تحتفل الدوائر اليهودية الأدبية بذكرى أديب يهودي كبير هو منديل سفوريم مؤسس الأدب اليهودي الشعبي وقد ولد هذا الأديب في إحدى بلاد لتوانيا منذ مائة عام كاملة في سنة ١٨٣٦؛ واسمه الحقيقي هو شولم يعقوب ابراموفتش؛ ودرس الأدب والعلوم قراءة لأنه لم يظفر بتربية مدرسية منظمة؛
وكان الشعب اليهودي يعيش يومئذ في روسيا في ظل طغيان مطبق ويعاني أمر ضروب الاضطهاد والزراية والفاقة؛ وكانت قد ألفت في ذلك الوقت جمعية من الشباب اليهود المتنور تسمى (مسكليم) أعني الطلائع المثقفة وغرضها أن تعمل لإدخال الأفكار والمدنية الغربية إلى طوائف الشعب اليهودي التي ما زالت تعيش في ظل تقاليدها العتيقة؛ فانضم منديل سفوريم إليهم؛ وكان الكتاب اليهود يكتبون يومئذ إما بالروسية وإما بالعبرية، فسار منديل في أثرهم وأصدر أول كتبه بالعبرية، ولكنه لاحظ أن سواد الشعب اليهودي يتحدث باللغة اليهودية وهي مزيج شعبي من الألمانية المحرقة وعناصر أخرى عبرية وروسية وغيرها، ورأى أن غزو أذهان هذا الشعب لا يكون إلا بمخاطبته بلغته الأصيلة؛ عندئذ فكر منديل في الكتابة باليهودية؛ وكان عملا شاقا لأن هذه اللغة لم تكن لها أصول نحوية أو لغوية، وإنما كانت لغة الحديث الطائر. ولكن منديل كان فناناً ذا مواهب ممتازة، فاستطاع أن يخرج هذه اللغة الشعبية لغة أدبية تصلح للكتابة والقراءة؛ وكتب فعلا باليهودية لأول مرة؛ ووصف للشعب اليهودي حياته المظلمة العتيقة، وذلته الخالدة، وبؤسه المطبق؛ وأخذ يبث إليه روح النهوض والتحرر، وذلك في روايات شعبية جذابة. ولم يستطع كاتب يهودي غير منديل أن يصف نقائص أمته بمثل قوته وجرأته ودقته، فقد وصف طوائف الشعب اليهودي، الأغنياء والفقراء ورجال الدين والمفكرين وصفا قويا، ولم يخف نقيصة أو مأخذا، بل كان شديد الوطأة عليهم جميعاً، لا يذلله ويستدر شفقته سوى بؤس الشعب اليهودي
ولمنديل سفوريم عدة قصص شهيرة منها (الفرس) (رحلة بنيامين) (تروا) (خاتم السعادة) وفيها يصف المجتمع اليهودي في خلال القرن التاسع عشر في مختلف صوره؛ وفي قوة وصراحة لم تعرفا من قبل؛ ومن الغريب أنه استطاع أن يجعل من هذه اللغة اليهودية المبعثرة أداة قوية فصيحة للتعبير الحي؛ وأن يقود الطريق لجعلها لغة أدب يهودي جديد؛ وقد سار في أثره عدة من أكابر الكتاب اليهود في القرن التاسع عشر
فكتبوا باليهودية، التي غدت في يومنا لغة أدب يهودي جديد وتوفي منديل سفوريم في سنة ١٩١٧ وقد أربى على الثمانين بعد أن توطدت دعائم الأدب اليهودي الجديد الذي كان أول من وضع دعامته الأولى

