الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مأساة لاهور الندوة الدولية للاسلاميات

Share

ساعة الدين ، ساعة الفكر (1)

قد يبدو لبعضهم ان الساعة ليست ساعة الحديث عن شؤون الدين او عن شؤون الفكر او عما يعقد من المؤتمرات فى انحاء المعمورة عن شؤون الدين وشؤون الفكر . فالناس جميعهم ، بمشارق الارض وبمغاربها في شغل شاغل عن كل ذلك بما يقاسونه من الفواجع الدامية والمآسي الكافرة والكلوم القاتلة .

طغت على عقولهم اهداف السياسة على اختلاف مذاهبها وتنوع مشاربها فلا هم فى نفوسهم يبصرون ولا هم عن مصائرهم يتساءلون .

هي القوى تصرع القوى ، والكتل تجابه الكتل ، والاحلاف تقاوم الاحلاف والاطماع تكشر عن انيابها وتنصب افخاخها وتطوق المعمورة باسرها بسلاسلها فلا تعرف للمبادىء حرمة ولا للحق سلطانا . . .

وليس من شك فى ان التاريخ لم يشاهد قط فى سالف احقابه سباقا هائلا كهذا السباق الذى نشاهده اليوم فى سبيل القوة ، وفى سبيل الهيمنة سيما اذا اعتبرنا ان العدة العسكرية والاجهزة الحربية وادوات الهدم ووسائل السحق بالبر والبحر والجو معا ، بلغت من الاتقان والعزة بفضل تقدم العلم وتقدم الصناعة ما لا أذن سمعت ولا عين رات ولا خطر على قلب بشر . .

ففي نطاق هذا السباق الهائل فى سبيل القوة وفي سبيل الهيمنة نشاهد ما نشاهد من التناحر ، والتشاجر ، والتنافس فى ميادين الاثم والعدوان . .

ولا حرج تضيق به الصدور ولا وخز تستيقظ به الضمائر ساين الضمائر ؟- أمام بحران اضحت تتخبط فيه انسانية معذبة تشكو الجوع وتشكو العري وتشكو الجهل وتشكو فوق كل هذا وذاك ظلمة الاهواء . . فلا أمن ولا طمأنينة ولا

رحمة ولا اشفاق ، وانما هو الذعر في القلوب والغصة فى الصدور والحرقة فى النفوس والبلبلة في العقول وسياط القسوة فى لحوم العباد . . تنطق بالف لسان ولسان فتعرب عن بوار المبادئ وعن بوار البضاعة الانسانية فى اسواق " الضمائر المتهافتة " . ..

وفي نطاق ذلك السباق الهائل في سبيل القوة وفى سبيل الهيمنة تثير " سياسة الاطماع " "جلبة وضوضاء تملا بها الفضاء حتى يلتبس الحق بالباطل أو حتى لا يسمع انين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين ولئن هى اخر ست ابواق جلبتها وضوضائها الى حين فاصخت لانين المعذبين وصيحات المكلومين واحتجاج الممتهنين وحشرجة المحتضرين واتاحت لها الفرصة ان تسمع فانما هى ترمي من وراء ذلك الى ان تستغل ابشع استغلال واكفره ذلك الانين وتلك الصيحات وذلك الاحتجاج وتلك الحشرجة فتفوز بتنفيذ ما سطرته الانانية من البرامج المظلمة ...

ليس من شك فى انه يبدو لاول وهلة ان اوكد الواجبات فى مثل هذا الجو وفي مثل هذه الظروف انما ينحصر فى الاسراع بمواساة الجريح واطعام الجائع ونصرة الضعيف وتعزيز جانب الممتهن . . .

وليس من شك في انه يبدو لاول وهلة ان الحديث عن شؤون الدين وعن شؤون الفكر فى مثل هذا الجو وفى مثل هذه الظروف انما يدل على ضرب خفى من السخرية او ينم عن اخص خصائص العقلية البيزنطية فى اهتمامها بسفاسف الامور فرارا من الواقع ومن قسوة اشواكه او تنصلا من الاضطلاع باعباء " المسؤولية الانسانية " ..

