يشعر الناس بأنهم يقضون حياتهم في الدنيا بين أبديتين ، وهي أبدية الماضي وأبدية المستقبل ، ولذا لا يكفون عن التلفت إلى القاضي ، ولا يسأمون التطلع إلى المستقبل ، وكل إنسان إلي حد ما مؤرخ ، يحتفظ في ذاكرته بطوائف من الذكريات السارة والمحزنة ، وما ينفك ينشر صحائفها ويطويها ، والتاريخ للأمم بمثابة الذاكرة للفرد ، وكل أمة مهما كانت متخلفة في مضمار الحضارة لها نصيبها المقسوم من الذكريات الحلوة والمرة ، وهذا النصيب المقسوم هو ما يسمي تاريخها ، وحينها انبثقت أنوار الإسلام في شبه الجزيرة العربية كان للعرب نصيبهم المقسوم من الأخبار التاريخية التي تختلط فيها الحقائق بالأساطير اختلاطا يجعل التمييز بينهما من أشق الأمور ، وكان أكثر هذه الأخبار يدور حول ما يسمي " أيام العرب وحروبهم قبل الإسلام وأنسابهم واخبار بعض القبائل البائدة مثل عاد وثمود وطسم وجديس وشذرات مما سمعوه من حوادث التوراة والتلمود .
ولما ظهر الإسلام شغل المسلمون بالفتوح والحروب حتى توطدت مكانة الإسلام وعلت كلمته ، واستوسق له الأمر . ولما هدأت فورة الفتوح بدأوا يتجهون إلى إثبات الأخبار وتسجيل الحوادث ، وكتابة التاريخ ، وأقبلوا علي جمع الأحاديث النبوية وتفسير القرآن .
وقد نشأ التاريخ الاسلامي نشوءا طبيعيا استجابة لحاجة المجتمع الاسلامي . والظاهر أن مؤرخي العرب لم يعرفوا كتب التاريخ اليونانية أو الرومانية ، لأن شيئا منها لم يترجم إلى اللغة العربية ، ولما نشأ التاريخ الإسلامي علي غير مثال سابق ، وكشف عن خصائص الأمة الإسلامية ، وأغلب مؤرخي المسلمين لم يكونوا من المؤرخين الرسميين الذين تكلفهم الدولة الرجوع إلى الوثائق وجمع الأسانيد وكتابة التاريخ ، وإنما كانوا يتقدمون بمؤلفاتهم التاريخية إلى المجتمع الإسلامي برمته ، ولا يعيشون في كنف الأمراء ولا يعتمدون على معونة الدولة . ولم تخل كتابتهم بطبيعة الحال من التأثر
بنزعتهم المذهبية ، وعقيدتهم السياسية ، ولكن حظهم من النزاهة مع ذلك كان وفورا إلى حد كبير ، فهم لم يكتبوا التاريخ إرضاء للخلفاء والأمراء ، وإنما كتبوه بدافع من ميلهم إلى البحوث التاريخية ، وخدمة المجتمع الإسلامي بوجه عام .
