يقولون إنه لولا فتاة نازية يسميها البلجيكيون حين يتحدثون عنها بأصوات خافتة مكبوتة " البارونة ب " , لظلت بلجيكا حتى الآن تحارب في صف الحرية والديمقراطية كما حاربت في المرة الماضية . وهذه الفتاة صديقة حميمة للملك ليوبولد وموضع لثقة والدته الملكة اليصابات ؛ وقد احسن اختيارها للدور الذي تمثله ودربت عليه أحسن تدريب .
وتنتمي هذه الفتاة إلى أسرة شريفة في ألمانيا ، وجدها الأعلي بسمرك رجل الدم والحديد ، واثنان من إخوتها يعملان في مصلحة المخابرات الألمانية ، ويشغل ابن عم لها منصبا خطيراً في وزارة الحرب . ويقال إن ربنترب هو الذي كشف مواهب هذه الفتاة واختارها للعمل الذي اضطلعت به فيما بعد ؛ فقد رآها لأول مرة تحدث امرأة ألمانية كبيرة عن الفوائد التي عادت على ألمانيا من الاشتراكية الوطنية ، وانجب الوزير الكبير بقوة حجتها ، ولاحظ ما لها من سلطان قوي على سامعيها ، فقال إن في مقدورها إذا أحسن توجيهها أن تقوم بعمل نافع للقضية النازية . على اغنا لا نظن أن ربنترب نفسه كان في ذلك الوقت يتصور خطر الدور الذي مثلته هذه الفتاة الأرستقراطية بعدئد ، وما كان لها من شأن عظيم في التاريخ.
وقدم ربنترب الفتاة للدكتور جبلز ، فأثني عليها ، وعرض عليها أن تعمل لخدمة الحزب النازي . وسرعان ما عرف أن هذه الفتاة ليست ممن يسعين وراء الشهرة وبـهرج الحياة ، وانـها ممن يؤمن بالمبادىء النازية ويناصرن هتلر عن عقيدة ويقين . ولم يمض إلا زمن قليل حتى
كانت الفتاة تخطب في نساء الطبقة الراقية في ألمانيا ، تحثهن على التبرع لمشروع إعانة الشتاء وغيره من مشروعات البر الألمانية . وكان ذلك بداية جهودها في خدمة القضية النازية ، ثم أخذ هتلر وأعوانه من مهرة السياسيين ينشئونـها التنشئة التي تعدها للعب بعقول السياسيين وإخضاعهم لإرادتـها ، وتلك وسيلة مألوفة من الوسائل التي يصطنعها النازيون للوصول إلى أغراضهم ؛ فهم يعتقدون ان الحروب لا تكسب دائماً في ميدان القتال ، وأنه في وسع الخيانة في الداخل أن تفيد العدو أكثر مما يفيده النصر الحربي . واجتمع هتلر بالفتاة عدة مرات ، وكادت تأسره بجمالها ، وتسيطر عليه بقوة شخصيتها . ولم يكن يأنف ان يراه الناس في صحبة الفتاة البارعة الجمال التي اختارها للاضطلاع بواجب خطير في خارج البلاد .
وكان غيرها من النساء يعملن في بلجيكا ، ولقيت أعمالهن وأعمال الطابور الخامس بعض النجاح ، وأخذت بعض الأوساط السياسية تميل ميلا ظاهراً إلي جانب الألمان ، ولكن الملك كان أعظم من أن تؤثر فيه الدسائس والمكائد . وكان كل ما تصبو إليه نفسه قبل الحرب أن يسود السلم أوربا ، وأن تتجنب بلاده ويلات الحرب ؛ ولكنه مع ذلك كان شجاعاً قوي الشكيمة لا يلين ، وكان على استعداد لأن يقود جيشه بنفسه ليصد به الألمان إذا اعتدوا على بلاده ، مهما تكن العاقبة . وكان هو ومستشاروه يرقبون بقلق متزايد سحب الحرب التي أخذت تتجمع في سماء أوربا ، وشرعوا يقوون الحصون القائمة على الحدود الألمانية ، وكانوا لا يزالون يؤمنون بفائدة المعاقل الثابتة ، كما كان يؤمن بها إخوانهم الفرنسيون .
وكان الملك يعتمد على ما وعدته به انجلترا وفرنسا من مساعدة للدفاع عن بلاده إذا اعتدى عليها الألمان ،
كما كان يثق بـهذا الوعد أبوه في عام ١٩١٤ . وقد تعلم ليوبولد في انجلترا ، فكان شديد الاعجاب بها وبكل ما هو انجليزي ، كما كان قليل الثقة بالألمان كارهاً للتعاليم النازية .