الا انه يكفيك ان تفكر قليلا فيما نلمسه من رسوم التطاحن بين مختلف المذاهب والتعاليم وفيما نشاهده من امارات الفوضى فى الاوضاع سواء اكانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية او عقلية او خلقية بجميع انحاء الكرة الارضية لتدركان الاقوياء المتجبرين ليسوا بأسعد حالا من الضعفاء الممتهنين اعنى انهم جميعا يشكون ادواء ان كانت تختلف فى ظاهرها فهي واحدة فى باطنها . . لكونها كلها متفرعة عن اصل واحدة او لكونها كلها رموزا لحقيقة واحدة لك ان تسميها " تهافت الضمير الانساني " او " كسوف الحق " فى العصر الحاضر ، . . على وجه كرة ارضية موحدة ! .

يكفيك ان تفكر قليلا فى كل هذا لتدرك ان مصير البشرية جمعاء اصبح واحدا بوحدة لم يشاهد التاريخ مثلها قط في اي حقبة من احقابه الغابرة . . ناهيك ان البشرية جمعاء اصبحت بين امرين اثنين لا ثالث لهما اما ان تهتدي إلى " نظرة " جديدة او مجددة للحياة كفيلة بان تضمن لهيكلها كله السلامة والبقاء فى نطاق حرمة شاملة لا تمييز فيها ولا تفرقة بين عنصر وعنصر ولا بين جنس وجنس . . واما ان تبيد جميعها فلا يبقى منها اى عنصر ولا اي جنس . . .

بكفيك ان تفكر قليلا فى كل هذا لتدرك ان الساعة هي ساعة الدين وساعة الفكر وساعة التفكير فى شؤون الدين وفي شؤون الفكر وفيما يمكن ان يكون للدين وللفكر من المفعول فى سبيل انقاد البشرية مما تشكوه من الادواء ورسوم الفوضى والتهافت ومما يهددها من جسيم الاخطار الكامنة في القنابل الذرية والاسلحة العصرية . .

واني لا ذهب الى ابعد من هذا فاقول قولا جزما بان المحنة التي هي محنة الدين ومحنة الفكر فى الساعة الحاضرة لهى على الاطلاق اعظم المحن التي عرفناها منذ ان كان الدين ومنذ ان كان الفكر على وجه الارض . . ذلك ان " الحق " لم يعرف فى اى عصر من العصور الدائرة كسوفا اكمل ولا اخطر ولا اشد وبالا على البشرية من هذا الكسوف الذي يبتلى به اليوم نظرا الى ان الاخطار التي أضحت تهدد العالم باسره من جراء احتدام الاهواء وانتشار القوى الظلامية ومن جراء اكتشاف اسرار الطاقة الذرية ليس يمكن درؤها الا ادا ما وجد " الضمير الانساني " فى اعمق اعماقه حيث يتجدد ايمانه بالحق على ممر العصور " فضلا

من القوة " او " زادا جديدا " يردع به الطاقة الذرية فيفوز بفضل ذلك الفضل او يفضل ذلك الزاد بالهيمنة الحقيقية على ما عسى ان تثيره في النفس البشرية من الزهو والغرور والجشع الذي لا حد له . .

أليس معنى هذا ان مسؤولية الدين ومسؤولية الفكر لهى اعظم ما تكون واثقل ما تكون واشرف ما تكون فى اليوم الحاضر ؟

انتفى الاعتدال فى العصر الحاضر بين " قوة " الضمير و " قوة " الصناعة من جراء كسوف الحق فاضحت الانسانية قاطبة تحس بمتلف الحنين الى " العمل المنقذ " الذى يجدد لها عهد الامن وعهد الطمانينة وعهد السلام بتحقيق " اعتدال حي " بين " قوة الضمير " و " قوة الصناعة " . ..