وفي أول الأمر كان التاريخ ممتزجا برواية الحديث وتفسير القرآن ، وذلك لأن المسلمين لما اشتغلوا بجمع القرآن وتفسيره واستقصاء الأحاديث احتاجوا إلى تحقيق المناسبات التي نزلت فيها الآيات ، والمشاهد التي وردت فيها الأحاديث ؛ ولذا عمدوا إلي جمع أخبار السيرة النبوية قبل كل شيء . ويقال إن أول من صنف في السيرة والمغازي هو عروة ابن الزبير المتوفي سنة ٩٣ هجرية ، وقد كان أبوه الزبير أحد الصحابة المقدمين البارزين وأمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ، وهو شقيق عبد الله بن الزبير ، بخلاف أخيهما مصعب فإنه لم يكن من أمهما ، وقد روي عن عائشة أم المؤمنين ، وكان عروة رجلا معروفا بالصلاح والتقوي والعلم ، وقد أصابته الأكلة في رجله وهو بالشام أثناء زيارته للوليد بن عبد الملك وقطعت رجله فأظهر جلدا عجيبا وقوة احتمال نادرة ، ولم يقبل أن يسقي الخمر ليستعين بها علي احتمال الألم ؛ والظاهر أنه توفر على دراسة الأثر والعناية بالأمور الدينية ، وابتعد عن السياسة والأمور الدنيوية ، ولذا اتصل بالأمويين بالرغم مما كان بينهم وبين أخيه عبد الله ، وحاز الإعجاب عبد الملك ، وظفر بتقديره حتى قال فيه عبد الملك : " من سره أن ينظر إلي رجل من أهل الجنة فلينظر إلي عروة " وممن يروي عنه كذلك أنه كان من السباقين إلى رواية أخبار السيرة والمغازي وهب بن منبه المتوفي سنة ١١٤ هجرية ؛ والمعروف عن وهب أنه كانت له معرفة بأخبار الأوائل وأحوال الأنبياء ، وهو من أصل يمني ، ويقول عنه ياقوت إنه كان من خيار التابعين ثقة صدوقا ( . وكان وهب فيما يقال كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة
بالإسرائيليات ، وله كتاب في الملوك المتوجة من حمير واخبارهم . وقد مات وهو على فضاء صنعاء بعد أن بلغ التسعين من عمره . ويروي من كلامه قوله العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والعقل دليله. والصبر جنوده . والرفق أبوه . واللين أخوه ، وهو كلام يدل على أن الرجل قد استفاد على ما يظهر من دراسة التاريخ وكثرة التجارب وطول العمر .
ومن الذين اشتهروا كذلك برواية الأخبار أبان بن عثمان ويعرف باللؤلؤي البجلي ، وأصله من الكوفة ، وكان بتردد في الإقامة بين البصرة والكوفة ، وقد أخذ عنه من أهل البصرة أبو عبيدة معمر بن المثنى ومحمد بن سلام الجمحي وغيرهما ، وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام ؛ ويقول عنه ياقوت " وما عرف من مصنفاته إلا كتاب جمع فيه المبدأ والبعث والتعازي والوفاة والسفيفة والردة .
ويروي كذلك أن محمد بن مسلم الزهري ألف كتابا في المغازي وقد كان من كبار الفقهاء والمحدثين وأعلام التابعين وروي عنه جماعة من الآئمة ، وقد اشتهر بسعة العلم حتي كتب عمر بن عبد العزيز إلي الآفاق يقول : " عليكم بابن شباب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه " وهي شهارة لها قيمتها ، وقد توفي الزهري سنة ١٢٤ هجرية .
وما كتبه هؤلاء المؤرخون التقدمون قد فقد وضاع ولم يصل إلينا مما كتب من السير إلا سيرة عبد الملك بن هشام المعروفة بسيرة ابن هشام ، وهي مختصرة عن سيرة ابن اسحاق المتوفي سنة ١٥١ ، وابن اسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار ، وكان جده يسار من سي عين الحجر ، و يقال إنه أول من دخل المدينة من العراق ، وهو من أقدم الذين جمعوا مغازي الرسول إن لم يكن أقدمهم جميعا ، وكان يروي عن الكثيرين ، وكان قصد أبا جعفر المنصور بالحيرة فكتب إليه المغازى فسمعها من أهل الكوفة ؛ وسمعها منه كذلك أهل الجزيرة حينما كان مع العباس بن محمد وأبي الري فسمع منه أهلها ، واستقر أخيرا ببغداد ومات بها ، ويقال عنه إنه كان يتشيع ويقدم عليا على عثمان ؛ وإنه كذلك كان قدريا ، وكانت له صلة وثيقة بعبد الله بن الحسن بن الحسن .
