خطت إيران في الأيام الأخيرة خطوة جريئة ، كان لها أثرها الضخم في دوائر المال والسياسة والاقتصاد العالمية . فقد وافق برلمانها بمجلسيه على قرار يقضي بتأميم صناعة البترول في كل جهات إيران . وجاء هذا القرار تلبية لرغبة وطنية قوية ، كان يحول دون تلبيتها وجود الجنرال " رازم آره " على رأس الحكومة . حتى إذا ما اغتيل سارعت لجنة الشئون البترولية في البرلمان إلى الموافقة على سياسة التأميم ، ولما يمض على مقتل " رازم آره " أكثر من يوم واحد ، وكانت اللجنة قد مضي على تشكيلها وقت غير قصير ، وكانت قد قتلت الموضوع المكلفة بدراسته بحثا وتمحيصا ، ولكنها لم تجرؤ على إعلان موافقتها على التأميم في حياة " رازم آره " لأنه كان من أشد معارضي هذه السياسة . وكان يري أن إيران ليست في المركز الذي يسمح لها بانتهاج مثل هذه الخطة ؛ فهي في حاجة إلى كل ما يتعلق بصناعة البترول وليس لديها شئ من مستلزمات هذه
الصناعة المعقدة . . ليس لديها المال ، وليس لديها المعدات ، وهي لا تزال فقيرة في الخبرة والخبراء .
ولم يكن قتل " رازم آره " وما تبعه من المبادرة بتأميم البترول سوى نهاية فصل من مأساة متعددة الفصول ، بدأ تمثيلها على المسرح الإيراني منذ مطلع هذا القرن ، وما زالت المسرحية لم تتم فصولها . ولقد وقف الشعب الإيراني من الفصول الأولى موقف المتفرج . وربما كان بين أفراده من سر من الرواية وصفق لها . فقد كان هذا النوع من التمثيل جديدا على إيران ، ولم يكن وعي الشعب قد بلغ الحد الذي يساعده على التكهن بما يمكن أن يتلو الافتتاحية من فصول .
كان هذا في سنة ١٩٠١ حينما استطاع وليام نوكس دارسي William Knox D'Arey أن يحصل على امتياز لمدة سنين عاما للبحث عن البترول في مساحة تبلغ نحو نصف مليون ميل مربع في غرب وجنوب إيران ، أي نحو أربعة أخماس مساحة إيران كلها . وكان هذا لقاء مبلغ زهيد
دفع للشاه ، ولم يتجاوز العشرين ألفا من الجنيهات ، على أن تحصل الحكومة الإيرانية (الفارسية) على حصة سنوية قدرها ١٦ % من صافي أرباح أى شركة أو شركات قد تتكون بقصد تنفيذ شروط الامتياز .
بدأت أعمال التنقيب واستمرت تتعثر سنوات ، لأن المنقبين عن البترول لم يكونوا موفقين في اختيار الجهة التي بدأوا أعمالهم منها ، ولكن لم تمض أعوام ستة حتى تدفق الذهب الأسود من أول بئر إيرانية للبترول . وترتب على هذا أن تألفت شركة البترول الإنجليزية الفارسية (الإيرانية) في أبريل سنة ١٩٠٩ برأس مال قدره مليونان من الجنيهات ، ومع أن رأس المال كان إنجليزيا خالصا ، إلا أن لفظ " فارسية " أضيف إلى اسم الشركة ، وهكذا تفعل دائما شركات الاحتكار ، وعندنا من الأمثلة الشئ الكثير .
وسارت الشركة في استغلالها سيرا بطيئا ، فلم تصبح ذات أثر في سوق البترول العالمية إلا في سنة ١٩١٢ ، ثم قامت الحرب العالمية الأولى وبدأ البترول يلعب دوره في المعركة ، ورأت الحكومة البريطانية أن تضمن موردا ثابتا من البترول ؛ فساهمت في شركة البترول الانجليزية الإيرانية بنصف رأس مالها ، ولقد لقي هذا الاتجاه كثيرا من المعارضة في أول الأمر ، ولكن الأغلبية البرلمانية أقرته في مجلس العموم ، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الشركة وثيقة الصلة بالحكومة البريطانية ، وأصبح لمأساة البترول الإيراني وضعا جديدا ؛ فلم تعد مسألة اقتصادية محضة بين الحكومة الإيرانية وشركة من شركات الامتياز ، بل أصبحت مسألة سياسية أيضا ، وأصبح أى خلاف يحدث بين الحكومة الإيرانية والشركة خلافا تمثل فيه بريطانيا طرفا ثالثا ، أى أنه يصبح خلافا دوليا لا خلافا محليا .