وان انت تجاوزت قشور الالفاظ ومعميات الاصلاحطات العلمية والفلسفية وعرجت الى القمة التى تشرف على المذاهب والتعاليم والملل والنحل فى تضاربها وتدافعها وتضادها ادركت ان مهمة الدين ومهمة الفكر فى جوهر مطامحهما ولب مقاصدهما ليست هى دائما وابدا سوى السعى النير الحثيث الدائب فى سبيل تحقيق اعتدال النفس البشرية وسط عالم شؤونه لا تنفك تتجدد ولا تنفك تتنكر ولا تنفك تعرض الغازها على العقول للنظر فيها والكشف عنها . .

الشرق والغرب أمام ضرورة تصفية حسابهما الفكرى :

وذلك ما أدركه اقطاب الفكر بالعالم الغربى غداة الحرب العالمية الثانية فهبوا في نشاط عجيب يحاولون تصفية حسابهم الفكرى لحسم الازمة الروحية التى تشكوها الاقطار الغربية وسعيا وراء تحقيق اعتدال النفس الغربية فى العالم الجديد .

وللكتب التى قد ألفوها حول هذا الموضوع الخطير أصبح يعسر تعدادها . . ناهيك انهم لم يتركوا مسالة لها اتصال بالانسان وبمصير الانسان بالفكر وبشؤون الفكر بالدين وبمهام  الدين بالحضارة وبقيم الحضارة لم يعطفوا عليها بالبحث والتحليل والمراجعة ولم يكتفوا بالنظر فى الحضارة الغريبة وفى قيم الحضارة الغربية سواء اكانت يونانية المصدر او مسيحيته او رومانيته او عصريته بل عطفوا اصدق العطف على مختلف الحضارات الشرقية القاصية منها والدانية يتجسسون وراء اسرارها ويحاولون الغوص عن قيمها الخالدة علهم يجدون ما يشبع جوع الارواح او يرضى شره العقول . ..

ولعل ابرز مظاهر هذا النشاط الخصب تلك المؤتمرات الدولية التي ما انفكت تنعقد فى كل عام منذ سنة ١٩٤٦ سنة مطردة الى يومنا هذا بعاصمة جنيف بسويسرة حول مختلف عناصر القضية وتسمى ( Les Rencompres Internationeless de ولقد نشرت جميع الدراسات والبحوث فى كتب نفيسة هى بحق من اهم المصادر بالاضافة لمن اراد ان يعرف شواغل المفكرين الغربيين فى هذا الصدد (1 )!

وليس من شك فى ان مشكلة " ازمة القيم " ان كانت خطيرة بالاضافة الى الاقطار الغربية فهي بالاضافة الى الاقطار الاسلامية اخطر ناهيك ان المجتمعات الاسلامية امتحنت فى القرون الاخيرة بما تعرفه من علل الانحطاط واقسام الافلاس والوان القهر وصنوف الاستعباد مما طمس معالم قيمها وشوه ملامحها وكاد يفقدها روحها . . .

وبالرغم مما بذلته وما زالت تبذله من جبار المجهودات في سبيل استرجاع عهد الاخلاص لذاتها لما تنهض عليه ذاتها من طريف المبادئ والقيم في نطاق استقلال الذات وحرمة الذات وقوة الذات وخصب الذات في ميادين الحق والخير والجمال في ما زالت تشكو " تهافت ضعيرها " من جراء ما ورثته عن عصور التقليد والانحطاط من ركام الخرافات والاباطيل والترهات ومن جراء ما عرفته ايام استعبادها من ضروب العدوى الغربية .

وبالرغم مما تنشره " العناصر الحية الواعية " بالاقطار الاسلامية من صفحات البطولة وصحة النظر وزكاة الاخلاص فالشعوب الاسلامية في عمومها ما زالت تشكو " ازمة روحية خطيرة " نتيجة ما لم يزل هنالك من آثار ادراك قاصر واحساس عليل وارادة منحرفة ورثتها عن بائد العهود ...

ومما يؤسف له ان الاقطار الاسلامية لم تنتبه بعد لخطورة الامر ولا هي وفقت الى الاهتداء الى طرق النجاة او سبل البعث . . . او قل ان الاقطار الاسلامية على اختلافها عربية اللسان وغير العربية متفاوتة الحظوظ في شعورها او في عدم شعورها بخطورة المشكلة وفى توفيقها او فى عدم توفيقها الى الطرق الموصلة الى ما فيه الفوز والنجاة والبعث . ..

