نشرت وزارة المعارف اثر رجوعى من دمشق بلاغا لخص تقريري المقدم اليها عن اعمال المؤتمر الاول للمجامع العلمية العربية المنعقد بدمشق من ٢٩ سبتمبر الى ٤ اكتوبر ١٩٥٦ - وبذلك اطلع الجمهور التونسي على نشاط ذلك المؤتمر ومقرراته . غير ان المعنى بشؤون اللغة من التونسيين قد يرغب فى مزيد من التفاصيل وشرح لبعض التوصيات ويشتقاق الى الاطلاع على بعض الوثائق ولذلك رايت من المفيد ان امكن مجلة " الفكر " من نشر ما لم ار حرجا فى نقله : اى تقريري عن الفصحى والعامية اذ اذن لي مكتب المؤتمر باطلاع الجمهور التونسى عليه قبل طبعه في سجل المؤتمر ، ومحاضرة الدكتور طه حسين ومحاضرة الدكتور منصور فهمى ، اذ كانتا محاضرتين " عامتين " استمع اليهما الخاص والعام بدمشق واثارتا صدى ذا بال فى الصحافة والاوساط الثقافية السورية . واعتبرت كذلك من المتمم للمأمورية التى قمت بها ان ابين اهمية بعض المشاكل المعروضة على المؤتمر وان اشرح موقفه منها . . ا . ع .
ان المطلع على ما سبق مؤتمر المجامع من اقتراحات وزراء المعارف العرب ( فى مؤتمرهم المنعقد بالقاهرة في ديسمبر ١٩٥٣) ومن توصيات اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية (خاصة فى اجتماعها بجدة في يناير ١٩٥٥) يشعر بان هذا المؤتمر محاولة للتوفيق بين الحاجة الى بقاء " المجامع الاقليمية بالقاهرة ودمشق وبغداد " وبين الحرص على " عمل موحد لبعث التراث العربي وتوحيد المصطلحات العلمية والتعاون على ترقية اللغة والمحافظة على سلامتها مع مسايرتها للحياة "
وقد ابرزت تقارير المجامع الثلاثة عن نشاطها الفائدة في ابقائها لبعث التراث العربى المنبث فى مختلف البلدان العربية ولمساعدة الدول العربية على اصلاح لغة دواوينها ومدارسها ومصالحها . واكتفى المؤتمرون بتأسيس اتحاد للمجامع " ينظم الاتصال بين المجامع العربية وينسق اعمالها " ويشرك فى اعماله نوابا عن الدول العربية التى ليس فيها مجامع . وعدلوا بذلك عن مقترح وزراء المعارف الرامي الى تعويض المجامع الثلاثة بمجمع واحد .
وقد كان هذا المؤتمر الاول دالا على تفاؤل كبير اذ رسمت في جدول اعماله ( ومدتها المقررة ستة ايام ) مشاكل من صميم ما تعانيه الثقافة العربية في عصرنا هذا
وقد صدرت عنه توصيات حكيمة فى توحيد المصطلحات كتوصيته بتاليف معجم عربي فرنسى انجليري للمصطلحات العلمية يشرف عليه اتحاد المجامع ويكون مرجعا لجميع الدول العربية . وكذلك في ما يتصل بنشر المخطوطات وبترجمة الكتب اوصى المؤتمر باصدار نشريات دورية تتضمن من جهة جميع ما نشر او ما شرع فى تحقيقه من المخطوطات العربية ، ومن جهة اخرى ، ما ترجم او ما ابتدىء في ترجمته من الكتب .
وقد كان من المسائل المرسومة بجدول الاعمال مسألة الفصحى والعامية وقد كانت من اكثرها اثارة لاقلام المقررين ولمناقشات المشاركين ويجب التنبيه الى ان المؤتمر ابرز بكل وضوح تعلق العرب بالفصحى وعدول مثقفيهم عن الدعوة الى العامير اذ بدث تلك الدعوة منتجة للتفرقة وذلك هو الموقف الذي دافعنا عنه في مقال لنا قديم نشر بمجلة " المباحث " فى جوان عام ١٩٤٥ وفى الدراسة التى قدمناها للمؤتمر وسيجد القراء نصها فى هذا العدد من مجلة " الفكر " .
وانحصرت المناقشات فى مدى انتفاع الفصحى من الالفاظ المتصلة بالحياة العامة والمستعملة فى لهجات مختلف الشعوب العربية كالفاظ اصحاب الحرف الدالة على مالديهم من آلات وما يقومون به من اعمال وموقفنا من ذلك جزء من موقفنا من " المولد " وقد اتجهت اراء عدد من المؤتمرين الى التوسع فى قبول المولد توسعا اعظم مما قرره مجمع اللغة العربية المصري فى سنواته الاولى .
لكن يجب الاعتراف بان التوصيات الصادرة عن المؤتمر لا تمكن غير المطلع من ادراك اهتمام المؤتمرين بنشر العربية الصحيحة بين الطبقات الشعبية وتعليمها للعامة
اذ اقتصوت فى هذا الميدان على عدد من الوسائل العملية المعروفة من التزام الفصحى فى التعليم ومن استعمالها فى غالب البرامج الاذاعية وفي المسرحيات والسينما .
ولو يبد فى توصيات المؤتمر اثر لاهتمامه بتيسير قواعد اللغة وكتابتها حتى يكون تعليمها اسهل .
ولا داعى للكتمان في هذا الشأن . فالمؤتمر قد قضى ساعات طوالا فى دراسة ذلك التيسر . وقد علم الجمهور اهتمامه بها اذ اذيع في حفلة عامة ثم على اعمدة الصحف الدمشقية ، محاضرة للدكتور طه حسين فى هذا الموضوع ننقل نصها فى هذا العدد من مجلة " الفكر " ولم يخف ايضا عن الجمهور الدمشقى المثقف ان اراء الدكتور طه حسين قابلها احتراز عدد من المؤتمرين المباشرين لمشاكل اللغة ، وقد عبر عن ذلك الاحتراز الدكتور منصور فهمى في محاضرة كان لها صدى شبيه بصدى محاضرة الدكتور طه حسين .
وان خلو توصيات المؤتمر من الاشارة الى التبسير لا يدل على طي المسألة وانتصار من يقول " ليس في الامكان ابدع مما كان " بل من المنتظر ان تكون اهم مواضيع الدورات المقبلة لاتحاد المجامع . غير ان المقترحات المعروضة في هذه السنة قد فاجأت بعض النواب الذين لم يسبق لهم رأي فى الامر وبدت لآخرين ، من محبذي التيسير انفسهم ، غير كافية أو غير معتمدة على دراسة تامة فتحرجوا من ان يقروا في جلسات قليلة وايام معدودة امرا لم يتمكنوا من تقليبه على وجوهه ومن ضبط جميع نتائجه . فان كان " للمحافظة " اثر فى توصيات المؤتمر - وهل يخلو عمل المجامع من المحافظة ! لا ينبغي ان نبالغ في وصف ذلك الاثر . بل يجب ان نراعي بعين الاعتبار حرص مؤتمر المجامع على درس المشاكل درسا وافيا وعلى اصدار توصيات عن بينة تامة واقتناع كامل . وفى ذلك ثقة بالمستقبل وايمان بان النظر الجدي في مشاكل العربية سيستمر حثيثا حتى الدورة المقبلة لاتحاد المجامع .

