الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الرسالة"

ماثيو أرنولد، Mathew Arnold

Share

وقد كتب عنه بل قائلا : ( نقد كان أرنولد ناقداً أميناً : نعم لقد  أساء فهمه الكثيرون ولكن ما قيل عنه يجب ألا بعد لا في السير ولا في النفير فلم يخطىء الحقيقة بل أساب مقاتلها في الأحبان وأخطأها في البعض الآخر . ويدر أن تجد في أدينا ناقداً بضائيه فى الدعاية وحسن النكتة . وإن محاضراته عن ترجمة هو ميروس لتؤلف كتاباً تاذ قراءته ، وتفيد مطالعته ، ويستحسن طبعه ؛ فهو كتاب قيم يندر أن تجد له مثيلا في دقة عنوياته وحلاوة دعايته ، فهو يحمل قراءة الأدب لذيذة ؛ ومطالعة سير الحب سارة للرجال الذين بلغوا من العمر عتيا يتذكرون أيام طفولهم ومقاصرات حدائهم .

لن تتيح لنا الظروف أن تناول كل ما كتبه ارنولد في النقد وأصوله وقته ، ويكفى هنا أن نرد مثلين من أمثلة نقده لندلي على الطريقة التي كان يتبعها في نقد الأدب والأدباء أما المثل الأول فهو يتناول آراء أرنولد في الشاعر الإنكليزي المعروف شلي ، والثاني تنسون

لم يكتب أرنولد طيلة حياته نقداً تاماً للشاعر على ولكنه في مواضع كثيرة من مؤلفاته يطلعنا على رأيه فيه ؛ فهو يسفه كثيراً بقوله : ٥ هو ملاك جميل ولكنه عديم التأثير إذ يحلق في الفضاء م فرقاً بأجنحته دون أن يحدث هنالك كبير ار (7) ، وفى بعض المناحى الشعرية يجهد على نفسه للحصول على ما يستطيعه الغير بسهولة ودون أى تعب أو نصب . ولكن الأغانى التي اشتهر أمره فيها لم تكن أحسن ما كتبه الشاعر بل إن معظم أشعاره

متحف من التوافه والمبتذل من الشعر وكان أرنولد يعتقد اعتقاداً جازماً في أن مثلى لم يصل إلى الدرجة السحرية الفائقة التي كانت ستظر منه ، وأن شعره يخلو من السادة السميحة السليمة . ولكن دعنا نستعرض هذين الانتقادين لنرى مبلغ تحتهما وسواهما - أمنا من حيث مادة على وأسلوبه فتكثر فيه الحسنات كما تكثر السيئات . وأما من حيث دياله ومقدرته السحرية فقد أخطأ أرنولد في نقده تمام الخطأ ، فمن يقرأ نشلى قصيدته إلى العطاء to G Skylsrk يجد فيها مقدرة حيالية عظيمة قل أن توجد فى غيره من الشعراء . فقد صور فيها صوراً رائعة لا شك في تأثيرها على نفسية القراء

ولستناول الآن نقده لتنسون ، فقد كان دائم الكراهية لهذا الشاعر العظيم ، وعند ما ظهر كتاب لا خرافات الملك » Tdyila of the King لتسون كتب أرنولد عنه قائلا : ( إن من الأغلاط الكثيرة التي أجدها في تنون في كتابه هذا هو افتقاره لسحر القرون الوسطى وقوة خيالهم ، ومع مقدرته الفنية الفائقة فقد كانت تنتصه المقدرة العقلية (١)

وفى هذا النقد تحامل ظاهر لا يمكن أن نتجاوزه ، فقد كان أرنولد دائم التفضيل لبيرون على تنسون ، وقد وصفه الكثيرون من الأدباء بتعامله على جميع معاصريه مدفوعاً بروح المنافسة ، وهذا خطأ بين لا يمكننا الإغضاء عنه ، فقد كان من محبى . سنت بوف أنه من معاصريه ومنافسيه . ناهيك عن تحامله الشديد على شلى وكيتس الذي امتد طيلة حياته

من المثلين السابقين اللذين ذكرتهما ترى أرنولد من النقد قوى الشكيمة ، ولكن هذه الصفة لم تكن لتنطبق عليه دائماً فكان من محبي وردزورث وبيرون ومن أنصارهما . وقد وصف وردزورث بقوله إن الطبيعة قد أمسكت بقلمه فسجلت روائع وائدها قوة الطبيعة الخارقة على تفهم الحياة ومناحيها المختلفة . وقد كتب إلى أحد أصدقائه ( إنى لا أومن بقوة تنسون ومقدرته في أية ناحية من نواحى الأدب. فهو لا يضامى جوته في تفكيره المصرى ، ولا وردزورث فى خياله وقوة ابتكاره ، ولا بيرون فى عاطفته ورقته . ولكنه شاعر يعتبره الناس في عصرنا هذا

ولكني لا أحمل له فى نفسى أى اعتبار أو تقدير لفته أو لشعره (۱) » . وعندما أتناول البحث في كتابه : « مقالات في النقد * Essays on Criticism برى القاري. هنالك بحثا أكثر اسباب عن شهرة أرنولد في عالم النقد . فهو خير كتاب يقرأء الطالب تعلم فن النقد وأصوله . ولكن نقده لم يكن في الحقيقة مبنياً على الأساس العلمى الصحيح فتحامله شديد على كثير الأدباء والشعراء في عصره . وهذا التحامل قاده للسرخ بأقوال خالية من الحكمة ينقصها التفكير الطويل ، وتحكيم العقل والمنطق .

