادث تتضافر على الوقيعة بالبطل حتى يموت . فالمسرحية التي لا يموت فيها البطل ليست من الماسي عند شكسبير ، وتعرض عليك المأساة كذلك ما يعاني البطل من صنوف المتاعب والمشاق ، لأن البطل عند شكسبير لا يموت مصادفة أو فجاءة وهو يتربع على عرش العز والسلطان . إنما المأساة قصة كارثة وآلام تؤدي في نهايتها إلي الموت .
ولابد ان تكون الكارثة عظيمة ، والصريع عظيما ، شهد في حياته اياما نضرة يافعة ، وعهدا رخيا سعيدا . وليس من المأساة في شئ عند شكسبير ان يتحدر الرجل إلى قبره شيئا فشيئا من جراء الفقر أو المرض أو نافه الأخطاء
الكارثة العظمي عند شكسبير هي التي تستحق منا الاشفاق ، وهي عنصر اساسي المأساة . والبطل عنده لا بد أن يكون رفيع المقام ، فهو ملك ، أو أمير ، أو زعيم ، أو على الأقل من اسرة كريمة مصيرها مما تهتم له عامة الناس .
نعم إن الحب المقطوع ، والضمير المعذب ، وغدر الصديق ، وما إليها ، هي في وقعها وألامها عند الحقير والأمير سواء . ولكن شكسبير لا يري هذا الرأي ، لان قصة الأمير او الزعيم لها روعة وجلال لا يتوافران في قصة الرجل الساذج ، الذي لم يكن يوما من الآيام في مكانة يغبطه عليها الناس ، او تشخص إليها الأبصار ومصير الامير - فوق ذلك - قد يكون له اثره في رفاهية امة بأسرها وشعب بأجمعه . وفي سقوط الرجل العظيم من شاهق العظمة إلى سحيق القبر ، ومن الذهب والرياش إلى التراب والطين ، مشهد رائع من مشاهد التباين الشديد بين عجز الانسان وقدرة الله . وهي صورة لاتمدنا بها حياة الرجل من عامة الناس مهما جلت مصيبته
المأساة عند شكسبير إذا هي قصة كارثة مفجعة تؤدي إلي موت رجل ذي جاه عريض ؛ ولكنها لا تقف عند هذا الحد . فالكارثه التى تحل بالرجل دون ان تكون لها علاقة بما قدمت يداه ، او بما اقترف من إثم ، لا تكفي وحدها ان تكون مادة للمأساة ، لان كوارث المأساة لا تقع مصادفة واتفاقا ، إنما تحل بالفرد جزاء له وفاقا على ما قام به من فعال .
هذا عمل تقوم به يؤدي بك إلي عمل آخر ، ثم إلي آخر ، وهكذا ، حتى تقع الواقعة كحلقة أخيرة من سلسلة متصلة الحلقات . فبطل المسرحية إذا عند شكسبير هو نفسه سبب من أسباب ما يحل به .
ولكن شكسبير - مع هذا - لا يري أن التبعة كلها تقع على كاهل البطل وحده ، بل إن هناك عوامل اخري لها اثرها ، ولا تخضع لإرادة الانسان ؛ فالبطل كثيرا ما يكون مصابا بضعف في عقله ، او بلون من الوان الجنون ؛ ومن المسير أن محمل الجنون تبعة ما يفعل . ولكن الفعال التى تنج من الجنون ليست وحدها في مأساة شيكسببير سببا في المصيبة ، بل لقد تكون المصيبة سببا فيها ، كما ترى في قصة الملك لير ، حيث تنكر البنات على أبيهن الجميل ، فيصعق الرجل ، ويجن جنوه ، ويطير صوابه ، ويقترف بعد هذا من الأخطاء ما يبعث في نفوسنا الشفقة عليه . وكذلك هاملت يعرضه لنا شكسبير متزن العقل في أول الرواية ، ولكنه يصاب بالخيل والهوس فيما بعد .