وان ذلك ليتضح جليا لمن حظى بحضور " الندوة الدولية للاسلاميات " بعاصمة لاهور وكان له من اليقظة الفكرية والثقافة الفلسفية ما يمكنه من الاقتدار على النفاد الى جوهرى عناصر القضية . .

وانه ليمكن لى الجزم بان جمهورية الباكستان اشد الاقطار الاسلامية على الاطلاق شعورا بمأساة القيم الاسلامية فى العصر الحاضر . .

وان ذلك ليرجع الى اسباب عدة اهمها ان الباكستان حظى في العهد الاخير بأن كان له مفكر اسلامي اصيل هو محمد اقبال العظيم ، فكان لتعاليمه ولما اذاعه من الكتب والدواوين الشعرية والمحاضرات الفلسفية اقوى الاثر في لفت الأنظار

الى خطورة المشكلة الدينية بالاقطار الاسلامية عامة . . ولقد كان لكفاحه الفكرى اطيب النتائج وابعد الاصداء . . من ذلك تأسيس الجمهورية الباكستانية نفسها ومن ذلك كذلك ظهور طبقة من المفكرين المسلمين نشاهد نشاطها اليوم وهى طبقة قلما نجد لها نظيرا في بقية الاقطار العربية لما تمتاز به من اصالة التفكير وعمق النظر والحرص على جوهرى الامور والغوص عن كنه المبادىء والقيم الاسلامية فى انبجاس انوارها المتجددة . . امثال محمد على والدكتور خليفة عبد الحكيم عميد المعهد الثقافي الاسلامى بلاهور والاستاذ ابو الاعلى المودودى امير الجماعة بغربى الباكستان . .

وانه لمن المضحك جدا ان نشاهد الفقيه المصرى ابا زهرة وهو البعيد كل البعد عن تصور حقيقة المشكلة يشارك في المؤتمر فيناقش ويجادل ويهاجم وتنتفخ اوداجه . حقيقة لا مجازا -" دفاعا " عن القيم الاسلامية ويتطاول فيلقى " الدروس " على امثال الدكتور خليفة عبد الحكيم ...

اضف الى ذلك كله ان الطبقة النيرة من مفكرى الباكستان تشعر حاد الشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتقها فى ميدان خدمة القيم الاسلامية العليا فى العالم العصرى بعد ما كان من تأسيس الدستور الباكستانى على المبادى الاسلامية . .

وان انت ذكرت هذه الامور ادركت انه ليس عن صدفة ان كان الباكستان هو الذى اهتم بعقد الندوة الدولية للاسلاميات فدعت جامعة البنجاب مختلف الاقطار الاسلامية ومختلف الدول الغربية التى لها حركة مرموقة من حركات الاستشراق فضيفت وفودها واحتفت بها وانفقت ما يقرب من ثمانين مليون فرنك على ما قيل لي لسد حاجات المؤتمر والمؤتمرين وذهبت حتى الى دفع نفقات السفر جيئة وذهابا لاعضاء الوفود كافة . .

الندوة الدولية للاسلاميات :

اما المواضيع التى قرر النظر فيها اثناء جلسات الندوة وخصصت لبحثها والنظر فيها محاضرات المحاضرين فهى المواضيع التالية :

١ ) امكان مساهمة الاسلام فى اقرار السلام العالمي ٢ ) العناصر الاساسية فى الثقافة الاسلامية

٣ ) البناء الاقتصادى للمجتمع في الاسلام ٤ ) دور الاجتهاد في الاسلام ٥ ) الاسلام والعلاقات بين الاديان ٦ ) مفهوم الدولة في الاسلام ٧ ) موقف الاسلام من العلم ٨ ) تاثير الغرب الاقتصادى فى الاقطار الاسلامية ٩ ) اثر الاسلام فى تاريخ الغرب والثقافة الغربية

10) المجتمع الاسلامي من الافكار والقيم الاجتماعية الحديثة . . . وهي مواضيع كما ترى حرية بان تتيح لذوي العقول فرصة من اسعد الفرص لتصفية الحساب الفكرى الاسلامي ومعالجة ازمة القيم الروحية الاسلامية في العصر الحاضر . ..