شعرة:

تتلخص عبقرية أرنولد الشمرية في نجاحه في عرض أفكاره على جمهرة القراء. وفى أشعاره وخاصة قصيدته اميدوكليس Empedoclesرى الشاعر ينشدنا أغاني مطرية وقصائد تسيل رقة وعذوبة . فلنلق نظرة على هذه الأبيات القليلة من شعره ثم بنى حكمتنا عليها بعد تدقيق وإمعان

أبولو - أيها الإله العظيم . إن هذه المساكن لا تصلح سكناك قط . ولكن فى ذلك المكان حيث يلتقى البحر فيه والجبل ، هناك حيث يرسل القمر أشعته الفضية فتتردد الأصوات في الفضاء متغزلة بجماله ، هناك فى وادى الألهة تزب thione يطيب لك العيش وتحلو لك السكني )

لو قرأنا هذه الأبيات في صورتها الإنكليزية لوجدنا الشاعر يعنى معها شارحاً عواطفه ومشاعره . هنالك تسمو نفسه فيرتفع عن مصاف الشعراء العاديين. ولكن موسيقاه هي أنموذج من الأغانى المخيفة التي سبابها ونخافها لتأثيرها على وحدة النفس وكيانها

لقد تدرع أرنولد بدرع من الذكاء والإبتكار . وطيلة حياته تراه قنوعاً بالحياة التي يحياها وراضي بالعالم الذي يعيش فيه ، ولكنا نرى من خلال قصائده تطلعه نحو حياة مشرقة ، حياة الصباح الماطر في أيام الربيع الجميلة عندما تتفتح الأزهار والرياحين ناشرة فى العالم سعادة أزلية خالدة. وفي قصيدته الرقيقة ( الفجرى

المتعلم Scholar Cibsy a فى الشاعر موقاً بتيار العواطف مقوداً لآلهة الشعر يضمن نظريته هذه في بضعة أبيات ملؤها الجمال والروعة متخذا من هذا الحلم البهيج وحيه وسر عبقريته ، فهو يقول :

فوق مياه الحيطات المتوسطة ، حيث تكثر الرياح بين شاطىء إبطاليا وشاطى، سقلية الجميلة حيث تلتقى مياه الاطلانتيك بمياه البحر المتوسط من خلال المصائق الغربية – هناك تسكتة الفن المشرعة حيث ترتفع الصخور إلى عنان السم. - وتهب الأمواج عبها فتخرج الريد. هنالك يظهر الإسبانيون تمر الألوان سيالير قاصرة والإنجاز . فيعقدون أسواقهم التجارية على شواطىء البحار

وأروع قصائده خيالا وأوسعها حرية هي قصيدته «البحرى المهجور & Fsroakin Merman حيث يتطلع إلى العالم القديم بعين التواق الراغب مؤنياً سكان هذا العالم الهجرهم إياه وابتعادهم - فكرة هى نفس حلمه الجميل معبرة بطريقة مخالفة عن رغبته في الشباب ، فى الحياة الجديدة السرمدية حيث يقول :

تلك الكهوف الرملية العميقة الرطبة ، حيث تهدأ الرياح وتسكن سكونا أبديا ، هناك تتسارق الأنوار النظر إلى هذه الأعماق ، وهناك تكثر الأملاح فتذوب في الجداول »

وإن مقدرة أرنولد الرومانتيكية أو الإبتداعية بالأحرى لتتجلى في جماله وطهارته . وعوامل نجاحه وانتصاره تتلخص في سرده الخرافات والأحلام . وموسيقاه تختلف عما عرف في عصره بكونها فجائية شديدة الوقع لم تنل إنجاب المعاصرين . فشهرته كشاعر عبقرى لم تبن بعد . ولما كانت البيئة التي وجد فيها تبتم كل الإحتمام للاخلاق ولا تأبه للجمال وأثره ؛ ولما كان والده رجلا دمث الأخلاق ليناً وعظيما في نفس الوقت ، لذلك نرى في شعر شاعرنا الميل الدائم إلى البساطة والرغبة الجلية في الطهارة والصفاء. وكنتيجة لهذه البيئة ولهذه الرغبة في الشاعر ظهرت هناك قصيدتان عدنا من روائع الأدب الإنكليزي بحثا في الأخلاق والدين بحثاً مسهباً مستفيضاً .