استمر إنتاج الشركة يتزايد حتى لقد بلغ ٤٦ مليون برميل في سنة ١٩٣٠ ، وكانت إيران قد بدأت تفهم بعض
الجوانب الخفية المأساة التي تمثل على مسرحها ، وتكشف لها أن اتفاقية سنة ١٩٠١ أصبحت عتيقة ولم تعد صالحة ؛ فبدأت منذ سنة ١٩٢٨ تطالب بزيادة اشتراكها في الامتياز ، ولكن الشركة رفضت أن تعدل شروطه بما يتفق مع وجهة نظر الحكومة الإيرانية ، وفي سنة ١٩٣١ استؤنفت المفاوضات على نطاق ضيق يهدف إلى تنظيم الطريقة التي يتم بها حساب أرباح الشركة حتى تضمن الحكومة حصيلتها الحقيقية كاملة غير منقوصة ، وكان هذا مطلبا عادلا لم تجد الشركة أى مبرر لرفضه فقبلت الاتفاق ، ولكنها من جهة أخرى تلاعبت بطرقها الخاصة ؛ فإذا بحصيلة الحكومة تنخفض في سنة ١٩٣٢ إلى ثلث مليون جنيه بعد أن كانت ١,٤ مليون جنيه في سنة ١٩٢٩ .
وكان الكيل قد طفح فلم تجد حكومة إيران أمامها إلا أن تنذر الشركة بإلغاء عقد الامتياز ؛ فهي كحكومة مسئولة لا يمكن أن تقف مكتوفة اليدين أمام إهدار المصالح الإيرانية ، ولكنها مع هذا لا تري مانعا من أن تمنح الشركة امتيازا جديدا بشروط جديدة لو أن الشركة قدمت من الضمانات ما يكفي لصيانة مصالح البلاد ، وردت الشركة منكرة على الحكومة حقها في إلغاء عقد الامتياز ، ولكن إيران لم تعبأ بهذا الرد واستمرت في خطتها ، وشجعها على ذلك اضطراب الموقف الدولي والأزمة الاقتصادية العالمية ، وهنا بدأت الحكومة البريطانية تتدخل بحكم ملكيتها لنصف أسهم الشركة ؛ فأرسلت مذكرة شديدة اللهجة تحذر فيها إيران من خرق الاتفاقات المعقودة بينها وبين الشركة ، ولم تلق إيران بالا إلى هذا الانذار المجحف شأنه شأن الانذارات البريطانية جميعا ، بل ردت بمذكرة أكثر عنفا وأشد لهجة .
وعرفت انجترا أن إيران الحديثة غير إيران أواخر القرن التاسع عشر ؛ فأرسلت مذكرة تهدد فيها برفع الأمر إلى محكمة العدل الدولية إذا لم تسحب الحكومة الإيرانية قرارها بإلغاء امتياز الشركة خلال أسبوع من وصول
المذكرة ، ودفعت إيران بعدم اختصاص محكمة العدل ، وصرحت في ردها بأنها ستحمل القضية كلها إلي عصبة الأمم ولم تتردد في ذلك طويلا ، فعينت العصبة المرحوم مسيو بنش حكما بين الطرفين المتنازعين ، وقد استطاع السياسي التشيكو سلوفاكي أن يصل بالطرفين إلي اتفاق في مارس سنة ١٩٣٣ . كان أهم بنوده أن حددت مساحة الامتياز بمائة ألف ميل مربع أي أنه هبط بها إلى ٢٠ % من مساحتها الأصلية ، وترك للشركة اختيار الأراضي في حدود هذه الساحة ، كما قرر أن تكون حصة الحكومة على أساس الإنتاج ، فنأخذ أربعة شانات على كل طن يستخرج من الزيت الخام ، وكانت حصتها من قبل نسبة من صافي الأرباح - وهو أمر كثيرا ما كانت الشركة تتلاعب فيه - على شرط ألا تقل حصيلة الحكومة عن ثلاثة أرباع مليون جنيه في السنة ، وكانت مدة هذا الامتياز الجديد ستين عاما المنتهي في سنة ١٩٩٣ .