وهي هي المواضيع التى حررت فى شانها الف صفحة القيتها محاضرات بمذياع تونس ونشرت القليل منها في " تحريك السواكن "

لذلك امكن لى ان اقول فى مقدمة المحاضرة التى القيتها بالندوة الدولية للاسلاميات : " قد اتفق لى فيما مضى من الاعوام ان حظيت بشرف المشاركة في اعمال

مؤتمرات عديدة تتعلق باغراض تربوية او فلسفية فكنت في كل مرة اشعر بشتى العواطف والاحاسيس والخواطر تزدحم فى النفس وتبعث فيها ما تبعث من الحماسة والنخوة وكان لى فى كل ذلك ما يحبب الى النزول فى حلبة الفكر اقدح زنده واستجدي جوده واستمد من مدد نوره لتحليل مشكلة حفت بها ضروب اللبس او توضيح معضلة تشعبت مسالكها او تبديد اوهام تراكمت على الاذهان فسدت عليها الآفاق او كسر سدود ناهضت الهمم فاغلقت في وجهها ابواب الحق والخير والجمال . .

ولكن نفسى لم تكتظ قط فى سالف المؤتمرات بما تكتظ به في هذه الساعة بهذا المؤتمر من صنوف الاحاسيس ولا استشعرت بما تستشعر به من عزة الموقف وخطورة الامر وثقل المسؤولية . .

واني لا شعر بالخصوص بان جنس اتصالي بهذا المؤتمر ليس جنس اتصالي ببقية المؤتمرات فهو يلتصق بلحم فكري ولحم احساسي ولحم ارادتى

باوثق ما يكون الالتصاق ويلتحم بها باشد ما يكون الالتحام حتى انه ليمكن لى ان اؤكد ان تفضلتم فسمحتم لي بذلك انه مؤتمرى الخاص !

اقول هذا شاعرا بما فى هذا القول من الدعوى ومن الغرور . الا انى ما كنت لاعرب وسط جمعكم المحترم عن هذه الدعوى ولا عن هذا الغرور لو لم يكن فى ذلك اصدق التنويه بالهمم التى ابت الا ان تسهر على تنظيم هذا المؤتمر فاضطلعت بمهام عقده واعتنت بتوفير اسباب نجاحه ! . ..

وهل يمكن ان يكون هنالك فخر لها اعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتحوم جلساته ومحضراته ومناقشاته لاحوال الاراء الجافة والخواطر المجردة والكليات الجامدة بل حول ما يلتصق هذا الالتصاق بلحم المشاركين فيه ارادة وفكرا واحساسا ؟

وهل يمكن ان يكون فخر لها اعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتردد جلساته ومحضراته ومناقشاته حتى الاصداء لما يخامر ضمائر اعضائه المسلمين من ملح الشواغل الفكرية حول مصير المجتمع الاسلامى ومصير قيم المجتمع الاسلامى في العصر الحاضر ؟

ولئن قلت ان هذا المؤتمر مؤتمرى الخاص فلان المسائل والقضايا والمواضيع التى قرر عرضها على العقول فى جلساته قد عطفت عليها بالبحث والتنقيب مدة سنوات عديدة فما تركتها ولا تركتني الى ان اصبحت شغلى الشاغل وهمى الملازم تتبعني كظلى حيثما حللت وتهيمن على مشاعرى كلما فكرت وتسد على الافق كلما ساءلت النفس عن المصير والمنقلب ....

ولا غرو فهي مسائل وقضايا ومواضيع حيوية بالاضافة الى المجتمع الأسلامي وبالاضافة الى القيم التى هى دعائمه وليست هى مجرد الفرص تنتهز لبعث ميت الاصداء ومجاج الآراء وغث الانظار حول الماضي وشؤونه .