ويقال إنه كان يأتيه بالشئ فيقول له " أثبت هذا في علمك فيثبته ويرويه عنه ، وكان بينه وبين مالك بن أنس خلاف ، وقد اتهمه مالك بالدجل ، والآراء بوجه عام مختلفة في علمه والثقنة به ؟ فعاصم بن قتادة يقول عنه " لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق وقيل عنه إنه كانت تعمل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار ، وأخطأ في كثير من النسب الذي أورده في كتابه وكان يحمل عن اليهود والنصاري ويسميم في كتبه أهل العلم الأول . وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه ، وابن سلام يقول عنه إنه ممن هجن الشعر وأفسده وحمل منه كل غثاء . وكان من أعلم الناس بالسير فقبل الناس عنه الأشعار ، وكان يعتذر منها ويقول لا علم لي بالشعر إنما أوتى به فأحمله وقد كتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط ، وجاوز ذلك إلى عاد وثمود ، ولم يسأل نفسه من حمل هذا الشعر ومن أداه ، منذ ألوف السنين ، ويقول عنه ابن خلكان في وفياته : " كان محمد المذكور ثبتا في الحديث عند اكثر العلماء ، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته " .
أما ابن هشام الذي روي لنا سيرة محمد بن إسحق فهو محمد بن عبد الله بن هشام وأصله من البصرة وكان مشهورا بعلم النسب والنحو وقد توفي بمصر سنة ٢١٣ حجرية .
ومن أقدم نقلة الأخبار محمد بن شريفة الجرهمي وقد أدرك النبي ولم يسمع منه شيئا ، ووفد على معاوية وكان قد استحضره من صنعاء (اليمن) وقد عمر طويلا حتى بالغ الرواة في تقدير سنه مبالغة تخرج من حدود المأوف والمحتمل ، فزعموا انه عاش ثلاثمائة سنة ، وقد ولد في الجاهلية وأدرك الإسلام وعاش إلي أيام عبد الملك بن مروان . ويروي ياقوت حديثا طويلا دار بينه وبين معاوية ، وله من الكتب كتاب الملوك وأخبار الماضين وكتاب الأمثال . وهما بطبيعة الحال من الكتب التي لا يعرف عنها شيء .
ومن أشهر نقلة الأخبار المتقدمين أبو مخنف، واسمه لوط بن يحيي . وكان جده من أصحاب على ، وكان راوية أخباريا صاحب تصانيف في الفتوح وحروب الإسلام ، وهو كوفي الأصل ، وكان يعد مرجعا في أخبار العراق وفتوحها ، وله كتب كثيرة يدور أكثرها حول الحوادث
التي وقعت في العراق ، وقد توفي سنة ١٥٧ ، وهو ممن اعتمد عليهم الطبري في تاريخه المشهور .
ومن نقلة الأخبار الذين اشتهروا قبل رواج الكتب عوانة بن الحكم ، وهو رجل من أصل متواضع ، كان أبوه عبدا خياطا ، وكانت أمه أمة سوداء ، وقد عاب شيئا من شعر ذي الرمة فهجاه بأبيات يقول منها :
فلو كنت من كلب صميم هجوتها
ولكن لعمري لا إخالك من كلب
وقد توفي عوانة سنة ١٤٧ هجرية وقيل سنة ١٥٨ ، وكان عوانة ضريرا ، وهو يعد من علماء الكوفة بالأخبار خاصة والفتوح مع علم بالشعر ، وعامة أخبار المدائني منقولة عنه ، وروي عنه أنه كان عثماني النزعة وكان يضع أخبارا لبني أمية ، وفي رواية أخرى أن ميوله كانت علوية وأنه لما يلقه الخبر بأن محمد بن عبد الله بن الحسن قد قتل بالمدينة ترحم عليه وذكر فضله وأثنى عليه ، وكان الأصمعي ممن يسمون عوانة وينقلون عنه وكذلك الهيثم بن عدي وكثير من أعيان أهل العلم .
