الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 398الرجوع إلى "الثقافة"

مؤتمر الصلح

Share

يجتمع مؤتمر الصلح منذ أسبوعين في قصر لو كسمبورج التاريخي بباريس ، وهو الذي كان فيما مضي دارا لمجلس الشيوخ الفرنسي ، وتشترك فيه إلى الآن إحدي وعشرون دولة ، منها الدول الأربع الكبرى وهي بريطانيا العظمي وفرنسا وروسيا السوفيتية وأمريكا ، وسبع عشرة من الدول الوسطى والصغري ، وذلك باعتبار أن هذه الدول الإحدي وعشرين هي الدول التي خاضت غمار الحرب بصفة فعلية وما تزال ثمة بضعة أخري من الدول الصغري تطمح إلي الاشتراك في أعمال المؤتمر، وفي مقدمتها مصر وألبانيا والمكسيك وكوبا ولو كسمبورج ، وذلك لكي تستطيع بسط وجهات نظرها فيما له مساس بحقوقها ومصالحها قبل دول الأعداء السابقة .

وتنحصر مهمة مؤثر الصلح الحالي في بحث مشاريع

معاهدات الصلح التي أعدها مؤثر وزراء الخارجية من قبل مع إيطاليا والمجر ورومانيا وبلغاريا وفنلنده ، وذلك بعد مباحثات ومناقشات طويلة ، وقد تولي مؤثر وزراء خارجية الدول الأربع الكبرى وضع هذه المشاريع بمفرده ، وروعي في وضعها بادي ذي بدء التوفيق بين مصالح الدول الكبرى ، وكان من الواضح أن روسيا السوفيتية تتجه اتجاها خاصا فيما يتعلق بمعاهدات الصلح مع بلغاريا ورومانيا والمجر وفنلنده ، وأن الدول الغربية الثلاث لم تبد كبير معارضة في إقرار معظم وجهات النظر الروسية في هذه المناطق التي ما زالت تحتلها الجيوش الروسية وتبسط عليها روسيا شبه حماية سياسية . وأما يتعلق بإيطاليا فقد اتحفت مباحثات الصلح شبه مساومة بين الفريقين ، وبدت روسيا في ثوب المدافع عن مطالب وجوسلافيا

وأمانيها ، ولكنها كانت رفيقة في التمسك بوجهات نظرها مقابل ما لقيت من تساهل الدول الغربية في الناحية الأخرى.

وقد أذيعت نصوص مشاريع المعاهدات الخمس التي وضعها مؤتمر وزراء الخارجية . ولا ريب أن أهمها جميعا هو مشروع الصلح مع إيطاليا . ومثل هذا المشروع في مجموعه اتجاهين واضحين : أولهما أن إيطاليا قد عوملت في بعض نواحيه بقسوة ظاهرة باعتبارها دولة معتدية من دول الأعداء ، والثاني هو أنها عوملت في بعض النواحي الأخرى بشيء من التساهل والرفق لقاء ما بذلت بعد تسليمها في سبيل تدعيم مجهود الحلفاء الحربي . فإيطاليا

تفقد بمقتضى  هذا المشروع سائر مستعمراتها وممتلكاتها السابقة ، وتعترف باستقلال الحبشة وألبانيا اللتين كانتا من ضحايا مغامراتها الإمبراطورية ، ونتنازل عن جزر الدود كانتيز  اليونانية لليونان ، وتتنازل ليوجوسلافيا عن منطقة فنيريا جوليا والأراضي الواقعة شرقي تريستا وعن ثغر زارا والجزائر الواقعة قريبا منه. أما منطقة تريستا ذاتها فتغدو منطقة دولية حرة يكفل مجلس الأمن الدولي استقلالها وسلامتها ، وتعدل الحدود الإيطالية الفرنسية تعديلا بسيطا . أما التيرول الجنوبي وهو منطقة نمسوية  محضة فسوف يترك لإيطاليا بعد تعديل بسيط في الحدود ؛ ويسمح لإيطاليا بجيش لا يزيد على ٢٥٠ ألفا من الضباط والجنود ، وقوة جوية ضئيلة ، وأسطول لا يتجاوز بضع قطع ، وسوف يقسم الأسطول الإيطالي الحالي بين الخلفاء وتتعهد إيطاليا بتسليم مجرمي الحرب . أما عن التعويضات فقد عوملت إيطاليا معاملة رفيقة جدا ، وفرض عليها أن تؤدي لروسيا تعويضا عينياً صغيراً ، على أن يفصل مؤتمر الصلح في باقي طلبات التعويض التي سوف تتقدم بها فرنسا ويوجوسلافيا والحبشة واليونان .