ويدخل شكسبير كذلك في مأساته عنصرا فعالا يعمل على القضاء على حياة البطل دون ان يكون للبطل فيه يد ، وهو عنصر خارق للطبيعة ، كالأشباح ، والسحرة الذين يعلمون ما لا يعلم الناس . ويقول بعض الناقدين إن هذا العنصر إنما هو إخراج ملموس لما يدور في خلد البطل من اوهام مستترة ؛ فهو على هذا دليل على ان البطل مسئول عما يحل به. ولكن ) برادلي ( لا يري هذا الرأي ، ويزعم ان هذه الاشباح ، وذلك السحر ، إن هي إلا تمثيل لعوامل خفية لها أثرها في حياة الناس ، ولا حيلة لهم بها ولكنه يزعم كذلك أن هذه العوامل الخفية عند شكسبير تؤيد نزعة باطنة عند الانسان
وكذلك يفسح شكسبير في مسرحيه في المجال لآثر
" الصدفة " فمن المصادفة أن روميو لم يتسلم رسالة الكاهن ، وان جوليت لم تبكر دقيقة واجدة في يقظتها بعد سباتها الطويل ، وان ) ادجر ( في رواية " الملك لير " وصل بعد موت ) كردليا ( بدقائق معدودات ، فلم يستطع إنقاذها . ومن المصادفات ان يهاجم القرصان سفينة هاملت فيعود إلي الدنمارك . وليس من شك ان من المأساة ان تكون حياة الانسان معلقة بحادث مصادف غير متوقع ولا منظور :
ولكن هذه العوامل الثلاثة - الجنون ، وقوى السحر ، والمصادفة - عوامل ثانوية في المأساة ، لا تقاس في اهميتها إلى العامل الأول ، وهو شخصية البطل ، وما ينجم عنها من عمل .
ومأساة شكسبير تمثل دائما صراعا بين جماعتين يكون البطل زعيم واحدة منهما ، أو قل - إن أردت إن المأساة تمثل صراعا بين عاطفتين ، أو فكرتين ، أو نزعتين ، صراعا يدفع بجماعتين مختلفتين إلى السير في طريقين متباينين . وبنتهي البطل إلي إحدي هاتين الجماعتين . فحب روميو وجوليبت لا يتفق وما بين اسرتهما من عداء . وقضية بروتس وزمرته تعارض قضية قيصر واتباعه . وما كبث وزوجه يخالفان دنكان . وفي كل مأساة لشكسبير تستطيع ان تقسم الأشخاص إلي فريقين متعارضين ، تنتهي المصاولة بينهما دائما بهزيمة البطل .
وكثيرا ما يكون هذا الصراع في نفس البطل ذاته ، فيبيت ضحية لفكرتين مختلفتين تملكان عليه نفسه . بل إن خير ما يصوره لنا شكسبير في مأساته هو هذا الصراع الباطن في نفس البطل . ولا يكفي عند شكسبير ان يكون البطل رجلا عظيما بين شعبه ولدانه ، وإنما هو كذلك عظيم في طباعه وخصاله وهو في هذا يرتفع عن مستوي العامة . وليس معنى هذا أنه رجل شاذ في
تصرفه ، أو كامل في خلاله . إنما البطل يمثل في صفاته صفات القارئ وصفات من يحيط به من رجال ، ولكنها صفات مجسمة إلى درجة قد لا تتوفر في رجل من غمار الناس . ومن الأبطال من تبلغ عنده هذه الصفات حدود العبقرية كهاملت وكليوبتره . ومنهم من تبلغ عنده الرغبة أو الإرادة قوة عظيمة . ولكنهم جميعا يتميزون بالهوى ، وبالتحيز ، وبالميل في الحياة إلى جانب واحد دون الجوانب الاخري . والبطل دائما عاجز كل العجز عن مقاومة هذه النزعة أو ذلك الميل . وهي خلة تدعو إلي التأسي والاشفاق . وانت تلمس هذه النزعة مثلا عند روميو العاشق المفتون ، الذي لا يتميز عن عامة الناس في شيء غير حدة العشق وحرارته . وفي هذه العاطفة من غير شك مظهر من مظاهر العظمة ، رغم أنها قد أدت بصاحبها إلى الموت .
ولما كانت المأساة عند شكسبير تمثل صراعا ينتهي بكارثة ، فهو يقسمها خمسة فصول : يعرض في أولها الظروف التي ينشأ منها الصراع ؛ ويقدم لنا الشاعر في هذه المرحلة شخصيات المسرحية ، ويبين لنا ما بينها من علاقة ، ويخلق في النظارة تشوفا إلى ما عساه ان يقع لهؤلاء الأشخاص . ويمثل في الفصل الثاني جانب الشر في الصراع متغلبا على جانب الخير . وتتعقد الأمور حتى تبلغ شدتها في الفصل الثالث ثم تأخذ في الحل ، وتنقلب الأوضاع ، وينهزم في الفصل الرابع جانب الشر أمام جانب الخير . ولكن هذا النصر للخير له ثمنه ، وله ضحاياه ، فتعرض لنا المسرحية في الفصل الخامس موت البطل ، وهو أفدح الكوارث عند الكاتب كما رأينا .