ومن أوسع مؤلفي القرن الثاني الهجري علما وأكثرهم مؤلفات في التاريخ والسير والأخبار على بن محمد المدائني وقد ولد سنة ١٣٥ وتوفي سنة ٢٢٥ وأصله من البصرة . وسكن المدائن ثم انتقل عنها إلى بغداد فلم يزل بها إلى حين وفاته ، واتصل فيها بإسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وقد أسبغ عليه إسحق عطفه وشمله برعايته ، وكان ثقة في روايته وحجة في أخباره ، وقد مثل مرة بين يدى المأمون وتناول الحديث ذكر على بن أبي طالب فحدثه المدائني بأحاديث عنه إلى أن ذكر المأمون لعن بني أمية له ، فروي له المدائني عن أبي سلمة المثني أن رجلا أخبره بهذا الخبر قائلا : كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي عليا ولا حسنا ولا حسينا ، وإنما أسمع معاوية ويزيد والوليد ، قال : فمررت برجل جالس على باب داره ، وقد عطشت فاستسقيته ، فقال : يا حسن اسقه ، فقلت له : أسميت حسنا ؟ فقال : إي والله إن لى أولادا أسماؤهم : حسن وحسين وجعفر ، فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ، ولا يزال أحدنا يلعن ولده ويشتمه ، وإنما سميت أولادي بأسماء أعداء الله. فإذا لعنت ألعن أعداء الله ، فقلت له : " ظننتك خير أهل
الشام وإذا جهنم ليس فيها شر منك " وقد ذكر له ياقوت من مؤلفانه عددا كبيرا من الكتب أكثرها يكاد يكون أقرب إلي فصول قائمة بذاتها منه إلى أن يكون كتبا شاملة مبوبة ؛ فمنها كتاب عن أمهات النبي وآخر عن صفته وكتاب عن اخبار المنافقين وكتاب عن عهود النبي ، ومنها كتب عن أخبار قريش ، ومجموعة أخرى من الكتب في أخبار الخلفاء وكتب أخري في الأحداث ، منها كتاب الردة وكتاب الجمل ، وسلسلة أخرى من الكتب عن الفتوح منها كتاب فتوح الشام وكتاب فتوح العراق ، ومنها كتب في أخبار العرب ، وكتب اخري في أخبار الشعراء ؛ وظاهر أن جهوده الأدبية كانت ضخمة هائلة . وأن اطلاعه كان واسعا شاملا ؛ وقد انتفع مما كتبه المدائني المؤلفون الذين جاءوا بعده فأكثروا من النقل عنه . وقد اعتمد عليه ابن عبد ربه في كتاب العقد ، ويقال إنه نقل كثيرا عن عوانة الأخباري .
ويشبه المدائني في مادته وطريقته وتناوله الموضوعات هشام بن محمد بن السائب الكلبي وقد نشأ هشام في الكوفة وكان نسابة عالما بأخبار العرب وأيامها ومثالها ووقائعها ، ومؤلفاته كثيرة بعضها فيما قارب الإسلام من أمر الجاهلية ، وبعضها في أخبار الإسلام وأخبار البلدان وأخبار الشعر وأيام العرب ، وقد ضاعت أكثر كتبه ولم يبق إلا الروايات المنقولة عنها ، وهو مؤلف كتاب الأصنام ، وهو كتاب صغير الحجم ، والأرجح أن أغلب كتبه كانت من هذا الحجم الصغير ، وقد ألف هشام المأمون كتاب الأنساب ، وصنف لجعفر البرمكى كتاب الملوكي في النسب ، وكان جعفر يعطف عليه ويصطنعه ، وقد توفي هشام سنة ٢٠٦ هجرية .
والمؤرخ الذي حاز شهرة واسعة في هذه الفترة وهي القرن الثاني الهجري - هو الواقدي واسمه محمد بن عمر ، وكان عالما بالحديث والمغازي والفتوح . وقد قربه المأمون وولاه القضاء بشرقي بغداد ؟ وقد عرف الواقدي بغزارة العلم ، وكان ثقة في أخبار الناس والسير والفقه وسائر الفنون ، وقد ولد سنة ١٣٠ هجرية وتوفي سنة ٢٠٧ ؛ ويذكر عنه ياقوت وابن خلكان أخبارا تدل على نبل اخلاقه ووفائه لأصدقائه وسماحة نفسه ، ومؤلفاته كثيرة منها كتاب تاريخ المغازي وكتاب أخبار مكة وكتاب السيرة
وكتاب فتوح الشام ، ويمكن أن يستدل من عناوين كتبه على عظيم قيمتها لو كانت حفظت لنا ، وبالرغم من أن طائفة من المحدثين قد ضعفه فإنه في أخبار الناس والسير والفقه وسائر الفنون ثقة بالإجماع .