واني لحريص كنه الحرص على ان اؤكد هنا رأيا أو من به ارسخ الايمان وهو ان " الفكرة الحية " التى تفيض عنها القريحة السليمة الخصبة لهى اداة للهدم مثلما هي اداة للبناء لها من الاقتدار على الهدم على قدر مالها من الاقتدار على البناء ، . . تنطلق من الفؤاد المضطرم انطلاق السهم ولها رنينه فتشق لنفسها الطريق هادمة بانية راقصة فواحة ساطعة هى من معدن الايمان . .

بل هي الايمان بالايمان الذى يقلقل الجبال . . تنقض على شؤون الواقع انقضاض الاعصار فتحطم ما بلي من اوضاعه وتعفن من شؤونه وفسد من اركانه ووهن من اصوله فتمهد بذلك السبيل امام معجزات البعث . .

عندي ان ما جرى من النقاش والبحث والنظر فى جلسات هذا المؤتمر انما يجب ان تكون ضالته " فكرة " من هذا الجنس ان اردنا للمؤتمر نجاحا ! . .

فهي هي الكفيلة بان تبعث المجتمع الاسلامى بالمشرق والمغرب البعث الحقيقي فيصبح من جديد بعد ليل اتصل دهورا " دارا عقلية " مجتهدة نيرة المبادئ منغمة القيم منسقة المفاهيم متجانسة الشؤون رحبة الاجواء حتى تتنفس فيها ملء الرئتين بينها وبين واقعنا الجديد اشد الالتحام واقوى الاتصال واروع الوشائج كي يمكن ان تعض ذلك الواقع وكى تستمد من ذلك الواقع قوة وصلابة (١) . . .

وانه ليلذ لى ان اعرب عن هذا الرأى فى وطن محمد اقبال العظيم . رحم الله تلك النفس الزكية لما كانت تطفح به من حرارة الايمان النير ولما كان فى بصيرتها من ومضات البعث وعظم الله اجر الدكتور عبد الوهاب عزام الحاضر بيننا لادراكه ايام كان سفير مصر بالباكستان ان سفارة مصر بالباكستان هي قبل كل شئ سفارة محمد اقبال فى العالم العربى الاسلامى . . . . "

ويجب علينا هنا احقاقا للحق ان نعترف بان ما جرى من النظر والبحث والنقاش فى جلسات المؤتمر لم تكن دائما ضالته فكرة من ذلك الجنس ولا رأيا من ذلك المعدن . . بل يجب علينا ان نجزم بان اكثر البحوث واكثر المناقشات كانت ميت الاصداء يردد ومجاج الآراء يلفظ وغث الانظار يذاع عن الماضى وشؤونه وضربنا مهولا من الدماغوجيا بلغ من الاسفاف والخلط والمغالطة والتهريج ما حمل كثيرا من ذوى الهمم الصادقة على عدم المشاركة فى الجدال او على سحب دراساتهم حتى لا تذاع فى مثل ذلك الجو . .

وانا اذ اقول هذا لست افكر فيما القاه المستشرقون من البحوث فهم غير مطالبين بان تضطرم نفوسهم بما يجب ان تضطرم به نفس العالم الاسلامى من

الغيرة على القيم التى هى قيمه . . فأقصى ما يطلب منهم فى هذا الميدان انما هو اتباع سنن البحث العلمى النزيه والتقيد باصول البحث العلمي النزيه : من دقة واخلاص للحق وحرص على جوهرى الامور دون العرضي منها . . ولقد اظهروا من كل هذا ما لو قابلهم بعض " العلماء " الاسلاميين ممن شاركوا في الندوة بعشره لاعتبروا انفسهم مجازين ! ....

اقول هذا وانا خجل لان بعض اولئك " العلماء " الاسلاميين لم يتحاشوا من ان يصبوا عليهم جام حق حقدهم وازدرائهم وسوء فهمهم دون ما إقامة وزن لادب او للطف أولكرامة . . فكانوا ابشع مثال لعقول احرى بان تكون عقول عوام لا عقول علماء تنتسب للعلم وتعرف له حرمة . .