أحب أوتولد الطبيعة حباً جا، فوصفها في قصائده وأغانيه وصفاً قرأه كثير من البؤساء والمتألمين فسروا به عن نفوسهم ،

وأزالوا ما لحقهم من بؤس وشقاء . وكان ينظم قصائده على النمط الذي جرى عليه أستاذه وردزورت من قبله فقاده تقليداً أعمى في أسلوبه وأفكاره . وكان بفطرته لا يميل إلى الاعتقاد بالخرافات والأباطيل القديمة مع أنه دوسها كثيراً في شعره ومؤلفاته ، فالصدق كان رائده في كثير مما نظمه وفي قصيدته ه حداثة الطبيعة the youth of mature a ى شخصته متمثلة أتم التمثيل واكمله . ولم يكن أسلوبه ليقل عن أسلوب شلي أو أى شاعر عظيم آخر ناهيك بأن مادته وأفكاره كانتا لا تضاهيان .

وقصيدته تریشدام وايسوت، تحوى عدداً من الأغانى الرائعة فهى تبدأ بهذه الأبيات الجميلة :

أشعل الضوء يا غلام حتى أراها فاقد أنت الملكة المتعجرفة أخيراً . انتظرت طويلا وغالبت الحمى التي انتاشي تأخرت أيتها العزيزة ، وكان تأخرك سكراً وهجرانا (1)

ويجمع محبو أرنولد وتلامذته على أن قصيدة «رسم وسهراب ) Rurtum and Sohrab هي أحسن ما كتبه الشاعر وقد لقبة على أثرها لورد رسل يقوله : « هو شاعر العصر الأوحد » . وهذه القصيدة مستمدة من قصة اسيوية قديمة تتلخص فى سير مبارزة حدثت بين بطل من أبطال الترك ووالده . وكان كل منهما يجهل صاحبه حتى قتل الولد فعرفه الوالد وحزن عليه حزناً شديدة . وما أجمل وصفه للأموات حين يقول

إن الصدق بلازم شفاه الأموات ، والخداع كان بعيداً عني طيلة حياتي »

وعند ما يعلم الوالد أنه قد قتل فلذة كبده بشتد حربه ويعزم على الإنتحار غرقاً فى النهر فيرجوه ولده المفارق للحياة أن وأن يجاهد في هذه الحياة حتى يحصل ما لم يستطع عو الحصول عليه

ومن بدائع شعره قصيدته الميت الشجاع » التي لا يستطيع فهمها إلا القليل من مثقف القوم ومتأدبيهم . ولكن من يفهمها يشعر باللذة التى تعاوده عند مطالعتها ويحس بنفس الوقت بخلوها من الخيال والإغراء اللذين يشعر بهما عند قراءته لقصيدة «رستم و سهراب ) . فهى تخرج من القلب خروج قصائد برنز الجميلة :

وإن الفقرة الأخيرة مع كونها لا تخلو من بعض الأغلاط إلا أنها لا شك تحوى من العاطفة قدراً كبيرا

عندما تلتق تتطلع بنظراتك ، متفرساً في وجهي وما أحدثته الأيام من الفضون فيه . ولكن بالله دعنى أسألك : من هو ذلك الغريب الذي يتطلع إلى بعين المتأمل، ذو العينين الرماديتين والشعر الأسود »

فلسفه

لقد انتقد أرنولد المجتمع الإسكميري في عدد غير قليل من مؤلفاته وكتبه . وكان يميل إلى تقسيمه إلى ثلاث طبقات متفاوتة : ولاها طبقة الأشراف، وثانيتهما الطبقة المتوسطة، وثالتهما الطبقة العامة ولكنه لم يسمها كما سماها غيره من قبل ؛ بل أطلق على الأولى أسم البرابرة Darbaians وعلى الثانية لقب الفلستينيين Phil istnis وعلى الثالثة لقب العوام Peyrulace وكان يحترم طبقة الأشراف ويكثر من الثناء على أفرادها قائلا : ( إن أعظم الفضائل وجود طبقة راقية من النبلاء يتخلقون بأحسن الأخلاق ويتحلون بأجمل الفضائل ، لهم أفكارهم الشريفة ، وأعمالهم النبيلة التي حبتهم بها الطبيعة . ويزداد جمال هذه الفضائل عندما تصدر عن أناس أقوياء يتحكمون بمصير الأمة ومستقبلها وينزهون أنفسهم عن التشاحن والتطاحن في المسائل التاقية . وقد يحدث أن أحد أفراد هذه الطبقة تموره العيقرية وينقصه الذكاء ولكنه ذلك لا تصدر عنه أمور لا تعد في حكم الشريفة مها (1) ولكن أرنولد يتطلع نحوهم ميرى تقصا لا يمكن صده ، وتوزا ليس من المستطاع إهماله والاغصاء عنه . فهم بحاجة إلى الأفكار السامية وهذا ما سبب تأخرهم في العصور الحديثة . وفي البلاد الأخرى نجد طبقة الفقراء على درجة أعظم من المدنية والحضارة من هذه الطبقة ؛ فالفقير يشعر بضعته ، ويحس بفتره وضعفه فيحسن من شأنه ليظهر بمظهر الند للند والقرن للقرن .

اشترك في نشرتنا البريدية