ومن مؤرخي ذلك العصر البارزين الهيثم بن عدي . وكانت ولادته قبل سنة ١٣٠ هجرية وتوفي سنة ٢٠٧ . وقيل سنة ٢٠٩ ، وكان واسع الاطلاع ووعاء من أوعية العلم وأصل أسرته من منيج ، ولكنه ولد بالكوفة وقد اشتهر بالرواية ، ونقل من أخبار العرب وأشعارها ولغاتها شيئا كثيرا ، ولكنه لم يكن ثقة في الحديث . وإنما هو صاحب أخبار ، وكانت جاريته تقول عنه : كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي ، فإذا أصبح جلس يكذب ، وقد أذاع عنه بعض خصومه أنه ذكر العباس ابن عبد الطلب بشيء فحبس لذلك . وقد حضر مجلسه مرة الشاعر أبو نواس في حداثته فلم يستدنه الهيثم ولا قربه فقام أبو نواس مغضبا ، فسأل الهيثم عنه فعرفوه به ، فقال : " إنا لله هذه والله بلية لم أجنها على نفسي ، فقوموا بنا إليه لنعتذر " وأظهر أبو نواس قبول المعذرة ولكنه لم يعفه من الهجاء وقد قال فيه من أبيات :
يا هيثم بن عدي لست للعرب
ولست من طيء إلا على شغب
إذا نسبت عديا في بني ثعل
فقدم الدال قبل العين في النسب
والظاهر أن حب الاستطلاع والرغبة في جمع الأخبار والحرص على الإحاطة بها كانت تصل بالهيثم إلي حد التجسس على أحوال معاصريه ومحاولة معرفة أسرار حياتهم الخاصة وعبوبهم الخفية ، وكان يروي تلك الأخبار على وجوهها ويتبع ما كتموا ، فكرهه الناس من أجل ذلك ، ووشوا به إلى الولاة وأغروا به الشعراء فهجوه وقد بلغت كراهيته والحقد عليه من المدعو أبي يعقوب الحريمي إلى حد أنه ذهب إلى شاعر يسمي على بن جبلة وسأله أن يهجو الهيثم . ولما قال له ابن جبلة : " ومالك أنت لا تهجوه وأنت شاعر ؟ أجابه " إنني قد فعلت فما جاءني شيء كما أريد " فقال له ابن جبلة : " كيف أهجو رجلا لم يتقدم إلي منه إساءة ولا له إلي جرم يحفظني ؟ " فقال : " تفوضني فإني مليء بالوقاء
والقضاء ؟ وقبل ابن جبلة ذلك وهجا الهيثم بأبيات قاسية موجعة . والرجل الذي يتعارض الشعراء هجاءه لا بد أنه كان فيه ما يثير الكراهة ويحمل على الضغينة ، ويقال عنه إنه كان يري رأي الخوارج . وقد اختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد وروي عنهم . وله من الكتب كتاب المثالب وكتاب المعمرين وكتاب يونان العرب وكتاب أخبار الفرس ؛ وثبت مؤلفاته حافل بشمل كتبا عن الحكام والقضاة وحوادث الإسلام المبكرة .
وكثير من الروايات التي جمعها هؤلاء المؤرخون المتقدمون محفوظة في مؤلفات المؤرخين الذين جاءوا في أعقابهم ، فقد فقدت معظم مؤلفاتهم ، وبالرغم من ضياع مؤلفات هؤلاء ، المؤرخين فإن جهودهم لم تذهب عبثا ، وقد أدى أمثال المدائني والهيثم وابن السائب وأبي مخنف وابن إسحاق وسائر مورخي الطليعة خدمة كبيرة للأدب العربي والتاريخ الإسلامي بما جمعوا من أخبار الحوادث الهامة ، والروايات الطريفة ، ومهدوا السبيل لظهور كبار المؤرخين امثال الطبري واليعقوبي والسعودي وغيرهم من للؤرخين البارزين الذين أفادوا من المادة الضخمة التي جمعها هؤلاء ، الرواد والتراث القيم الذي تركوه .