وقد يكون اقبح مثال لذلك ما كان من الدكتور مبارك وزير التربية بسوريا سابقا فانه هاجم المستشرق الاميركى الدكتور " غوستاف فون غرونباوم " اثر القائه محاضرة رائعة عن مفهوم " الامة الاسلامية " كانت آية من التحليل النير الدقيق استعرضت اخص خصائص الامة الاسلامية من الناحية الفلسفية الاصولية . . هاجمه مهاجمة الغلظة والعنف . . وخطأه اشنع التخطئة وقوله ما لم يقل قط . . وكان هو المخطئ في جميع ما قال لعدم فهمه الفلسفة والاصطلاحات الفلسفية . . ولما اعربت له عن دهشتى امام موقفه اعترف لى بانه . . لا يفهم الانقليزية وبانه اعتمد فى مناقشة آراء المستشرق الامبركى تلخيصا مشوها لمحاضرته . .

وقل مثل ذلك عن الاستاذ مصطفى الزرقا استاذ الشريعة الاسلامية (1) بكلية الحقوق بالجامعة السورية ووزير العدلية سابقا بسوريا . .

وقل مثل ذلك واكثر عن الاستاذ عمر بهاء الاميري سفير سوريا بالباكستان سابقا . .

فقد عملوا جميعا من حيث لا يشعرون لافساد المؤتمر والغريب انهم كانوا يظنون انهم يحسنون صنعا فى سبيل " الدفاع " عن الاسلام والقيم الاسلامية ودحضا لما كان يوجه الى سوريا اذ ذاك من التهم حول التحاقها بالمعسكر الروسي . . وما دروا ان الخطر الحقيقي الوحيد الذى يهدد الاقطار الشرقية والقيم البشرية بالاقطار الشرقية انما هي تلك " الظلمة العقلية " التى تتجسم فيهم ....

ولا تظن انى اقصد من وراء هذا الكلام التجريح فاشخاص هؤلاء واضرابهم لا تهمنى لا كثيرا ولا قليلا . . وما كنت لاذكرهم فى هذا الحديث لو لم يكونوا شر الممثلين لشر بعض مشاهد ماساة لاهور . .

واني لارتعد فرقا والله اذ افكر فى ان امثال تلك العقول كان بين ايديها مصائر التربية ومصائر التدريس ومصائر العدلية بقطر شقيق .

واني لارتعد فرقا والله اذ افكر فى ان مصائر القيم الروحية الاسلامية في الاقطار العربية فى العصر الحاضر قد لا تجد لمعالجتها الا مثل هذه العقول العامية المنحرفة .

واني لارتعد فرقا والله اذ افكر فى ان الهمم الصادقة التى تسعى فى سبيل النهوض بالشرق وبقيمه الخالدة وتكافح جزيل الكفاح لتفكيك الشرق وتخليص قيمة مما غمرها به الدهر من القطران سترتطم مساعيها بما تثيره فى طريقها من العقبات عقول فوضوية كهذه العقول التى ينطبق على اصحابها قول الغزالي : " مثلهم كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هى تشرب ولاهى تترك الماء يخلص للزرع . . . "

فليس بمثل هذه " الظلمة " فى العقول يمكن ان يبعث الشرق وتبعث قيمه وليس بمثل هذه الدماغوجيا يمكن ان يصفى حسابه الفكري والروحى !   .

بوارق الامل :

وبعد فهل فشل المؤتمر من جراء هذه الظلمة الطاغية ؟ وهل ذهبت كل المساعى لتنظيمه ادراج الرياح ؟

الحقيقة هي ان المؤتمر كان مفيدا جدا من عدة نواح . اهمها انه اتاح فرصة نادرة لاجتماع العدد الكثير من نواب الحركات الفكرية والدينية بمختلف الاقطار الاسلامية وغير الاسلامية . . وبالرغم مما هنالك من فوارق تكاد تكون جوهرية بين " اجناس " العقول المجتمعة بل بفضل تلك الفوارق يمكن اللسب ان يجس " نبض " المجتمع الاسلامي وان يعرف بالضبط صنوف الشواغل الفكرية والروحية - الرجعية والتقدمية المظلمة والنيرة - التى تتجاذب العقول الاسلامية وتتنازعها !