وأما المعاهدات الأخرى التي وضعت لرومانيا وبلغارية

والمجر وفنلندا ، فتبدو في نصوصها رغبات موسكو واضحة ، فهي في الواقع معاهدات روسية وضعت لضمان مصالح روسيا وتحقيق سياستها في دول تعتبر في نظرها مناطق نفوذ روسية لاشأن للحلفاء بها . وتقوم المعاهدات الأربع على مبادئ واحدة تقريباً ، ولا تتناول تغييرات إقليمية ذات شأن إلا فيما يتعلق برومانيا حيث نص على أن تعود حدودها إلي ما كانت عليه في يناير سنة ١٩٤١ ، وهو ما يعني أن تبقى ولاية بسارابها داخل الحدود الروسية، وفيما يتعلق بفنلندا حيث نص على استرداد روسيا لإقليم بتسامو وحقها في تأجير منطقة بوركالا- أود  كقاعدة بحرية . ويسمع لكل من الدول الأربع بالاحتفاظ بجيش صغير ، وتلزم كل منها فيما عدا بلغاريا بأن تؤدي للاتحاد السوفييتي  تعويضاً عينيا قدره ثلاثمائة مليون دولار . وتحتوي المعاهدات الخمس كلها علي بعض النصوص المشتركة المتعلقة بضمان حقوق الإنسان والحريات العامة وإلغاء القوانين العنصرية ، والمعاقبة على جرائم الحرب ، وسحق النزعات الفاشستية وغيرها.

والمفروض أن مشاريع معاهدات الصلح الخمسة ، وهي التي وضعها مؤتمر وزراء الخارجية ، هي مشاريع تمهيدية  قابلة للتغيير والتعديل ، وستكون صياغتها النهائية هي أخص مهام مؤخر الصلح الذي ينعقد الآن في قصر لو كسمبورج ؛ وستعطي الفرصة للدول السبع عشرة التي تجتمع الآن مع الدول الأربع الكبرى لكي تبدي وجهة نظرها ، كل فيما يتعلق بمصالحها التى تمسها المعاهدات المذكورة ؛ وسيكون ليوجوسلافيا واليونان والحبشة فيها يتعلق بالمعاهدة الإيطالية آراء ومطالب خاصة إقليمية وغيرها . وإذا أتيح لمصر في النهاية أن تظفر بالمثول في مؤتمر الصلح ، وهو ما يسعي إليه الآن وفدها في باريس ، فسيكون لها أيضاً قبل إيطاليا مطالب خاصة بالتعويضات ومصير المستعمرات الإيطالية في افريقية . هذا ومن جهة

أخرى فإنه قد أصبح في حكم المقرر وأن يسمح لدول الأعداء السابقة التي وضعت من أجلها المعاهدات ، وهي إيطاليا ورومانيا والمجر وبلغاريا وفنلنده ، أن تمثل في مؤتمر الصلح لتبسط وجهات نظرها ولتدافع عن حقوقها فيما تري أنه إجحاف بها .

وما زال مؤتمر لو كسمبورج حتى كتابة هذه السطور يعني بتنظيم الإجراءات الشكلية والأغلبية التي تصدر بها قراراته ؛ وهناك فوق ذلك دلائل كثيرة تدل على أن المؤتمر سيعنى بالإجراءات والرسوم أكثر مما يعني بالموضوع . ذلك أنه يمكن القول بأن مشاريع المعاهدات التي وضعها مؤتمر وزراء الخارجية تعتبر في جوهرها قرارات واجبة التنفيذ ، وأنه قد روعيت في وضعها فضلا عن رغبات الدول الكبرى رغبات الدول التي تنضوي تحت لوائها وفق المستطاع ، وأنه ليس من المحتمل أن يدخل المؤتمر على نصوص هذه المعاهدات تغييرات أساسية ، اللهم إلا فيما احتفظ به لبحثه بواسطة المؤتمر كبعض المسائل الإقليمية ومسائل التعويضات . وإن في تنظيم المؤتمر ذاته وما هو ملحوظ من انتماء كل دولة من الدول الوسطى أو الصغري إلي دولة من الدول الكبرى تؤيد رأيها وتدعم قراراتها ، ما يؤيد أن نشاط المؤتمر من الناحية الموضوعية سيكون محدوداً .