ثم كانت المأساة الكبرى في حياته ، وهي موت زوجته في حادثة اصطدام سيارة ، وأثرت هذه الفاجعة في نفسه ، وغيرت مجري حياته ، فأصبح كئـبيا مضطرب البال ، بعد أن كان شابا سعيداً مرحاً منشرح الصدر ، وبدت له الحياة عقيمة لا قيمة لها ولا رجاء فيها ، لأن موت زوجته قد حطم قلبه . وكان على والدته الملكة اليصابات أن توقظه وتنبهه إلى التبعة الملقاة عليه أمام شعبه . وما زالت به حتى اقنعته بأن يمضي بعض الوقت في سويسرا ، وكانت ألعاب الشتاء وقتئذ في عنفوانـها ، وكان من أحبها إلي الملك التزحلق على الجليد ، وحاول أن ينسي أحزانه بين الجبال الشاهقة المتوجة بالثلوج الناصعة البياض .
فهل كان من المصادفات المحضة أن تصل البارونة " ب " إلي نفس الفندق الذي نزل فيه الملك في نفس اليوم الذي وصل فيه إليه ؟ وهل كان من المصادفات ايضاً أن يجلس الملك والفتاة الحسناء يتحدثان بعد ثلاث ساعات من وصولهما ، وأن يرقص معها في مساء ذلك اليوم نفسه ؟ واجتمع الاثنان مرة أخري في اليوم الثاني ، وذهبا معاً للتزحلق على الجليد ، ورقصا معاً في مساء ذلك اليوم أيضا ، وبدا الملك في صحبة البارونة سعيداً راضياً ، وكأنه قد نسي أحزانه وعاد إليه مرحه وسروره ، وسمعه أتباعه يضحك لأول مرة بعد شهور من الحزن والكآبة .
وكتب إلي والدته ينبئها بصداقته للفتاة الألمانية الجذابة ، ووصلت من الملكة رسالة غير منتظرة تدعو الفتاة فيها لزيارتـها في بروكسل ، فقد كانت الملكة تسلك
كل سبيل تمكنها من أن تعيد إلي الملك سروره وبهجته ، وكان أشد ما تخشاه ان يفت الحزن في عضد إبنها ويفقده صوابه ، وكثيراً ما سمعته يؤنب نفسه على موت زوجه ، وكانت ذكريات سفرته المشئومة تعاوده وتمغص عليه حياته .
وانتهت ألعاب الشتاء في سويسرا وأجابت البارونة دعوة الملكة اليصابات ، فجاءت لتقضي بعض الوقت معها في بروكسل ، وقضت في ضيافة الملكة بضعة أسابيع قويت فيها أواصر الصداقة بينها وبين الملك ، وأخذت الدوائر النازية تتحدث سرا عن إمكان زواج ليوبولد بالبارونة ، وكان يسرها بطبيعة الحال أن تظفر الفتاة النازية بهذا الزواج ، ولكن الملك ليوبولد كان قد أقسم أن يظل وفيا لذكري زوجته ، وكل الشواهد تدل على أنه سيبر بهذا القسم . ولم تدخر الملكة اليصابات جهداً في تقوية روابط الصداقة بين ابنها والبارونة ، وكانت تأبي أن تستمع إلى كلمة سوء تقال عنها ، وتغضب أشد الغضب إذا قيل لها إن البارونة تحركها بواعث غير الصداقة والحب الخالص ، أما أنها من عمال النازيين فهذا ما لا يمكن أن تصدقه بحال من الأحوال ، ومن اقوالها في ذلك : " إن هذه البلاد مدينة لها بالشئ الكثير ، فقد بعثت في الملك حياة جديدة وأعانته على تحمل آلامه والقيام بتبعاته " .
ودعت البارونة ليوبولد ووالدته لزيارة برلين قبل الحرب ، ولكن الملك رفض الدعوة بلباقة وذهب بدل ذلك إلي استراسبرج حيث تملك البارونة قصراً ومزرعة . وكانت الزيارة غير رسمية ، فلم يعرف الشعب البلجيكي نبأها ، ولم تنشر أخبارها في الصحف ، وقضي الملك فيها بضعة أسابيع ، وقبلت البارونة بعد عودتـها رجاء الملكة في أن تتخذ لنفسها شقة في بروكسل مجاورة لقصرها ، وعاونـها الملك ووالدته في اختيار أثاث مسكنها الجديد ودفعت برلين ثمنه فرحة مستبشرة . والبارونة " ب " لا تدعو إلي المبادئ النازية صراحة ،
بل تفضل أن تسير إلي غرضها خفية وعلي مهل ولما أراد الملك ليوبولد أن يقيم سلسلة قوية من الحصون على الحدود الألمانية وحدّث البارونة عن عزمه هذا استمعت إليه دون ملل ، ثم سألته : " ولماذا تنفق هذا المال كله لغير فائدة ؟ إن ألمانيا لا تفكر قط في الاعتداء علي بلجيكا . فأجابها الملك في ألم وحسرة : " وهكذا قيل لنا في عام ١٩١٤ فردت عليه بقولها : " لقد تغيرت الظروف ، ولكن ما بالنا نتحدث في هذه الموضوعات إن الحرب ضد بلجيكا من رابع المستحيلات ثم لا تنس أنني ألمانية " .