وانه ليمكن لك ان تصنف العقول التى شاركت فى المؤتمر . . فهى لا تتجاوز ثلاثة اصناف ...

أ) صنف من العقول هى من عهد الافلاس والى رسوم الافلاس تنتمى ، وهى في اوضاع الافلاس تتمرغ .

ب) صنف العقول التى هى من العهد الجديد والى العهد الجديد تنتسب وتسعى لتحقيق ما لم يتحقق بعد .

ت) صنف العقول المخضرمة التى لها رجل فى العهد البائد ورجل فى العهد الجديد وهي فى ميدان الحيرة والبليلة تتيه تيه النعامات فى الصحارى آيات بيانها الدجل والنفاق والجبن العقلى .

وليس من ريب في ان المؤتمر الذى ضم كل هذه الاصناف من العقول من شانه ان يحدث صدمة عنيفة فى نفوس البعض ، ومن شانه ان يحفز البعض على مواصلة العمل ، ومن شانه بالخصوص ان يربط وثيق الصلات بين عقول الصنف الثاني فيزداد عددهم ويقوى ساعدهم ويستعين بعضهم ببعض ويستنير بعضهم ببعض فتحطم بعض السدود العصية وتنفتح بعض الآفاق الجديدة .

وفيما يخصنى شخصيا فقد كنت سعيدا حقا بالمشاركة فى هذا المؤتمر فقد مكنني من الاجتماع بنخبة نيرة من ذوى الثقافة الحقيقية والتكوين الصحيح من ابناء الباكستان خاصة . . . ولقد كان سرورى عظيما جدا اذ اكتشفت هذه الطبقة من العقول الصافية والضمائر الحية والارادات الصادقة . . وللحديث معها فيه لذة ، وفيه حبور . وفيه ما ينعش الامل . وفيه ما يبعث الرجاء .

أخص خصائص هذه الطبقة من ذرية محمد اقبال الكبير فهمها ان مصير القيم الروحية الاسلامية ليس ينحصر فى نشر ما الف القدماء مهما كانوا عظاما من الكتب ولا فيما سطروا من قوانين ولا فيما استنبطوا من اصول وانما هو فى عمل ابتكار طريف يحقق " التنغيم " بين الحساسية الاسلامية الجديدة الحاضرة مع المبادى الاسلامية الخالدة ومقتضيات العصر الذى هو عصرنا . . وهو عمل لا يقوم العوام واشباه العوام . وانما يقوم به اصحاب الاجتهاد الحقيقى او اصحاب التجديد الحقيقى .

وهل دعوت في كل ما اذعت من المحاضرات بمذياع تونس مدة ثلاث سنوات لغير هذا ؟ وهل يرمى " تحريك السواكن " لهدف غير هذا الهدف ؟

وهل يمكن ان يتم شىء من ذلك ما لم تبدد حنادس الليل المتراكمة على " دارنا العقلية " وما لم تبعث : قوية ، سالمة ، يقظى " الذمة الاسلامية " او " الضمير الاسلامي " ؟

وليس من ريب فى انبعات الذمة الاسلامية قوية سالمة يقظى لمن شانه ان يضيف الى " القوى الروحية " فى العالم الذرى قوة من جنس تلك التى انطلقت من صحراء الجزيرة ما يقرب من اربعة عشر قرنا مضى موجا عارما سرى بسرعة البرق فانار مشارق الارض ومغاربها . .

فما على الهمم الصادقة التى تعمل لتقريب ذلك اليوم السعيد الا مواصلة السير جاعلة هدفها الاول القضاء على " السرطان " المهول الذى ينخر العاطفة الدينية بالاقطار الشرقية على الشكل المريع الذى شاهدناه .

اشترك في نشرتنا البريدية