أدى هذا التفاهم إلى أن تتوسع الشركة في أعمالها حتى وصل إنتاجها في سنة ١٩٣٩ إلى ٧٨ مليون برميل . ثم تضاعف في سنوات الحرب فاربى علي ١٤٠ مليون برميل ، وهو زيت من النوع الممتاز ، إذ تزيد نسبة البنزين فيه على ٥٥ % كما أن اقتصاديات تعدينه طيبة مشجعة ؛ فموقع الحقول الجغرافي ملائم والأيدي العاملة الرخيصة متوفرة .
ويستخرج معظم البترول الإيراني من منطقة الخليج الفارسي وأهم حقوله في " حفظه كل " ومسجد سليمان أقدم الحقول استغلالا وفي "جانش ساران" و "أغا جاري" و " بازانون " ويكرر الزيت الخام المستخرج في معامل عباران الواقعة على شط العرب وهي أكبر معامل التكرير في العالم إذ تبلغ طاقتها الانتاجية هو ٣٠ مليون طن في السنة . ومنها يحمل البترول المكرر إلى جهات العالم المختلفة ، تحمله الناقلات إلى دول الغرب أو إلي الدول الصديقة لها كأستراليا أو الهند .
وفي الفترة الأولى من الحرب العالمية الثانية زاد النفوذ الالماني في إيران وخشي الحلفاء أن تتطور الأمور بأسرع مما يتوقعون فسارعوا باحتلال إيران . احتل البريطانيون
نصفها الجنوبي واحتل الروس النصف الشمالي ، ولكن الدولتين تعهدنا ومعهما الولايات المتحدة في مؤتمر طهران في ديسمبر سنة ١٩٤٣ بضمان استقلال إيران والجلاء عن أراضيها بمجرد زوال الضرورات الحربية التي دعت إلي الاحتلال .
وأظهرت الحرب أهمية إيران كمورد للبترول . فأخذت روسيا تتنكر لمبادئها الاشتراكية وبدأت تسلك مسلك الدول الاستعمارية ، فنزلت إلي الميدان تسعي للحصول على امتيازات خاصة بالبترول ، ورفضت إيران في أكتوبر سنة ١٩٤٤ بحجة أن الجيوش الأجنبية لا تزال تحتل البلاد ، ومن ثم فالرأي العام غير معد لقبول فكرة منح امتيازات بترولية جديدة . وسخطت الروسيا خصوصا وهي تعرف أن انجلترا وأمريكا كانتا من وراء هذا الرفض ، وكان هذا مشار أزمة دولية أنذرت بقيام حرب عالمية ثالثة خصوصا بعد قيام ثورة آذربيجان تعقدها الحكومة الروسية . واستمرت حالة القلق هذه لمدة سنة ونصف تقريبا ، ولم ينهها إلا اتفاق السيد قوام السلطنة مع موسكو في إبريل سنة ١٩٤٦ الذي بمقتضاه جلت الجيوش الروسية من إيران ، وحلت مشكلة آذربيجان مقابل منح امتياز لشركة روسية إيرانية تقوم بالتنقيب عن البترول واستغلاله في شمال إيران لمدة خمسين سنة تزول بعدها آبار الشركة ومعداتها إلي الحكومة الإيرانية . ولسنا في مجال مناقشة تفاصيل هذا الامتياز الجديد ، إلا أنه على أي حال كان أحسن كثيرا من الامتياز الممنوح للشركة الإنجليزية وكان أكثر صيانة المصالح الإيرانية .
وكان الوعي القومي قد تنبه ورأي الأحداث العالمية من حوله وكلها تدعوء إلى أن يعمل على استرداد ثروته المساوية ، فكانت حركة المناداة بتأميم موارد البترول ونجحت الحركة ، وكان لها صداها في الدول العظمي الثلاث بريطانيا وأمريكا والروسيا ؛ وموعدنا مقال آخر نتحدث فيه عن مستقبل التأميم وإلى أي مدى يمكن أن ينجح في إيران وعن موقف الدول التي يعنيها أمر البترول في إيران بخاصة وفي الشرق الأوسط بعامة .