وشبت الحرب ، ولكنها لم تؤثر فيما بين الملك والبارونة من صداقة ، ولاح أن الملك يعتمد على البارونة اعتماداً يزداد على مر الأيام ، وكان يقابلها سراً في كل يوم تقريباً ؛ فكانا يجتمعان أحيانا في قصر والدته وأحيانا في بيت البارونة نفسها ، وكانت تؤكد له في كل مرة أن ألمانيا لن تعتدي قط علي حياد بلجيكا ، وهو الحياد الذي كان يعمل له الملك جاهدا ، ولم يشك الملك في صدقها . واقتربت الحرب شيئاً فشيئاً من حدود بلاده ، وأرسل الجند والذخائر إلي الحصون ، وضاعفت البارونة من نشاطها ، فقد كان لابد من أن تطمئن بلجيكا إلي سلامتها وتخدر أعصابـها بتخدير أعصاب الملك نفسه . وأعدت العدة للغزو ، وكان من الحكمة ألا تكون ثمة مقاومة ، وكان أفراد الطابور الخامس يقومون بعملهم في كل مكان في بلجيكا ينفذون أوامر برلين ؛ ولكن البارونة كان لها عملها الخاص وما من شك في أنـها كانت تؤديه على أحسن وجه ، فقد كانت أسرار الدفاع البلجيكي كلها غير خافية على قواد الجيوش الألمانية ، وكانت نقط الضعف في هذا الدفاع معروفة لهم ؛ لذلك كانت خطة الغزو دقيقة محكمة ، ولذلك أيضاً نفذت في سرعة فائقة وسيرت الجحافل الألمانية في أثناء الليل ، واعتدي الألمان مرة أخري على حياد بلجيكا ، وسار الملك ليوبولد علي رأس جيشه لصد الغزاة ، ولكنه كان من أول الأمر يحارب حربا خاسرة ،
وجاءت الجيوش الإنجليزية متأخرة لتنجد البلجيكيين وأخذ الفرنسيون يرتدون لأن فرنسا كانت على وشك الإنهيار . فماذا كان يحدث وراء الستار ؟ ولماذا ألقي الملك ليوبولد السلاح فجأة ، وترك جناح الجيش الإنجليزي مكشوفاً ، وعرض هذا الجيش كله لخطر الأسر ؟
لقد ظل الملك شهورا يمتص على مهل السم الذي كانت تقدمه له الساحرة الحسناء : " إن مقاومة ألمانيا وجيوشها المظفرة هو عين الانتحار ، وكل أمة تجرؤ على الوقوف في وجه الغزاة الألمان تحفر قبرها بيدها ، وألمانيا لا تضمر الشر لمن يعاونها ، وتعرض عليهم شروطاً طيبة ، وتمنحهم الحرية والسعادة ، وانجلترا وحدها هي التي تقع عليها تبعة تكدير صفو السلام في أوربا ، انجلترا التي تطمع في القوة والسلطان ، وترغب في السيطرة على العالم والقضاء على أماني الألمان الحقة العادلة . وأين هي انجلترا الآن ؟ لقد هزمت جيووشها في ميدان القتال وحاولت دون جدوي أن تحمل الفرنسيين على أن يحاربوا من أجلها ، فلما فشلت فيما كانت ترمي إليه لم يبق أمامها إلا ان تشق طريقا للنجاة من الميدان ، ولقد حانت ساعة سقوطها ولن تمضي بضعة أسابيع حتى تخر أمام الألمان ذليلة مهينة ! "
ونظر الملك الشاب الذي لم تحنكة التجارب ، فرأي العالم يتصدع بناؤه من حوله . فالنرويج خضعت للغزاة ، وهولنده قد انـهارت ، وفرنسا مزقت شر ممزق ، والجيوش الانجليزية تشق طريقها إلى دنكرك . أليس هذا هو الذي تنبأت به البارونة وحذرته من عاقبته ؟ لقد سري السم في نفس الملك وأحدث فيها الأثر المرتجي ، فأيقن أن لا أمل في صد الحيوش الالمانية المظفرة ، فآوي إلي قصره وانتظر شروط الهدنة الألمانية ، وهو الآن يقيم في هذا القصر سجينا والالمان في بلاده يسرحون ويمرحون ، وهتلر وربنترب وجبلز يفخرون بتلميذتـهم النجيبة التي مهدت السبيل لانتصارهم السهل السريع .