هذا وسوف يستمر مؤتمر الصلح في انعقاده إلي نحو العشرين من شهر سبتمبر ، ثم لابد من انقضاضه حول ذلك التاريخ ، خصوصاً إذا تقرر بالفعل أن تعقد الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة في الثالث والعشرين من سبتمبر ؛ وهنالك ما يدل على أن المؤتمر متى انتهى من تنظيم مسألة الإجراءات فإنه سوف يمضي قدماً في أعماله .

وإنه لمن غرائب القدر أن نشهد هذا المؤتمر الضخم ينعقد لإقرار معاهدات الصلح التي فرضت على إحدى

دول المحور وبضعة من الدول الصغري ، ولا نسمع فيه ذكراً لمعاهدة الصلح مع ألمانيا ، وهي العدو الرئيسي والواقع أنه شتان ما بين مؤتمر الصلح الذي عقد في فرساي في سنة ١٩١٩ عقب الحرب العالمية الأولى ، والذي مثلت فيه ألمانيا المهزومة مع خصومها وجها لوجه ، وبين مؤثر لو كسمبورج الذي تتلي فيه نصوص معدة على أعداء الأمس ، وليس بينهم ألمانيا التي تحمل أعظم تبعة في إثارة الحرب العالمية الثانية ؛ وتفسير ذلك بسيط واضح ، هو أن ألمانيا الإمبراطورية استطاعت بالرغم من هزيمتها في الحرب الكبرى أن تحتفظ بوحدتها وشخصيتها كدولة عظمى ، وقد اتخذ الخلفاء الظافرون نصوص معاهدة فرساي لتحطيم ما بقي من حيوية  ألمانيا ومواردها ، ولكن معاهدة فرساي أثبتت أنها لم تكن أداة صالحة لتحقيق

هذه الغاية . ولهذا فظن الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أنه لابد للقضاء على ألمانيا النازية من تحطيمها وسحقها في ميدان الحرب أولاً ؛ وهكذا فعلوا واستمرت المعارك الطاحنة تضطرم حتى خرت الريح الثالثة صريعة دامية على ركبتيها ، واحتل الحلفاء الظافرون سائر أراضيها ، وما زالوا منذ أكثر من عام يعملون على سحق قواها ومواردها ، وتطبيق شروط التسليم التي فرضت عليها بأقصي الوسائل وأشدها ، وإذا فليس الحلفاء بحاجة إلي التعجيل في عقد الصلح مع ألمانيا ، وقد حققوا غايتهم من تحطيمها وسحقها بصورة عملية ؛ أضف إلي ذلك أن ألمانيا ليس لها الآن وجود كدولة مستقلة ، وليست بها حكومة قومية يمكن المفاوضة أو التعامل معها ؛ فالي أن تسترد كيانها كدولة ذات سيادة وإلي أن تقوم بها حكومة قومية ، يستطيع الحلفاء أن يكتفوا بتنفيذ شروط التسليم المرهقة التي فرضت عليها في ظل الاحتلال القوي المستمر.

وثمة ظاهرة أخري تستحق التسجيل في هذا المقام وهو أن مؤتمر فرساي عقد في سنة ١٩١٩ ومشروع

عصبة الأمم لا يزال حلماً يرجو التحقيق ، وقد لقي مولده الأول في معاهدة فرساي ذاتها، ولكن مؤتمر الصلح الحالي يعقد ، وهيئة الأمم المتحدة أو عصبة الأمم الجديدة قد أصبحت حقيقة واقعة ، وقد وضع دستورها وأقيمت دعائمها الأولى بعيدا عن مؤتمر الصلح وعن معاهدات الصلح، وكان هذا الاستقلال الملحوظ في إنشاء هيئة الأمم المتحدة أيضا من " رفرساي " وقد اعتمدت مشاريع المعاهدات المعقودة بالفعل على معاونة هيئة الأمم المتحدة في أ كثر من موضع ؛ فمنطقة تريستا الدولية توضع تحت كفالتها ، والمستعمرات الإيطالية قد توضع تحت  وصايتها،  إذا لم تتفق الدول على حل آخر ، وهكذا تغدو هيئة الأمم المتحدة منذ الآن عاملاً ذا شأن في تنفيذ   معاهدات الصلح ، وفي تصفية  كثير من المسائل التي  ترتبت على الحرب العالمية الثانية.

اشترك في نشرتنا البريدية