ولشكسبير في مسرحياته حيل فنية كثيرة ، لا يتسع مقال واحد لبسطها ، ولكنا نكتفي بالإشارة إلي بعضها .
ومن بين هذه الحيل أنه كثيرا ما يجعل من بين شخصيات الرواية ) نديما ( يرسل النكتة بين الحين والحين . وهو يرى من وراء هذا إلى ان لا يكون وقع المأساة على النفرس ثقيلا شاقا ، تضيق به انفس السامعين ، وإلى ان يدخل على قلوبهم شيئا من السرور بين الفينة والفينة ، لأن الطبيعة الانسانية لا تحتمل دوام الآسي ساعات متواصلات .
ومن حيله كذلك أنه يروي إلي جانب القصة الكبرى قصة صغري ، تسير حوادثها جنبا إلى جنب إلى جوار القصة الاولى ، وتشابهها في نموها وتطورها . وغرض المؤلف من هذا ان يؤكد للسامع بطريقة فنية ما تنطوي عليه المأساة الكبرى من أهداف وأغراض .
وبعدما ينتهي دور المآسي العنيفة عند شكسبير يعود ثانية إلى كتابة الملاهي ، ومسرحيات الحب والخيال . وفي مسرحيات هذا العصر تري الشاعر اكثر من ذي قبل تفاؤلا . ففي هذا الدور من أدوار الرواية المسرحية يحب الناس بعضهم بعضا ، ويؤوب الحبيب الراحل ويعفو العدو عن العدو ، ويتوب الجاني ، ويأتلف الزوج والزوج ، والآباء والأبناء ، والصديق والصديق . ولكن شكسبير لم يكن - رغم هذا - مرحا كما كان أيام شبابه ؛ فبعد أن كان يقهقه بقلب فارغ تراه الآن يبتسم مفكرا بل ومكتئيا . فهل كلت روح شكسبير من شدة المآسي ؟ أم هل تقدمت به السن فشعر بشيء من هدوء النفس ؟ أم هل هي حاجة الجمهور إلى شئ من اللهو بعد تلك المأسي المفجعة ، أم هل كان شكسبير يقلد أديبين شابين أصابا حينذاك نجاحا ؟ إنا لا نظن ذلك ، فقد كانا من تلاميذه ، ولم يتعلم شكسبير منهما شيئا . وربما كان نجاحهما راجعا إلي تفاؤلهما ، وإلى أن المأساة لم تعدلها
سوق نافقة . ومهما يكن من شئ فقد تحول شاعرنا من المأساة إلى اللهاة ؛ ومما كتب في هذه المرحلة " العاصفة " و " هنري الثامن " .
ونحن بعد هذا كله نقف متسائلين : هل تتم مآسي شكسبير عن فلسفة له في الحياة ، او عن راي خاص فيها ؟ إن شكسبير ينثر في مسرحياته كثيرا من الحكم مما يغري القارئ إلى أن يعتقد أنه فيلسوف مفكر ، له طريقة خاصة . وفي الحق أن شكسبير لم يكن بالفيلسوف ، ولا ترتبط أفكاره برباط واحد ، ولا تنخرط تحت كل متسق متحد . بل لقد يناقض بعضها بعضا . ولكل من شخصياته ، من الملك إلى النديم ، فلسفته الخاصة . وكل منهم يحكم على الحياة حكمه الخاص . ويتعدد النظر إلى الحياة بتعدد الناس في هذه الدنيا ومن ثم يري رجال الدين في شكسبير مؤيدا لهم في عقيدتهم ، كما يتلمس الكفرة الملحدون في بعض ما ورد على السنة أشخاص المسرحيات ما يعزز إلحادهم وخروجهم على الدين
ولكنا نستطيع أن نقول - رغم هذا - إن آراء شكسبير ترتبط بالأرض ، ولا ترتفع إلي السماء . ولا نقصد أن الشاعر كان مارقا على الدين ، وإنما تعني انه يجعل للحياة الدنيا المكانة الأولى في الوجود .
ولعل مسرحيات هذا الأديب لم تتسم بميسم الخلود إلا لأنها تقدم لنا شخصيات حية ، نستطيع كل يوم ان نجد لها بين الناس اشباها ونظائر . ولا غرابة بعد هذا ان تنقل مسرحيات هذا الكاتب العظيم إلى اللغات الحية جميعا . وإنا لنرجو أن ينقل إلي قراء العربية كل ما لم ينقل منها بعد .
